قد يكون رئيس بلدية صيدا محقاً في كرهه الجلوس مع هكذا “شِلّة” يتكون منها المجلس البلدي الحالي للمدينة، فمن الصعب هضمهم. ومع الاقرار بذلك توقفت أوساط قانونية متابعة عند مسألة عدم دعوة رئيس بلدية صيدا المجلسَ البلديَّ إلى عقد اجتماع منذ أكثر من شهر، معتبرةً أن هذا الأمر يطرح علامات استفهام جدية حول آلية إدارة الشأن البلدي في مدينة تعيش ظروفًا استثنائية على أكثر من مستوى. ورأت هذه الأوساط أن تعطيل اجتماعات المجلس البلدي، أو الامتناع عن الدعوة إليها ضمن المهل المعقولة، لا يمكن التعامل معه كمسألة إدارية فحسب، بل كخلل في انتظام عمل المؤسسة البلدية، خصوصًا أن المجلس البلدي هو الإطار الطبيعي لاتخاذ القرارات ومناقشة الملفات الحيوية المرتبطة بالمدينة وشؤونها اليومية. واعتبرت أن هذا الأمر قد يشكّل مخالفة للقوانين المرعية الإجراء، ولا سيما في ظل الظروف الدقيقة التي يعيشها البلد عمومًا، وصيدا على وجه الخصوص، حيث تتراكم الملفات الخدماتية والمالية والإنمائية، من دون أن يكون واضحًا للرأي العام كيف تُدار هذه الملفات في غياب اجتماعات المجلس. وتساءلت الأوساط عن الهدف من وراء هذه المخالفة العلنية، وما إذا كان تعطيل الاجتماعات يهدف إلى تفادي النقاش داخل المجلس، أو منع طرح ملفات خلافية وحساسة، أو تمرير واقع إداري لا يخضع للرقابة والمساءلة من قبل الأعضاء المنتخبين. كما استغربت صمت محافظ الجنوب حيال هذا الواقع، وعدم اتخاذه أي إجراءات بحق المخالفين، باعتباره سلطة رقابية معنية بمتابعة انتظام عمل البلديات واحترامها للأصول القانونية.
ليس الفرق بين المثقّف والمفكّر فرقًا في الكمّ، بل في الكيف؛ ولا في ما يُحفظ، بل في ما يُفهم ويُعاد إنتاجه. فكثيرًا ما يلتقي الاثنان في ساحة واحدة — القراءة، الاطلاع، الاشتغال باللغة — لكنهما يفترقان عند العتبة الحاسمة: عتبة إنتاج الرؤية. المثقّف هو ابن التراكم المعرفي. تتكوّن هويته من اتساع الأفق، من قدرته على التنقّل بين الحقول، من إلمامه بتاريخ الأفكار وسيرها. إنه أشبه بمرآة واسعة تعكس العالم كما هو، أو كما قيل عنه. غير أن هذه المرآة، على سعتها، قد تبقى صامتة؛ فهي تعكس ولا تُفسّر، تجمع ولا تُعيد ترتيب ما تجمعه في بنية جديدة. ولذلك يظلّ المثقّف — في كثير من الأحيان — أسير “المعرفة الجاهزة”، حتى وإن أحسن عرضها وتزيينها. أما المفكّر، فهو كائن تحويلي. لا يكتفي باستقبال المعرفة، بل يُخضعها لعمليات تفكيك وإعادة تركيب، منطلقًا من الأسئلة الكبرى حتى تولد منها دلالات جديدة. إنه لا يقف عند حدود ما قيل، بل يسائل شروط القول ذاته. وفي هذا المعنى، لا يكون التفكير مجرد نشاط ذهني، بل فعلًا وجوديًا يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم. المفكّر لا يضيف معلومة إلى رصيده، بل يفتح أفقًا لم يكن مرئيًا من قبل. الفرق الجوهري إذن أن المثقّف يتحرك داخل “نظام المعاني” القائم، بينما المفكّر يشتغل على نقد هذا النظام وتجاوزه. المثقّف يتقن اللغة، لكن المفكّر يعيد تأسيسها؛ الأول يستعمل المفاهيم، والثاني يختبر حدودها ويولّد من احتكاكها مفاهيم أخرى. ومن هنا، فإن المثقّف قد يكون شاهدًا بارعًا على عصره، لكن المفكّر هو من يشارك في صنع هذا العصر. skip render: ucaddon_material_block_quote وعندما ننتقل إلى مجال القيادة والحكم والسياسة، يصبح هذا الفرق مسألة مصيرية. فالمثقّف، بما يملكه من أدوات تحليل ووصف، قادر على تشخيص الأوضاع، وربما على نقدها ببلاغة. لكنه غالبًا ما يبقى داخل الإطار الذي يصفه؛ يرى الخلل، لكنه لا يمتلك دائمًا القدرة على تخيّل نظام بديل متماسك. إنه يفسّر الواقع، لكنه لا يعيد اختراعه. في المقابل، يحمل المفكّر قدرة مزدوجة: الفهم العميق والاستشراف. فهو لا يتعامل مع السياسة كإدارة يومية للأحداث فحسب، بل كحقل لإعادة تشكيل الممكن. إنه يدرك أن الوقائع ليست معطيات نهائية، بل لحظات في مسار يمكن توجيهه. ومن هنا، تصبح القيادة عنده فعلًا إبداعيًا، لا مجرد تدبير تقني. السياسة التي يقودها مثقّف قد تنجح في تحسين اللغة التي نصف بها أزماتنا، لكنها قد تعجز عن تجاوز هذه الأزمات جذريًا. أما السياسة التي يقودها مفكّر، فهي محاولة دائمة لإعادة تعريف المشكلة نفسها، وبالتالي فتح مسارات لم تكن مطروحة من قبل. فالمفكّر لا يكتفي بالسؤال: “كيف نحلّ المشكلة؟”، بل يسأل أولًا: “هل فهمنا المشكلة على نحو صحيح؟ وهل يمكن صياغتها بطريقة أخرى تكشف مخارج جديدة؟”. وهنا يتضح أن التفوّق ليس للمفكّر لأنه “أذكى” بالضرورة، بل لأنه أكثر تحرّرًا من الجاهز، وأكثر استعدادًا لتحمّل قلق الأسئلة الكبرى. فحيث يبحث المثقّف عن اليقين داخل ما هو معروف، يقبل المفكّر بالمخاطرة داخل ما لم يُعرف بعد. وهذا الاستعداد هو ما يمنح القيادة عمقها، ويحوّلها من إدارة للحاضر إلى صناعة للمستقبل. المثقّف قد يكون شاهدًا بارعًا على عصره، لكن المفكّر هو من يشارك في صنع هذا العصر في النهاية، لا ينبغي التقليل من شأن الثقافة؛ فهي شرط ضروري لأي تفكير جاد. لكن الاكتفاء بها يشبه الوقوف عند عتبة البيت دون دخوله. فالمجتمعات التي تكتفي بالمثقفين قد تمتلك ذاكرة غنية وخطابًا متماسكًا، لكنها تظلّ مهددة بالدوران في الحلقة نفسها. أما التي تفسح المجال للمفكّرين، فهي وحدها القادرة على كسر هذا الدوران، والانتقال من تكرار المعنى إلى خلقه. فالقيادة، في جوهرها، ليست قدرة على وصف العالم، بل شجاعة إعادة تخيّله. وهذه الشجاعة لا يمنحها اتساع المعرفة وحده، بل عمق التفكير الذي يحوّل المعرفة إلى رؤية، والرؤية إلى مصير. * أمين عام “تيار المستقبل”
في الدول الطبيعية، النقد حق.في الدول المأزومة، النقد يتحوّل إلى سلاح.أما في لبنان، فقد أصبح، في كثير من الأحيان، امتيازًا انتقائيًا: يُمارَس بحرية على البعض، ويُحظَر عمليًا على البعض الآخر. ليست المشكلة في الجرأة الإعلامية، بل في انتقائيتها. ما شهدناه مؤخرًا من حملات تطال رموزًا دينية، من مفتي الجمهورية إلى البطريرك الماروني بشارة الراعي، لا يمكن فصله عن سياق أوسع: سياق يسمح بكسر هيبة بعض المرجعيات، بينما يفرض خطوطًا حمراء صارمة حول مرجعيات أخرى، سواء أكانت دينية أو سياسية أو عسكرية. هنا لا يعود الإعلام سلطة رقابية، بل يصبح جزءًا من منظومة نفوذ.ينتقد حيث يُسمح له، ويصمت حيث يُمنع. skip render: ucaddon_material_block_quote الأخطر من ذلك، أن هذا الخلل لا يُدار دائمًا من داخل المؤسسات الإعلامية نفسها، بل من خارجها: عبر بيئات سياسية وأمنية تفرض، بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يمكن قوله وما يجب تجنّبه. والنتيجة مشهد عبثي:خطابٌ عالي السقف في اتجاهٍ واحد، وصمتٌ كثيف في اتجاهٍ آخر. هذا ليس إعلامًا حرًا.هذا إعلام مُوجَّه بذكاء. في هذا المناخ، تنشأ ظاهرة أخطر: احتكار الضحية واحتكار الحقيقة.بعض القوى تتقن لعب الدورين معًا، تنتقد الجميع بلا سقف، لكنها تعتبر أي نقدٍ موجّه لها اعتداءً أو “استهدافًا سياسيًا”. وهنا يتحوّل النقاش العام إلى ساحة غير متكافئة: طرفٌ يهاجم بلا قيود، وآخر يُطالَب دائمًا بضبط النفس. هل يمكن لمجتمع أن يحافظ على توازنه في ظل هذه المعادلة؟الإجابة واضحة في الواقع اللبناني: مزيد من الانقسام، ومزيد من فقدان الثقة، ومزيد من التشكيك بكل شيء. الإساءة إلى الرموز الدينية ليست فقط تجاوزًا أخلاقيًا، بل مؤشر على انهيار المعايير. لكن الأخطر منها هو الانتقائية في الدفاع عن هذه الرموز. حين يُدافَع عن رمزٍ هنا ويُتجاهَل رمزٌ هناك، يفقد الدفاع نفسه معناه، ويتحوّل إلى أداة سياسية. وهكذا، نعود إلى جوهر المقولة: إعلام بلا ضمير لا يعني فقط إعلامًا كاذبًا، بل إعلامًا غير عادل. لبنان اليوم لا يعاني من فائض حرية، بل من اختلال في توزيعها.حريةٌ كاملة للبعض، ومقيّدة للبعض الآخر. وما لم يُكسر هذا الاحتكار، احتكار النقد، واحتكار الحصانة، واحتكار الحقيقة، فإن أي حديث عن وعيٍ جماعي سيبقى مجرّد وهم جميل. لأن الوعي لا ينمو في بيئةٍ خائفة، ولا في ساحةٍ غير متكافئة، ولا تحت إعلامٍ يعرف جيدًا متى يتكلم… ومتى يصمت.