“وكأنّنا في صيدا ما منعرِف نطبُخ، أو ما منعرِف طعمة تِمنَا!”بهذه العبارة المُعبِّرة، يُعبِّر أحدُ الفعاليّاتِ الصيداويّةِ المُخضرَمة عن أسفه لما جرى خلفَ الكواليس خلال زيارةِ رئيسِ الحكومة نواف سلام الأسبوع الماضي إلى صيدا. فبحسبِ مصادرَ مُطّلعة، تمّ استقدامُ الطعامِ لحفلِ الغداء الذي نظّمته جمعيّة المقاصد في قلبِ صيدا، من أحدِ مطاعمِ بيروت Saveur D’amour المتخصِّصة في خدماتِ الكاترينغ، بحيثُ بلغت قيمة فاتورةُ الطعام أكثر من 15 ألف دولار، وكأنّ صيدا – المعروفةُ بجودةِ أطعمتِها ومأكولاتِها وحلويّاتِها – غيرُ مؤهَّلةٍ لتأمينِ حاجاتِ ضيفِها من الطعام، فتمّ اللجوءُ إلى مطعمٍ من خارجِ المدينة. لا تعكسُ هذه الخطوةُ، ممّن قامَ بها، إلّا حقيقةً مُرَّةً: شعورًا “بالدونيّة” لدى البعضِ تجاه مدينتِهم وما هي قادرةٌ على تقديمِه لزائريها وأهلِها على السواء.أفلا يوجدُ في صيدا مطابخُ مرموقةٌ تُقدِّم أجودَ أنواعِ الطبخِ والمأكولاتِ التي تُفتَخرُ بها محلّيًا وخارجيًا؟ من جمعيّاتٍ كـ”المواساة” و”أهلُنا”، ومطابخَ عريقةٍ أخرى… وصولًا إلى “سندويشات خليل الأطرق”!؟ حُكمًا بلا، لكنه فقدانُ الإيمانِ بما نملك، والانبهارُ بما يأتي من الخارج… فقط لأنّه “من برا”. للأسف.
لَم نَعُد نَفهَمُ ما يَحصُلُ في مَدينَتِنا صَيدا.مُنذُ فَترَةٍ، فَقَدنَا بوصَلَتَنا وإحساسَنا، بَل أَصبَحنا نَنزَعِجُ مِمَّن لَم يَفقِد إحساسَهُ بَعدُ، حتّى نَكونَ جَميعًا شُركاءَ في هذا الخُسرانِ. فَرِحنَا كَثيرًا بِأَنَّ المَهرجاناتِ والمُناسَباتِ والاحتفالاتِ، وسِواها مِنَ الأَعمالِ والنَّشاطاتِ الظرفيَّةِ الَّتي لا تَدعَمُ حَلًّا جِدِّيًّا لِمُشكِلاتِنا الكَثيرةِ في المَدينَةِ، والَّتي لا تُؤدِّي إِلى خُروجٍ فِعليٍّ مِنَ الأَزماتِ الكَثيرةِ الَّتي نَتخبَّطُ بِها، قَدِ انتَهَت. استَبشرنَا خَيرًا أَنَّ المُشكِلاتِ سَلَكَت طَريقَها إِلى الحُلولِ الصَّحيحةِ، وأَنَّ الأَزماتِ الَّتي عِشنَاها كَصَيداويِّينَ أَصبَحَت خَلفَنا، وتَوَقَّعنَا، بَل وتأمَّلنَا، أَنَّ المُعنيِّينَ سَيُبادِرونَ بِالتَّخطيطِ لإِنقاذِ البَلَدِ، والتَّحضيرِ لِبَلسَمَةِ الأَوجاعِ. وأَقَلُّها أَن نَبدَأَ بِتَنظيفِ شَوارِعِنا كَجُهدٍ مَحلِّيٍّ وَفقًا لِأبسَطِ أُصولِ الحَياةِ الإنسانيَّةِ الحَضاريَّةِ، لكِن سُرعانَ ما فُوجِئنَا بِإعادَةِ استِئنافِ الوَلائمِ والمآدِبِ، بِسَببٍ وبِدونِه. نَختَرِعُ المُناسَباتِ لِنَجمَعَ عَددًا، ويَتَجمهرُ عَلَيها كِبارُ السّاسةِ والشَّخصيّاتِ والفَاعليّاتِ، ومِن حَولِهِم بَطانَتُهُم والمُجامِلونَ ومَن يُحسَبونَ عَلَيهِم، ومِثلُهُم. لِتَعودَ “حَليمَةُ لِعادَتِها القَديمَةِ”، ويُنسَى النّاسُ والمَشاكِلُ والتَّحدّياتُ. فَتُنصَبُ الوَلائمُ مِن جَديدٍ في البَذخِ والتَّبذيرِ بِما لا يَنفَعُ المَدينَةَ وبِما لا يَخدِمُ أَهلَها. يَبدو وكَأَنَّ واقِعَنا المَرِيرَ الَّذي نَحنُ فيهِ أَصبَحَ مُتعمَّدًا أَن يَبقَى بِهذا الشَّكلِ. صِرتُ مُوقِنًا بِأَنَّ مُشكِلاتِنا هِيَ مِن صُنعِ أَنفُسِنا، والأَغرَبُ أَنَّ هُناكَ مَن يُدافِعُ عَن هذا الواقِعِ حتّى المَوتِ، ولا يَسمَحُ بِالمَساسِ بِه. أَمُحرَّمَةٌ هذِهِ الأَموالُ عَلى تَحقيقِ المَشاريعِ المُنتِجَةِ والتَّنمِيَةِ المُستَدامَةِ لِصَيدا والصَّيداويِّينَ؟ بارَكَ اللهُ لَكُم بِأَموالِكُم، ولكِن مِن حَقِّ المَدينَةِ وأَهلِها أَن يَسأَلوا: أَمُحرَّمَةٌ هذِهِ الأَموالُ عَلى تَحقيقِ المَشاريعِ المُنتِجَةِ والتَّنمِيَةِ المُستَدامَةِ لِصَيدا والصَّيداويِّينَ؟ أَهِيَ حَلالٌ عَلى بُطونٍ مُتخَمَةٍ، وحَرامٌ عَلى البُطونِ الجائِعَةِ، المُتعطِّشَةِ لِليسيرِ لِتَغييرِ مَجرَى حَياةِ الآلافِ؟ فَكِّروا بِأَنفُسِكُم وبِغَيرِكُم، فَكُلُّنَا نَتشارَكُ الكَثيرَ لِنُعطِيَهُ. كُلُّ ما تَقَدَّمَ هُوَ نَصيحَةٌ لي ولِلجَميعٍ. اتَّقوا اللهَ، وأَنفِقوا بَعضًا مِن هذا المالِ، أَقَلَّه لِتَنظيفِ بَلدِكُم والشوارع، وتَعاوَنوا عَلَى البِرِّ مَعَ كُلِّ قادِرٍ لِتَرفَعوا مِن شَأنِ مَدينَتِكُم بِما يَليقُ بِماضيها وحاضِرِها ومُستَقبَلِها، وفَعِّلوا أَيَّ مَشروعٍ يَعودُ بِالمَنفَعَةِ عَلَيها طالَما عِندَكُم المالُ الَّذي لا يَظهَرُ إِلّا عَلى أَطباقِ المَوائدِ وصُوَرِ المَلابِسِ وتَزيينِ المُناسَباتِ… وهُنا يَخطُرُني سُؤالٌ مُبرَّرٌ، ونَحنُ عَلى أَبوابِ شَهرِ رَمَضانَ المُبارَكِ: هَل يَحِقُّ لِلقَطاعاتِ أَن تَطلُبَ التَّبرّعاتِ بَعدَ هذا الإِنفاقِ غَيرِ الضَّروريِّ؟ فَاعلَموا أَنَّهُ عِندَما تَكسَبونَ مَرضاةَ اللهِ تَعالى، تَتحصَّلونَ عَلى رِضاهُ ورِضى عِبادِه. فاعمَلوا لِكَسبِ مَرضاتِه لا مَرضاةَ مَن لا يَنفَعُ ولا يَضُرُّ إِلّا بِإذنِه. مِن حَقِّكُم عَلى كُلِّ مَسؤولٍ أَن يُؤدِّيَ دَورَهُ ووَاجِبَهُ عَلى أَحسَنِ وَجهٍ في مَوقعِه وإِدارتِه لِبَلدِنا، وتَوفيرِ العَيشِ الكَريمِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَّا طالَما قَبِلَ بِتَحمُّلِ هذِهِ المَسؤوليَّةِ وهذِهِ المُهِمَّةِ. وخِتامًا، لا داعيَ لِلإِكثارِ مِنَ الكَلامِ، ولكِنَّها النَّصيحَةُ: سَيَأتي قَريبًا اليَومُ الَّذي سَيَسأَلُنا فيهِ رَبُّنا سُبحانَهُ وتَعالى عَن أَحوالِنا وأَعمالِنا… ونَصيحَتي – وأُذكِّرُ أَيضًا – لِكُلِّ مَن لَبِسَ أَجمَلَ ما عِندَهُ في هذِهِ اللِّقاءاتِ، أَن يَكونَ لِباسُهُ جَميلًا أَيضًا عِندَ دُخولِهِ المَساجِدَ، حَيثُ يَكونُ في ضِيافَةِ اللهِ، ولاسِيَّما وَقتَ صَلاةِ الجُمُعَةِ. يبدو وكأنّ واقعنا الذي نحن فيه أصبح مُتعمَّدًا أن يكون بهذا الشكل المأساوي والمنحرف. مشاكلنا هي من صنع أنفسنا لا مجرد ابتلاء من الله تعالى، والأغرب أننا ندافع عنها حتى الموت، ولا نسمح بمسّها أحيانا كثيرة… * رئيس مجموعة الكيلاني
كان من المقرَّر أن يُدفَع مبلغُ 70 ألف دولار كمنحةٍ من صندوق جامعة الدول العربية لتأهيل قسم غسيل الكُلى في إحدى مستشفيات صيدا، وقد أُبلِغت إدارةُ المستشفى أن مجلسَ الوزراء ووزارتَي الصحة والمالية وافقوا على صرف المبلغ، لكن العملية توقّفت دون معرفة الأسباب، ولا أحد يعلم أين هو المبلغ. والمستشفى التي تنتظر المال والمعدّات الموعودة، تخشى إدارتها أن تختفي الوعود والأموال كما حصل مع مبالغَ أخرى. فهل ما يحصل خطأٌ إداريٌّ بيروقراطيّ بحاجةٍ إلى تدخّلٍ سياسيّ أو بلديّ؟ أم هو جزءٌ من سياسة إقفال هذه المستشفى وحرمان المدينة من خدماتها وتقديماتها؟ سؤالٌ برسم بلدية صيدا صاحبة الأرض، وبرسم وزارة الصحة التي ضمّت المستشفى إلى ملاكها الطبي عام 2015 من دون خطةٍ لتشغيله.