في لحظةٍ واحدة، تراجع كلّ ما قيل عن التحوّل الأخضر والحياد الكربوني إلى الهامش، وصعد سؤالٌ بدائيٌّ إلى الواجهة: مَن سيُبقي الضوء مشتعلًا في عالمٍ يختنق؟ لم يكن إغلاق مضيق هرمز تفصيلًا عسكريًّا عابرًا في سياق المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، بل كان ضغطًا مباشرًا على عنق الاقتصاد العالمي، حيث يمرّ عبر هذا الشريان ما يقارب خُمس تجارة الطاقة في العالم. ومع انكماش حركة الملاحة إلى مستوياتٍ شبه مشلولة، لم يعد الحديث عن اضطرابٍ في السوق، بل عن اختناقٍ حقيقيٍّ في النظام الاقتصادي الدولي. شلل وقلق الأرقام التي ظهرت تباعًا لم تكن مجرّد مؤشرات، بل إشارات إنذارٍ صريحة. اختفاء ما يقارب 12 مليون برميل يوميًّا من السوق لم يكن رقمًا تقنيًّا، بل فجوةً تُترجم مباشرةً إلى شللٍ صناعيٍّ وقلقٍ استراتيجي. الأسعار التي قفزت بأكثر من 60 في المئة خلال أسابيع لم تعكس فقط حالة هلع، بل إعادة تسعيرٍ شاملة للمخاطر الجيوسياسية. ومع تزايد التوقّعات بوصول النفط إلى مستوياتٍ غير مسبوقة تقارب 190 دولارًا للبرميل، بدا أنّ العالم يعيد كتابة ذاكرته مع صدمات السبعينيات، ولكن في نسخةٍ أكثر تعقيدًا وتشابكًا. أمّا المخزونات التي تراجعت بمئات الملايين من البراميل خلال فترةٍ وجيزة، فقد كشفت أنّ الهامش الذي كان يُعتقد أنّه آمن، لم يكن سوى وهمٍ مؤجّل. في هذا المشهد، لم تعد الأزمة محصورةً في سوق الطاقة، بل تمدّدت كعدوى إلى عمق الاقتصاد العالمي. تباطؤ التجارة الدولية لم يعد احتمالًا، بل مسارًا مرسومًا، مع تراجع التوقّعات إلى مستوياتٍ تقلّ كثيرًا عن نصف ما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة. سلاسل الإمداد التي بالكاد تعافت من أزماتٍ سابقة، عادت لتترنّح، بينما انخفضت تدفّقات الطاقة عبر المضيق إلى نسبٍ هامشية مقارنةً بوضعها الطبيعي. هكذا تحوّلت الأزمة من مسألة نفط إلى أزمة ثقةٍ في استمرارية النظام الاقتصادي نفسه. في لحظة الاختناق، لم ينتصر الوقود الأنظف، بل الوقود المتاح، ولو كان الفحم الخارج لتوّه من ظلمات التاريخ خطّ مواجهة جديد في قلب هذه العاصفة، وجدت دول الخليج نفسها في موقعٍ لم تعهده. المنطقة التي طالما اعتُبرت مركز الثقل في سوق الطاقة تحوّلت فجأةً إلى خطّ مواجهةٍ مباشر. استهداف المنشآت وتعطيل التصدير وضعا هذه الاقتصادات أمام مفارقةٍ قاسية: ارتفاع الأسعار لم يعد مكسبًا عندما تصبح القدرة على البيع نفسها موضع تهديد. بعض الدول التي امتلكت بدائل لوجستية جزئية استطاعت امتصاص جزءٍ من الصدمة، بينما بقيت أخرى أسيرة الجغرافيا، رهينة ممرٍّ واحد يتحكّم بمصيرها الاقتصادي. هنا، لم تعد المعادلة بين العرض والطلب، بل بين الجغرافيا والسيادة. لكن أخطر ما في هذه الأزمة أنّها لم تتوقّف عند حدود الطاقة. فمع اضطراب تدفّقات النفط والغاز، بدأت سلاسل الإنتاج العالمية تتفكّك تدريجيًّا. أسعار الأسمدة ارتفعت بشكلٍ حادّ، ما انعكس مباشرةً على كلفة الإنتاج الزراعي، بينما تأثّرت الصناعات الثقيلة المرتبطة بالطاقة، من الألمنيوم إلى النقل البحري. النتيجة لم تكن مجرّد تضخّم، بل موجةً تضخّميةً مركّبة تمتدّ من الوقود إلى الغذاء، في عالمٍ لم يستعد توازنه بعد. حين سقط وهم التحوّل الأخضر انهيار متسلسل وسط هذا الانهيار المتسلسل، حدث تحوّلٌ يكاد يكون رمزيًّا في قسوته. عاد الفحم. ذلك الوقود الذي أُعلن خروجه من التاريخ تحت ضغط السياسات البيئية، عاد ليحتلّ موقعًا مركزيًّا في قرارات الطوارئ. لم تعد المسألة تفضيلًا بين نظيفٍ وملوِّث، بل بين متاحٍ وغير متاح. الدول التي أغلقت محطّاته أو خطّطت للتخلّي عنه وجدت نفسها تعيد تشغيله بصمت، في اعترافٍ غير مباشر بأنّ الانتقال الطاقوي لم يكن مكتملًا كما رُوِّج له، وأنّ البدائل، مهما بلغت من تطوّر، لا تزال عاجزةً عن سدّ فجوةٍ مفاجئة بهذا الحجم. الحرب بين إيران والولايات المتحدة لم تغيّر فقط موازين القوى، بل كشفت هشاشة السردية التي بُني عليها العالم خلال العقدين الماضيين. لقد تبيّن أنّ الأمن الطاقوي ما زال أسير الممرّات الجغرافية، وأنّ الحديث عن استقلالية الطاقة لا يزال أقرب إلى الطموح منه إلى الواقع. كما اتّضح أنّ القوة لم تعد تُقاس فقط بامتلاك الموارد، بل بالقدرة على تعطيلها، وأنّ الاقتصاد العالمي، رغم كلّ تعقيداته، يمكن أن يُربك من نقطةٍ ضيّقة على الخريطة. لا تبدو الأزمة مجرّد اختبارٍ عابر، بل لحظة كشفٍ قاسية. العالم الذي ظنّ أنّه يسير بثباتٍ نحو مستقبلٍ نظيفٍ ومنظّم، وجد نفسه يعود إلى أكثر أدواته بدائيةً ليحافظ على استمراريته. الفحم، في هذا السياق، ليس مجرّد وقود، بل إشارةٌ إلى خللٍ عميقٍ في توازن الطموح والواقع. وما يجري في مضيق هرمز ليس مجرّد صراعٍ عسكري، بل إعادة تعريفٍ لقواعد اللعبة الاقتصادية العالمية.
ليس النقاش اليوم مع شعبٍ أو قوميةٍ أو تاريخٍ بعينه، بل مع مشروعٍ سياسيٍّ توسّعيٍّ استخدم النفوذ والأذرع والميليشيات لزعزعة استقرار أكثر من بلد عربي. فالمشكلة ليست في الهويات، ولا في الأمم، ولا في الشعوب التي تتكوّن منها المنطقة، بل في السياسات التي تُبنى على التدخل، وتغذية الانقسامات، واستثمار الفوضى لمراكمة النفوذ. لقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أنّ أيّ مشروع خارجي يدخل إلى الدول العربية تحت عناوين الحماية أو الدعم أو المساندة، ثم يتحوّل إلى وصاية على القرار الوطني، إنما يترك وراءه مؤسساتٍ أضعف، ومجتمعاتٍ أكثر انقسامًا، ودولًا أكثر هشاشة. وما شهدته دول مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن يقدّم أمثلةً واضحة على كلفة التدخلات الإقليمية حين تتقدّم المصالح الاستراتيجية على سيادة الدول واستقرار شعوبها. ماذا قالت الأمم عن الفرس ( Persian ) في أمثالها: مثل أرمني: الفارسي إذا لم يمكنه قتل أحد قتل أباه. مثل فرنسي: الفارسيون مروا من هنا، فكل شيء خراب. مثل صربي: كل البشر يعملون في بناء الأرض وعمارتها إلا الفرس فإنهم يهدمون . مثل أوكراني : الدجاجة ليست من الطيور، والفرس ليسوا من البشر . مثل عربي : من الممكن أن يتعلم الجمل الطيران ، وليس ممكنا أن يتعلم الفارسي محبة الآخرين . مثل بلغاري : حيث تدعس قدمُ فارسيٍّ ، لا ينبتُ عشبٌ أخضر جميل. مثل روماني : إذا باض الديك أصبح الفارسي إنساناً . مثل آشوري : للشيطان وجوه عديدة ، أحدها وجه فارسي . مثل يوناني : إذا تحدث الفارسي عن السلام فاعلم أن الحرب قادمة . وهذا وصفهم كما جاء في رسالة للمقداد رضي الله عنه رداً على كتاب أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الذي طلب فيه من المقداد إخباره عن الفرس ومن هم، فقال المقداد : إنهم علوج عجاف، ونعاج ضعاف، سيدهم القوي وعبدهم الضعيف، يلبسون الخيانة، وينزعون الأمانة، تنقصهم الأخلاق والمروءة، وتلهو بهم الأهواء، وتسوسهم النساء لا عهد لهم ولا ذمة ولا وفاء، أهل غدر ومكر ودهاء، لا تعرف رأسهم من الذنب، إذا شددت عليهم أرخوا لك، وإذا أرخيت لهم شدوا عليك أولئك الفرس.. فكيف بمن هو ذيل للفرس؟ ما حلت إيران الفارسية في بلد عربي الا ودمرته! وخير شاهد على هذا الكلام ما يحدث في لبنان و سوريا و العراق واليمن… صدق الفاروق عمر بن الخطاب حين قال: “ليت بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا ينفذون إلينا ولا ننفذ اليهم .”
توقف كثير من المتابعين حول العالم عند تفصيل كان لافتا في مشهدية محادثات الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، إنها العصا التي ظهرت في يد المشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني. هي ليست مجرّد قطعة بروتوكولية مرافقة للزي العسكري، بل واحدة من أكثر الرموز رسوخًا في تقاليد الجيوش النظامية، وتحمل في الحالة الباكستانية دلالات تاريخية ورتبية وسياسية تتجاوز الشكل إلى المعنى. تُعرف هذه العصا في التقاليد العسكرية باسم “عصا القيادة” (Baton of Command)، وترتبط في بعض سياقاتها التاريخية بما يُعرف بـ “عصا مالاكا” (Malacca Cane)، نسبة إلى نوع الخشب الذي صُنعت منه تقليديًا. أما لدى الضباط من رتب أدنى، فقد تأخذ طابعًا أقرب إلى “عصا التبختر” (Swagger Stick)، بوصفها جزءًا من المظهر العسكري والانضباط الشكلي. تعود جذور هذا التقليد إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية، حين ورث الجيش الباكستاني، على غرار جيوش أخرى في جنوب آسيا، جانبًا واسعًا من الأعراف والبروتوكولات العسكرية البريطانية. في بداياتها، ارتبطت العصا في الجيوش الأوروبية بوظائف عملية، من توجيه الجنود في الميدان إلى فرض الانضباط، قبل أن تتطوّر تدريجيًا إلى رمز شرفي يعبّر عن السلطة والمسؤولية ومكانة القائد في الهرم العسكري. ومنذ ذلك الحين، لم تعد العصا أداة استخدام، بل أداة معنى. إنها ليست خشبة مزخرفة في يد جنرال، بل رسالة صامتة تقول إن حاملها بلغ مرتبة تتجاوز القيادة اليومية إلى مرتبة الهيبة التاريخية في يد قائد الجيش الباكستاني، تختصر العصا ثلاث دلالات أساسية. أولًا، هي رمز السلطة، باعتبارها تجسيدًا بصريًا للتفويض الرسمي الممنوح للقائد لإدارة شؤون المؤسسة العسكرية. ثانيًا، هي علامة رتبية تؤكد الموقع الاستثنائي لحاملها داخل البنية القيادية. وثالثًا، هي ترجمة لتقاليد الانضباط والاستمرارية التي تحرص المؤسسة العسكرية الباكستانية على إبرازها كجزء من هويتها التاريخية وهيبتها المؤسسية. لكن حضور العصا اكتسب بُعدًا أعمق مع عاصم منير تحديدًا. مع ترقيته لرتبة مشير لم تعد العصا التي يحملها تُقرأ بوصفها عصا قيادة عادية، بل بوصفها عصا المشير، وهي أكثر فخامة ودلالة، وتُمنح في مراسم رسمية خاصة لترمز إلى بلوغ ذروة القيادة العسكرية والتموضع في قمة الهرم الدفاعي للدولة. من هنا، لم يعد حمل عاصم منير لهذه العصا مجرد تفصيل بصري، بل تحوّل إلى جزء من الصورة الجديدة التي أُريد تكريسها له بعد ترقيته. فالعصا، في هذا السياق، لا تعبّر عن وظيفة عملية، بل عن انتقال الرجل من موقع قائد جيش إلى موقع أعلى رمزيًا، يُراد له أن يجسّد الدولة القوية، والانتصار العسكري، واستمرارية المؤسسة. وتُصنع هذه العصا تقليديًا من خشب مالاكا، وهو نوع من الروطان أو الخيزران القوي والمرن، ارتبط تاريخيًا بالفخامة العسكرية البريطانية. وتمتاز بخفتها ومتانتها، وغالبًا ما تُزيَّن أطرافها بقطع معدنية فضية أو مذهبة تحمل شعارات رسمية أو إشارات إلى رتبة حاملها. وفي هذا المعنى، فإن تصميم العصا نفسه ليس تفصيلًا زخرفيًا، بل جزء من هندسة الرمز. أما بروتوكوليًا، فتخضع العصا لقواعد صارمة تحكم استخدامها ومرافقتها للقائد. فهي تُسلَّم في مناسبات رسمية مرتبطة بتبدّل القيادة أو تثبيت المنصب، وترافق حاملها في المراسم العسكرية والاستقبالات ذات الطابع المؤسسي. وفي بعض السياقات البروتوكولية، لا سيما عند لقاء رأس الدولة أو رئيس الحكومة أو شخصيات مدنية عليا، يُفترض وضعها جانبًا، في إشارة رمزية إلى أولوية السلطة الدستورية المدنية. كذلك، فإن حمل العصا يفرض نمطًا مختلفًا في التحية والحركة، بما يرسّخ مكانتها كعلامة.