في قلب مدينة صيدا، وفي وضح النهار، وأمام مرأى ومسمع عشرات المواطنين، أقدم شخصان غير مجهولي الهوية على خطف شاحنة “بيك أب” محمّلة بالمواد الغذائية والبضائع، واقتيادها إلى جهة غير مجهولة، متجاوزَين الحواجز والنقاط الأمنية المنتشرة في مكان الحادث. فقد علمت “البوست” من مصادر مطّلعة أنّ شخصَين من سكان بلدة حارة صيدا، رجلًا وامرأة، أقدما ظهر اليوم، وبرفقتهما مجموعة من الأشخاص يتراوح عددهم بين 6 و7، على الدخول عنوةً وبقوة السلاح إلى المركز الرئيسي لمؤسسة البقاعي للمواد الغذائية في منطقة سينيق جنوب صيدا، حيث عمدت هذه العصبة إلى خطف الشاحنة بما حملت، بعد مظاهر “تشبيح” و”بلطجة” روّعت عشرات الأشخاص الموجودين في المكان وأثارت الخوف والفوضى. وفي كواليس القضية، يظهر أنّ للمعتدين خلافًا مع صاحب الشاحنة على خلفية مالية قديمة، لكن الأخطر في الحادثة أنّها أطلقت العنان لفكرة تحصيل الحق باليد والبلطجة، واستباحة واحدة من أكثر مؤسسات المدينة حضورًا في حياة الناس وتفاعلا معهم. كما أنّ المعتدى عليه، بعد الحادث، أنكر خوفًا (بعد السحسوح) أن يكون قد تم اختطافه، علمًا أنّ عيون الناس، كما كاميرات المراقبة، وثّقت كل ما حصل بالدليل، صوتًا وصورة. فصلٌ جديد من فصول استباحة المدينة ومؤسساتها ورجالاتها، والآتي أعظم… فهل يمر الأمر كما مّر غيره باعتباره حادثا فرديا، أم تتفكر ما تبقى من عقول لما أبعد من “أنوفها”؟
قد يكون ما سيلي واحدًا من أغرب الأخبار التي قد تقرؤها في حياتك، وقد يصلح لاحقًا ليُدرَّس في كليّات الإعلام باعتباره «خبرًا عجيبًا». بلدية صيدا تسرق المال من «المتسوّلين». نعم، بهذه البساطة والغرابة. فقد تفتّقت العبقرية الإدارية والمالية لرئيس بلدية صيدا عن اقتراح قضى بالاستيلاء على الأموال التي وُجدت بحوزة عدد من المتسوّلين في المدينة، علمًا أنّ «الغلمان» الذين تم توقيفهم من قبل شرطة البلدية، أُوقفوا وهم يبيعون «الطبلة» في شوارع المدينة، وليس يتسوّلون على الطرقات والتقاطعات المعروفة. بحسب معلومات حصلت عليها «البوست»، فقد تم توقيف عدد من الصبيان الذين لا تزيد أعمارهم على 15 عامًا بسبب بيعهم أدوات موسيقية، ووُجد بحوزتهم مبلغ من المال يزيد على 6 ملايين ليرة. طلب رئيس البلدية أن تُضاف إلى الصندوق البلدي وتُستخدم للصرف على شرطة البلدية، مهما تكن الحاجة لذلك. كما عُلم أنّ مبلغًا يزيد على 20 مليون ليرة ضُبط بحوزة أحد المتسوّلين قبل مدة، وتمت مصادرته لصالح صندوق الشرطة البلدية. الأكيد أنّ لا أحد منّا مع ظاهرة التسوّل في الطرقات، لا سيّما أنّ منعها يعود الفضل فيه في صيدا لرجل الأعمال مرعي أبو مرعي، الذي بادر على نفقته الخاصة إلى منعها من الشوارع لا للبلدية نفسها. أمّا أن يصل الأمر بإدارة رسمية إلى مصادرة أموال “المعدومين”، لا سيّما أنّ اثنين منهم يبيعان في الشوارع لسداد تكاليف عملية غسل الكلى لإحدى شقيقاتهما، فهو أمر مؤسف في بلد يزيد فيه الغباء يوميًا حدّ التخلّف.
كي يُقدم على خطوةٍ من هذا النوع، وليست المرة الأولى، حُكمًا كان رئيس بلدية صيدا مصطفى حجازي يظنّ أنه سيشارك في منتديات مجموعة العشرين الصناعية الدولية G20، لا في تجمّع فؤاد السنيورة في بناية السادات، وإلا لكان أعاد حساباته بدقّة، متجنّبًا افتعال مشكلة إضافية تُسجَّل في مسيرة “إنجازاته” في الشأن العام. حجازي، الذي يعلم الصيداويون جميعًا أنه لولا قرار الأيام الأخيرة قبيل الانتخابات من قبل النائب السابق بهية الحريري، لما كان متربّعًا على كرسي البلدية اليوم، وأنه وفريق عمله الأساسي محسوبون على جو “آل الحريري” في الصغيرة قبل الكبيرة، فما المستجدّ الذي يدفعه إلى خطوات غير محسوبة، كالمشاركة في مجموعة يترأسها السنيورة، المغضوب عليه حريريًا؟ بحسب أوساط سياسية مطّلعة، لوحظ منذ مدة قيام حجازي بمحاولات واضحة للتمايز عن “جو الحريري”، والتقرّب من بعض القوى السياسية الأخرى في المدينة، تحت عنوانٍ فضفاض مفاده أن البلدية وعاءٌ للجميع، وقد جاءت صورته مترأسا طاولة السنيورة، وإن كان يلهو بهاتفه المحمول كما عادته، لتزيد من الامتعاض “الحريري” تجاه على مستوى القيادة والقاعدة الشعبية على السواء. هذه المحاولات، وإن بدت خفيفة، إلا أنها في مدينة كصيدا، حيث يعرف الجميع بعضهم بعضًا، ولا تخفى بواطن الأمور خلف ظواهرها، سجّلت امتعاضًا واضحًا لدى مؤيدي الحريري، الذين اعتبروا أن في الأمر إنكارًا لواقع أن “إم نادر” هي من أجلست حجازي حيث هو اليوم، وأنها الأقدر على إزاحته من مكانه. يبدو أن مجريات الأمور آخذة في التفاعل بهذا الاتجاه، وقد تحمل الأيام المقبلة مفاجآت غير متوقعة للكثيرين.