من المرتقب أن يشهد أحد الأحياء الواقعة عند الطرف الجنوبي لمدينة صيدا تشييد مسجد جديد، يتولى أحد المطوّرين العقاريين بناءه على نفقته الخاصة. وبحسب معلومات متقاطعة، فإن المطوّر المذكور كان قد شيّد مجموعة من الأبنية والمساكن في المنطقة نفسها، قبل أن يقرر تتويج المشروع ببناء مسجد يخدم السكان الجدد وأهالي الحي. وتشير المعطيات إلى أن الخطوة تأتي في سياق التوسع العمراني الذي تشهده المنطقة، وما يرافقه من حاجة متزايدة إلى مرافق دينية واجتماعية تلبي احتياجات المقيمين الجدد.
توقّف مصدرٌ صيداويٌّ مطّلعٌ عند ظاهرةٍ “مستجدّة” برزت داخل بلديّة صيدا منذ اندلاع أزمة النزوح، وتمثّلت، بحسب تعبيره، بانكفاء أحد الوجوه التقليديّة الناشطة في العمل الاجتماعي الميداني، في مقابل الدفع بمنافسٍ له من خارج المجلس إلى الواجهة ومنحه حضورًا مصطنعًا ودورًا مبالغًا في حجمه، من دون أن ينعكس ذلك، حتى الآن، بأي أثرٍ جدّيّ أو ملموس على الأرض. بحسب المصدر، فإنّ ما يجري لا يمكن قراءته في إطارٍ إداريٍّ عاديّ أو ضمن توزيعٍ طبيعيٍّ للأدوار، بقدر ما يوحي بوجود حساباتٍ خاصّة تتحكّم بجزءٍ من المشهد، وتدفع باتجاه إعادة ترتيب الواجهات والأسماء وفق اعتباراتٍ لا تبدو بعيدة عن المصالح والتنافسات المكتومة. المفارقة، أنّ “المتنافسَين” يندرجان أصلًا في خانة تجّار العقارات في المدينة، ما يضفي على المشهد بُعدًا إضافيًّا من الالتباس، ويعكس شكلًا من أشكال التنمّر المكتوم على أحدهما، على خلفيّة حساباتٍ قديمة يبدو أنّها لا تزال حيّة تحت الرماد، ولم تُطوَ صفحتها بعد، رغم كل ما يُقال في العلن عن تجاوزها.
عاد ملفّ الضمّ والفرز إلى الواجهة في مدينة صيدا، في ظلّ تزايد الحديث عن توجّه لاعتماد مخطّطات تنظيميّة جديدة قد تطال مناطق عقاريّة داخل النطاق البلدي أو على أطرافه. وبين معلومات متداولة، وتساؤلات غير محسومة، بدأ القلق يتسرّب إلى أوساط المالكين، خصوصًا في ما يتعلّق بمصير الملكيّات الخاصّة، وآليّات التقييم، وحدود المساس بالحقوق المكتسبة هذا التداول المتسارع، وإن لم يُترجم بعد بقرارات رسميّة معلنة، أعاد فتح واحد من أكثر الملفات العقاريّة حساسيّة، نظرًا لما يحمله الضمّ والفرز من انعكاسات مباشرة على التخطيط العمراني من جهة، وعلى حقوق الأفراد من جهة أخرى. فبين من يراه أداة ضروريّة لمعالجة الفوضى العمرانيّة، ومن يخشى تحوّله إلى عبء إضافي على أصحاب الأراضي، يفرض الملفّ نفسه اليوم كنقاش عام يستوجب الإضاءة على أبعاده القانونيّة والتنظيميّة بعيدًا من الإشاعات والالتباس. ما هو الضمّ والفرز؟الضَّمّ والفرز هو إجراءٌ قانونيّ–تنظيميّ تقوم بموجبه الجهات المختصّة بإعادة تنظيم منطقةٍ عقاريّةٍ محدّدة. تبدأ العمليّة بـ«الضَّمّ»، أي جمع عدّة عقارات متجاورة أو متداخلة ضمن وحدةٍ تنظيميّةٍ واحدة، ثم يليها «الفرز» حيث تُعاد قسمة هذه الأراضي من جديد وفق مخطّط تنظيميّ حديث يراعي الطرقات، والمساحات العامّة، وشروط البناء.تؤكّد الجهات الرسميّة أنّ الهدف الأساسيّ من الضَّمّ والفرز هو معالجة الفوضى العمرانيّة الناتجة عن تقسيمات قديمة وغير مدروسة، فتح طرقات جديدة وتأمين مساحات خضراء ومرافق عامّة، رفع القيمة التنظيميّة للأراضي وجعلها صالحةً للبناء الحديث، وإدخال مناطق غير منظَّمة سابقًا ضمن النطاق المدنيّ. تبدو صيدا اليوم أمام اختبار، إمّا تخطيط شفاف يوازن بين المصلحة العامّة والملكيّة الخاصّة، وإمّا ملفّ جديد يُضاف إلى سجلّ الأزمات المؤجَّلة. وبين الخيارين، يبقى حقّ السؤال مشروعًا، وحقّ الطمأنة واجبًا، قبل أن يتحوّل القلق إلى مواجهة كيف تُحتسب حقوق المالكين؟من حيث المبدأ، لا يُفترض أن يؤدّي الضَّمّ والفرز إلى انتقاصٍ من حقوق المالكين. فإعادة توزيع العقارات لا تقوم على مبدأ المساحة فقط، بل على القيمة العقاريّة والتنظيميّة. وقد يحصل المالك بعد الفرز على قطعة أرضٍ مختلفة من حيث الموقع أو المساحة، لكن بقيمةٍ تعادل ملكيّته الأصليّة قبل التنظيم.غالبًا ما يثير الضَّمّ والفرز اعتراضاتٍ واسعة، لأسبابٍ أبرزها تغيّر مواقع العقارات وفقدان بعض المالكين لأراضٍ كانت مطلّة أو ذات موقعٍ مميّز، تأخير طويل في تنفيذ المخطّطات، ما يجمّد حقّ التصرّف بالأرض، شكوك حول عدالة التقييم أو استفادة بعض الأطراف على حساب أخرى، وضعف التواصل الرسميّ مع الأهالي وغياب الشفافيّة أحيانًا.عادةً ما يتمّ الضَّمّ والفرز بموجب مرسومٍ أو قرارٍ رسميّ منشور في الجريدة الرسميّة، مع تحديدٍ دقيق للمنطقة المشمولة. ويمنح القانون المتضرّرين حقّ الاعتراض والطعن ضمن مهلٍ محدّدة، سواء أمام اللجان المختصّة أو عبر القضاء الإداريّ. بين التنظيم والحقوقيبقى الضَّمّ والفرز إجراءً ذا حدّين: فهو من جهة أداةٌ أساسيّة لتنظيم المدن وتحسين بيئتها العمرانيّة، ومن جهةٍ أخرى مصدر قلقٍ حقيقيّ للمالكين إذا لم يُنفَّذ بعدالة وشفافيّة.ويجمع متابعون على أنّ نجاح أيّ مشروع ضمّ وفرز مرتبط بوضوح المعايير، وسرعة التنفيذ، وضمان حقوق المواطنين دون استثناء. لا يمكن التعامل مع ملفّ الضَّمّ والفرز في صيدا بوصفه إجراءً تقنيًا معزولًا عن الناس وحقوقهم، ولا كقرار يُدار خلف الأبواب المغلقة. فالتنظيم العمراني، مهما كانت ضرورته، يفقد شرعيّته حين يتحوّل إلى مصدر قلق دائم للمالكين، أو حين يُقدَّم كأمر واقع بلا شرح ولا ضمانات واضحة. في ظلّ ازدياد الحاجة إلى تخطيطٍ جدّيّ ومستدام، يبقى السؤال مطروحًا: هل تنجح مشاريع الضَّمّ والفرز في تحقيق التوازن بين المصلحة العامّة وحقوق الملكيّة الخاصّة، أم تتحوّل إلى عبءٍ جديد على أصحاب العقارات؟