منذ اللحظاتِ الأولى لاستلامِ المجلسِ البلديِّ الحاليِّ لمدينةِ صيدا مهامَّه، قال مرجعٌ رسميٌّ متابعٌ إنّه لن يُكمل ولايتَه. لم يكن ذلك تكهّنًا أو ضربًا بالرمال، بل قراءةً واقعيّةً للأمر نظرًا لتركيبتِه وكمّيّةِ المشاكل البنيويّة الكثيرة التي يعاني منها حتّى منذ ما قبل ولادته. وبالفعل، أثبتت التجاربُ والمحطّاتُ الكثيرةُ التي مرّ بها هذا المجلسُ، ورئاسته تحديدًا، صدقَ تلك التوقّعات. اليوم، وبعد أن فاضت تلك المشاكلُ عن حدّها وباتت “تُبهدِل” موقعَ المدينة ومكانتَها وتُعيق مصالحَ الناس وتفاصيلَ حياتهم اليوميّة، وليس آخرها الحديثُ عن اختلاساتٍ في الصندوق الماليِّ للبلديّة وما تأتّى عن ذلك من تداعياتٍ لا تزال متواصلةً بجديدٍ كلَّ يوم، يُطرح السؤالُ الأساس بين الصيداويّين، كما في غرفِ السياسيّين ومجالسِهم: كيف ستنتهي هذه المهزلة؟ لحساباتٍ سياسيّةٍ وانتخابيّةٍ، وحتّى شخصيّةٍ، تأجّل مرارًا فتحُ ملفِّ هذه البلديّة بشكلٍ جدّي. أمّا الآن، وفي وقتٍ لم يعد من الممكن لفلفةُ أو تحمل ما يجري في ذلك البناء الأبيض المتهالك على أصحابه وسط المدينة، صار من الواجب الطلبُ بكلّ لطفٍ من جميع الأعضاء، وفي مقدّمتهم رئيسُهم، العودةُ إلى بيوتهم وتجنّبُ السير في الشوارع لفترةٍ من الزمن، علَّ الناس تنسى ما اقترفته أيديهم في وقتٍ قياسي. أمّا المفارقةُ المضحكةُ المبكية، فهي ما علمته “البوست” من مصادرَ مطّلعةٍ بأنّ هناك “تركيبةً” تجري في الخفاء بين عددٍ من الأعضاء الحاليّين لتشكيل مجموعةٍ منهم تُفاتح “الريس” بفكرة الاستقالة الطوعيّة، وفي حال رفضه الأمر، بحثُ المتآمرين فكرةَ تشكيل وفدٍ لزيارة النوّاب والقوى السياسيّة في المدينة لطرح الموضوع، وأنّ هناك من يسعى لخلق اصطفافات وتحالفاتٍ بين الأعضاء للظفر بمنصبٍ يطمح إليه. لن يمر ذلك، ينطبق على هذه البلديّة مبدأ “كلّن يعني كلّن”. لقد اختبركم الصيداويّون وعرفوكم جميعكم “من فوق ومن تحت”. عودوا إلى ما كنتم عليه، واتركوا الأمر لأهله، رحمةً بالناس وحفاظًا على ما تبقّى من ماءِ وجهكم. ليس من العيب أن تكتشف أنك “مش قدها”، لكن من المعيب أن تستمر بالمكابرة، وتدفع صيدا أثمان “خفتكم”. أركنوا بسلام، كفى…
الفسادُ لا دينَ له، تمامًا كما الإجرامُ والاختلاساتُ والسَّرِقاتُ والتوحُّش. قِيَمٌ مجرَّدةٌ لا تحدُّها مناطقُ أو أصنافٌ أو مجتمعات، ومن كثرةِ ما بتنا نعيشُها هذه الأيام، صار الشُّعورُ الإنسانيُّ العامُّ وكأننا نعيشُ في “غابة”، وكأننا في آخرِ الزَّمن. في عالمِ السياسةِ لا وجودَ للصُّدَف، لا سيّما في بلدٍ كلبنان. حينها تصبحُ الصدفةُ تفسيرًا لعدمِ القدرةِ على التفسير. في صيدا أسئلةٌ كثيرةٌ هذه الأيام، لكن يبقى السؤالُ الأكبرُ على ألسنةِ الناس: من يقفُ وراءَ ما جرى؟ ولماذا الآن؟ ومن “يُحرِّتِق” على البلدية ويُصوِّبُ في مختلفِ الاتجاهاتِ السياسيةِ والاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والإنمائية؟ تنوعتِ التكهناتُ عمَّن يقفُ حقيقةً وراءَ ما جرى في صيدا مؤخرا، ومع التأكيدِ بأنَّ “دودَ الخلِّ منُّو وفيه”، علمت جريدةُ “البوست” من مصادرَ سياسيةٍ مطّلعةٍ أن ما حصل كان من خارجِ المدينة، وجاء “كردِّ فعلٍ” لما شهدته البلديةُ نفسها وتحديدا مكتب رئيسها من “حدثٍ” قبل نحوِ أسبوعٍ من اندلاعِ سلسلة الاكتشافات عن فسادٍ واختلاساتٍ في الصندوقِ الماليِّ للبلدية. ولفتتِ المصادرُ إلى أنه، قبل إقفالِ الملفِّ بساعاتٍ قليلةٍ على تسويةٍ كانت تقضي بإعادةِ الفوارقِ الماليةِ إلى الصندوق وتُختَمُ القضيةُ ضمن إطارِها الداخلي، حصلتِ المداهماتُ والتوقيفات، وتبعها تقاريرُ إعلاميةٌ مضخَّمةٌ وتسريباتٌ على تلفزيوناتٍ عادةً لا تلقى اهتمامًا بمواضيعَ محليةٍ كتلك. وربطت هذه المصادرُ المتابعةُ بين رفضِ البلديةِ للهِبةِ التي كانت ستُقدَّمُ من قبل مؤسسةِ “الوليدِ بن طلال الاجتماعيةِ” لإنارةِ شارعِ رياض الصلح، وبين ما حصل في البلدية لاحقًا، معتبرةً أن ذلك كان ردًّا مباشرًا على موقفِ المجلسِ البلديِّ من الموضوع وتعاطيه معه، وهو أمرٌ لم تمرِّره “صاحبةُ” العلاقةِ المباشرة. كم هي غريبةٌ هذه الحياةُ التي نعيشُها، حين يُحارِبُ الفسادُ ممَّن اتُّهِمَ يومًا بالفساد، وكان نزيلًا في إحدى غرفِ “الريتز”. أمورٌ كبيرةٌ على صيدا وناسِها البسطاء الطيّبين. أمورٌ يجدُ شرطيُّ بلديةٍ كأحمد أبو زينب نفسَه وأمثاله ضحيةً لها، وهو لا ناقةَ له فيها ولا جمل، تمامًا كما أطفاله المحرومون من شراءِ حفّاضات، لا لشيءٍ إلا لأنهم وقودُ “لعبةِ الكبار” و”مونوبوز النساء”.
عَلِمَتْ “البوست” أنَّ مفاوضاتِ الساعاتِ الأخيرةِ الماضية بين المعنيّين بالموضوع أفضت إلى إيجادِ حلٍّ قانونيٍّ صاغَهُ محامي بلدية صيدا، يقضي بتحريرِ رواتبِ موظّفي البلدية، وتمكينِهم بالتالي من قبضِ مستحقّاتهم التي مُنعوا من تحصيلِها حتى اليوم بسببِ تَخوُّفِ الموظّفين المعنيّين بدفعِ المستحقّات من الصندوقِ الماليِّ للبلدية، بعد موجةِ التحقيقاتِ بقضايا اختلاسٍ وفسادٍ مؤخراً. وبحسب المعلومات، فإنّ الصيغةَ القانونيةَ التي جرى التوصّلُ إليها جاءت لضمانِ سلامةِ الإجراءاتِ المالية والإدارية، وحمايةِ حقوق الموظّفين، بما يُعيدُ انتظامَ العملِ داخل البلدية ويُخفّفُ من حالةِ القلق التي سادت في أوساطِ الموظّفين خلال الفترة الماضية، ريثما تستكمل التحقيقاتُ مسارَها القانونيّ بعيداً عن تعطيلِ الحقوقِ الماليةِ المستحقّة.