skip render: ucaddon_box_testimonial مع صدور قرار وزارة التربية والتعليم العالي بإجراء الامتحانات الرسمية، انقسم الشارع اللبناني بين مؤيّدٍ يرى في الخطوة إنقاذًا لما تبقّى من هيبة النظام التعليمي، ومعارضٍ يجد فيها إجحافًا بحق طلابٍ لم يعرفوا طعم الاستقرار طوال عامهم الدراسي. هذا التباين يعكس عمق الشرخ بين الطموح الأكاديمي والواقع المعيشي المأزوم على الأرض. مخاوف وندوب من الناحية العلمية والمنطقية، يرتكز المدافعون عن قرار إجراء الامتحانات على مقاربةٍ بنيوية تحذّر من خطورة البدائل. فالإفادات الرسمية، التي استُخدمت حلولًا مؤقتة في سنواتٍ سابقة، تركت ندوبًا واضحة على سمعة النظام التربوي اللبناني في الخارج. يرى بعض الخبراء الأكاديميين أن الامتحان الموحّد هو الأداة العلمية الوحيدة القادرة على قياس التحصيل المعرفي للطلاب بحدٍّ أدنى من الموضوعية. وفي غيابه، تفقد الشهادة قيمتها التنافسية في الجامعات العربية والدولية، ما يهدّد مستقبل الطلاب الراغبين في إكمال دراستهم في الخارج. كما أن غياب التقييم الموحّد يضرب مبدأ تكافؤ الفرص، إذ لا يمكن مساواة التقييمات المدرسية الداخلية بين قطاعٍ خاص امتلك كل مقوّمات التعليم الحديث، وقطاعٍ رسمي كافح أساتذته وتلاميذه للبقاء في الصفوف. من هنا، يصبح الامتحان، بنظر الوزارة، ضرورةً وطنية لحماية ما تبقّى من المرفق العام، وإرسال رسالة صمود تؤكد أن بيروت لا تستسلم للأزمات. التعليم ابن البيئة على المقلب الآخر، تتبلور وجهة نظرٍ معارضة لا تقلّ منطقيةً وعلمية، لكنها تنطلق من واقعيةٍ نفسية. فالتعليم لا يحدث في فراغ، والتحصيل العلمي يتأثر مباشرةً بالبيئة المحيطة. يرى التربويون أن فكرة «الامتحان الموحّد» تصبح غير عادلة عندما تُفرض على ظروفٍ «غير موحّدة» بالمرونة الكافية. فطلاب المناطق الحدودية والجنوبية، والبقاع والضاحية، عاشوا عامًا دراسيًا هجينًا ومتقطعًا، تخلّله النزوح القسري، والاعتماد على تعلّمٍ عن بُعد يفتقر إلى البنية التحتية من إنترنت وكهرباء. كيف يمكن، من منظور علم النفس التربوي، مطالبة طالبٍ أمضى ليلته على أصوات الانفجارات وقلق التهجير، بأن ينافس في المسابقة نفسها طالبًا عاش عامًا دراسيًا مستقرًا في مناطق أكثر أمانًا؟ هذا التفاوت الهائل في المادة التعليمية المتلقّاة، وفي الجاهزية النفسية، يجعل من الامتحان بصيغته التقليدية عبئًا ثقيلًا يهدّد مستقبل شريحة واسعة من الشباب، دون ذنبٍ اقترفوه. أمام هذا المشهد المعقّد، يتطلّع المجتمع بأسره إلى وزيرة التربية، ليس من موقع التحدي، بل من موقع المناشدة الوطنية الصادقة. إن المسؤولية الملقاة على عاتق الوزارة اليوم تتجاوز مجرد إصدار قراراتٍ إدارية أو تنظيمية؛ إنها مسؤولية إنسانية وأخلاقية تتطلّب النظر في أحوال الطلاب بجدية وعمق أكبر، وتلمّس هواجس الأهالي الذين يواجهون، إلى جانب القلق الأمني، ضائقةً اقتصادية تجعل من تكاليف النقل إلى مراكز الامتحانات عبئًا غير مقدور عليه. إن القيادة التربوية الحكيمة في زمن الأزمات هي تلك التي ترفض الانكفاء، لكنها في الوقت نفسه ترفض ترف التعامي عن الواقع. المرونة الاستثنائية الحل الموضوعي الذي يمكن أن يرضي جميع الأطراف ويحقق التوازن المطلوب يكمن في «المرونة الاستثنائية». لا يكمن الحل في إلغاء الامتحانات وتدمير قيمة الشهادة، ولا في إجرائها بصورةٍ تعسفية لا تراعي المأساة. إن تسويةً عادلة تتطلب اعتماد «امتحاناتٍ تخصصية مرنة»، تتضمن تقليصًا حقيقيًا وعلميًا للمناهج والمواد المطلوبة، والتركيز على الكفايات الأساسية فقط. كما يمكن للوزارة اعتماد مبدأ «الأسئلة الاختيارية الموسّعة» داخل المسابقة الواحدة، ما يتيح للطالب الذي فاتته أجزاء من المنهج بسبب النزوح أن يختار الأسئلة التي تغطي ما درسه فعليًا. والأهم من ذلك، إيجاد آليات تقييمٍ خاصة أو دورات استثنائية متتالية لطلاب المناطق الساخنة، تضمن لهم بيئةً آمنة ووقتًا كافيًا للتحضير. إن إنقاذ العام الدراسي لا يعني فقط إدخال الطلاب إلى قاعات الامتحان، بل ضمان خروجهم منها بشعورٍ بالعدالة والإنصاف. والكرة اليوم في ملعب القرار التربوي لتقديم صيغةٍ إنقاذية تحمي الشهادة اللبنانية، وتحنو في آنٍ معًا على جيلٍ يستحق أن تُفتح له طاقات الأمل، لا أن تُغلق بوجهه الأبواب.
في عالم السياسة والحروب، هناك قاعدة بسيطة: مَن لا يملك خطةً، يتحوّل هو نفسه إلى جزءٍ من خطة الآخرين. اليوم، لا تفصل إسرائيل صارت على تلة علي الطاهر الاستراتيجية. أمتار فقط بين قوةٍ أمضت أكثر من اثني عشر عامًا في بناء واحدة من أهم منشآتها العسكرية في الجنوب، وبين واقعٍ ميداني يكاد يضع هذه المنشأة تحت مرمى الوقائع الجديدة. لكن القصة الحقيقية ليست في المنشأة، بل في العقلية التي أوصلت الأمور إلى هنا. لسنوات طويلة، قيل للناس إنّ «الكلمة للميدان». تحوّلت العبارة إلى ما يشبه النشيد الرسمي الذي يُتلى عند كل أزمة، وكأنّ تكرارها كافٍ لوقف تقدّم الدبابات أو تغيير اتجاه الأحداث. لكن المشكلة أنّ الميدان الحقيقي لا يفهم لغة الشعارات، بل يفهم موازين القوى والخطط والقرارات والنتائج. في المقابل، تتحرك إسرائيل بهدوء الجرّاح الذي يعرف تمامًا أين يضع مشرطه. لا ضجيج، لا خطابات نارية، لا مهرجانات انتصار مسبقة. فقط خطة واضحة تتقدّم خطوةً خطوة. هدف اليوم يصبح واقع الغد، وواقع الغد يصبح نقطة انطلاق لهدف جديد. أما هنا، فما زال البعض يتصرّف وكأنّ الزمن توقّف عند بيانات الانتصار القديمة. ما زال يعتقد أنّ رفع السقف الكلامي يعوّض غياب الرؤية السياسية، وأنّ الخطاب التعبوي يمكن أن يحلّ مكان الحسابات الاستراتيجية. والأكثر إثارةً للسخرية أنّ كل مَن يطرح سؤالًا واقعيًا يُتَّهَم فورًا بالانهزامية، بينما الوقائع نفسها تتقدّم على الأرض أسرع من أي نقاش. أصبح المطلوب من الناس أن تغضّ النظر عن الخرائط وأن تصدّق البيانات، وأن تنسى الأمتار التي تُخسر مقابل الكلمات التي تُربح. المعضلة الحقيقية ليست عسكرية فقط، بل سياسية قبل كل شيء. فلا يمكن لأي قوة أن تدير صراعًا مفتوحًا بينما قرارها السياسي والعسكري معلّق على حسابات إقليمية معقّدة، أو بينما تعجز عن إجراء مراجعة شجاعة لما جرى وما يجري. فالحروب لا تُدار بالعواطف، ولا تُكسب بالماضي، ولا تُحسم باستدعاء أمجاد الأمس كلما تعقّدت وقائع اليوم. بعد كل ما جرى، لم يعد السؤال: ماذا تقول البيانات؟ بل ماذا تقول الخرائط؟ ولم يعد السؤال: مَن يملك الخطاب الأعلى صوتًا؟ بل مَن يملك المشروع الأكثر وضوحًا؟ لأنّ التاريخ لا يرحم مَن يخلط بين الشعار والاستراتيجية. ولأنّ الأرض، على عكس الجماهير، لا تصفّق للخطب. الأرض تنحاز دائمًا لمن يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. أما الاكتفاء بترداد عبارة «الكلمة للميدان»، فيما الميدان نفسه يتراجع تحت ضغط الوقائع، فليس استراتيجية مقاومة، بل وصفة مضمونة لتحويل الخسائر إلى مشهد اعتيادي، والهزائم إلى مجرد بيانات مؤجّلة.
Mondial Lebanon war 1