٦شهد الطريق الساحلي الرابط بين صيدا وبيروت، اليوم، توترًا أمنيًا لافتًا إثر استهدافات إسرائيلية طالت محيط الأوتوستراد الساحلي، في تطور يعيد هذا الشريان الحيوي إلى دائرة الخطر المباشر، بعدما تحوّل خلال الأسابيع الماضية إلى مساحة مكشوفة أمام المسيّرات والغارات الإسرائيلية. وبحسب المعلومات الأولية، فإنّ الاستهدافات طالت حتى الآن أكثر من 7 سيارات على الطريق الساحلي في محيط السعديات والجية وصولا إلى صيدا، وسط تحليق مكثف للطيران المسيّر، واستنفار أمني في المنطقة، فيما عملت القوى الأمنية وفرق الإسعاف على تطويق أماكن الاستهدافات ومعالجة تداعياتها الميدانية. ويأتي هذا التصعيد في سياق نمط إسرائيلي متكرر يقوم على ملاحقة السيارات والأهداف المتحركة على طرق مدنية مفتوحة، وهو ما يرفع منسوب الخطر على المارة والسكان، خصوصًا أنّ طريق صيدا–بيروت يُعدّ من أكثر الطرقات حيوية في لبنان، ويربط العاصمة بالجنوب مرورًا بمناطق مكتظة بالسكان وحركة السير. وتعكس هذه الاستهدافات اتساع رقعة الضربات الإسرائيلية خارج نطاق القرى الحدودية التقليدية، باتجاه طرق ومناطق أكثر التصاقًا بالحياة المدنية اليومية، بما يحوّل التنقل بين الجنوب وبيروت إلى مغامرة أمنية مفتوحة، ويضع المدنيين أمام واقع جديد عنوانه: لا طريق آمنًا تحت عين المسيّرات. saida strike 7
بينما كانت أجراس الكنائس ومآذن المساجد في القرى الحدودية تستعد لإطلاق زغاريد “العودة”، وبينما كان النازح المتعب يلملم بقايا حياته في حقيبة مهترئة ليعود إلى أرضه، كانت هناك “خناجر” تُغرس في صمت تحت عباءة ما يُسمّى “اتفاق وقف الأعمال العدائية”. لا نتحدث هنا عن خروقات عادية، ولا عن رصاصة طائشة أو قذيفة ضلّت طريقها؛ نحن نتحدث عن ظاهرة مريبة، غريبة، وتكاد تكون غير مسبوقة في تاريخ النزاعات: احتلال يزحف في ظل السلم، وقضم للأرض يتم بمباركة الصمت الدولي! ما يحدث اليوم في قرى الجنوب اللبناني، من كفركلا إلى يارون، ومن مارون الراس إلى شمع، ليس مجرد “ترتيبات أمنية” كما يحاول الإعلام الغربي تلميعه، بل هو استباحة علنية للسيادة اللبنانية تحت مظلة هدنة يبدو أنها كُتبت بحبر إسرائيلي خالص. الدبابة تتنزّه كيف يمكن لعقل بشري أن يستوعب مشهد جرافة “D9” إسرائيلية وهي تقتلع أشجار الزيتون المعمّرة في بلدة لبنانية، بينما تجلس لجان المراقبة الدولية في غرفها المكيّفة تدرس “آليات التنفيذ”؟ الغرابة ليست في العدوان، فالعدو لم يغيّر طباعه، بل الغرابة في هذا “البرود” الذي يلفّ المشهد. المصادر الميدانية تتحدث عن تقدّم ملحوظ للقوات الإسرائيلية نحو نقاط لم تصل إليها حتى في ذروة القتال. يدخلون القرى، ينسفون الأحياء السكنية، ويقيمون سواتر ترابية جديدة، كل ذلك تحت شعار “التأكد من خلوّ المنطقة من البنية التحتية العسكرية”. أي استخفاف هذا بالعقول؟ وهل أصبحت “الهدنة” رخصة مفتوحة للتموضع والاحتلال بدل أن تكون جسرًا للانسحاب؟ إن ما نراه هو “قضم هادئ”. العدو لا ينسحب، بل يعيد تموضع نفسه داخل الأراضي اللبنانية، مستغلًا غياب الردع المباشر بحجة الحفاظ على الاتفاق. إنه سباق مع الزمن لفرض “واقع جغرافي” جديد، بحيث عندما يأتي موعد الانسحاب النهائي المزعوم، نكتشف أن الخريطة قد تغيّرت، وأن تلالًا استراتيجية قد “عُبرت” بالكامل. skip render: ucaddon_material_block_quote المؤامرة الكبرى والغرف السوداء احذروا، فإن ما يدور خلف الكواليس أشدّ قتامة مما تراه الأعين على شاشات التلفزة. هناك رائحة “طبخة” دولية تفوح منها نتانة الخيانة. التقارير الدبلوماسية المسرّبة تشير إلى أن هناك “تفاهمات تحت الطاولة” أعطت للعدو ضوءًا أخضر غير معلن للقيام بـ”تطهير أخير” للمنطقة الحدودية. لماذا الصمت؟ ولماذا هذا التباطؤ المريب في انتشار الجيش اللبناني؟ هل الهدف هو إعطاء العدو الوقت الكافي لتحويل القرى الأمامية إلى “أرض محروقة” غير قابلة للحياة، بحيث تصبح العودة إليها مستحيلة حتى لو انسحب الجيش الإسرائيلي؟ الحذر كل الحذر مما يُسمّى “اللجنة الخماسية” أو “لجنة المراقبة”. إن التاريخ يعلّمنا أن هذه اللجان غالبًا ما تكون “شاهد زور” على ضياع الحقوق. بينما ينشغل السياسيون في بيروت ببيانات الترحيب والتهنئة، تكون الجرافات الإسرائيلية قد رسمت حدودًا جديدة بدم القرى المحطمة. إنهم يحاولون تحويل “المنطقة العازلة” من مفهوم أمني إلى واقع جغرافي منزوع السكان ومنزوع الهوية. الهدنة ليست استسلامًا يا أيها الغيورون على هذه الأرض: إن الصمت على هذه التحركات هو بمثابة “توقيع” على خسارة الأرض. إن ما تفعله إسرائيل اليوم هو “اختبار نبض”. إذا مرّ هذا التقدم المريب دون محاسبة، ودون تحرك جدي على الأرض وفي المحافل الدولية، فإن الهدنة ستتحول إلى “احتلال مقنّع” يدوم سنوات. لا تنخدعوا بكلمات “تثبيت الاستقرار”. أي استقرار هذا الذي يُبنى على أنقاض بيوت المدنيين بعد توقف المدافع؟ إن ما يحدث هو استكمال للحرب بوسائل “سلمية” كاذبة. العدو يستغل حرص لبنان على إنهاء المعاناة ليمارس أبشع أنواع الابتزاز الميداني. القرى اللبنانية بين الركام والخرائط الجديدة فخّ تاريخي الموقف لا يحتمل الدبلوماسية الباردة. الأرض تضيع، والقرى تُنهب في “وضح الهدنة”. إن التقدم الإسرائيلي الملحوظ دون حسيب أو رقيب هو فضيحة للأمم المتحدة، وطعنة في ظهر الاتفاق، وإهانة لكل لبناني صمد في أرضه. إن المرحلة القادمة هي الأصعب. إما أن يفرض لبنان سيادته بقوة الحق وبسرعة الانتشار، وإما أن نجد أنفسنا أمام “حزام أمني” جديد بأسماء وتسميات حديثة تباركها الدول الكبرى. انظروا خلف الستار، راقبوا التحركات في الوديان والتلال، ولا تتركوا “مظلة الهدنة” تعمي أبصاركم عن الحقيقة المرّة: العدو لا يفهم لغة الاتفاقات، بل يفهم فقط لغة الأرض التي تُنتزع من تحت أقدامه. skip render: ucaddon_box_testimonial