في عام 2025، لم تعد الهجرة في لبنان ظاهرةً اجتماعيّة قابلة للتفسير، بل أصبحت فعلَ إدانةٍ جماعيّ لدولةٍ فاشلة. الأرقام لم تعد حياديّة، بل صارت لغةً سياسيّة بحدّ ذاتها، تكشف أنّ اللبنانيّين لا يفرّون من بلدهم، بل ينسحبون من عقدٍ وطنيٍّ انهار بالكامل. في لبنان اليوم، لم يعد السؤال: من يغادر؟ بل من بقي؟ تشير بيانات الأمن العام اللبناني وتحليلات مراكز أبحاثٍ محليّة إلى أنّ أكثر من 220 ألف لبناني غادروا البلاد بين أيلول وكانون الأوّل 2025 من دون تسجيل عودة لاحقة (الأمن العام اللبناني – تقديرات غير منشورة نقلتها وسائل إعلام 2025). هذا الرقم وحده يكفي لدقّ ناقوس الخطر في أيّ دولةٍ طبيعيّة، فكيف في بلدٍ لا يتجاوز عدد مواطنيه المقيمين فعليّاً أربعة ملايين نسمة. الأخطر أنّ هذه الموجة ليست معزولة. فالتقديرات التراكميّة تشير إلى أنّ ما يزيد على 250 ألف لبناني غادروا لبنان خلال عامي 2024 و2025 باتّجاه هجرةٍ طويلة الأمد أو دائمة (منظّمة الهجرة الدوليّة IOM – تقارير الاتّجاهات الإقليميّة، 2025). نحن إذاً أمام استنزافٍ بشريٍّ منظَّم، لا أمام حركة سفرٍ عاديّة. التركيبة العمريّة للمغادرين تكشف حجم الكارثة. أكثر من 70 في المئة من اللبنانيّين الذين هاجروا هم دون سنّ الخامسة والثلاثين، ومعظمهم من أصحاب الشهادات الجامعيّة والتخصّصات الطبيّة والهندسيّة والتقنيّة (الدوليّة للمعلومات، بيروت، 2025). أي أنّ لبنان لا يخسر أيدياً عاملة فحسب، بل يخسر عموده الفقريّ المستقبليّ. الهجرة هنا ليست خيار تحسين مستوى معيشة، بل ردّ فعلٍ مباشر على انهيارٍ شامل: انهيار العملة الوطنيّة بأكثر من 95 في المئة من قيمتها منذ 2019 (البنك الدولي، Lebanon Economic Monitor، 2025)، تآكل الأجور، تفكّك الضمانات الاجتماعيّة، وغياب أيّ أفقٍ سياسيّ أو إصلاحيّ. الدولة، ببساطة، لم تعد قادرة على إقناع مواطنيها بالبقاء أحياء داخلها. فلسطينيّو لبنان… الهجرة القسريّة المقنّعة في موازاة النزيف اللبناني، تتكشّف مأساة ديموغرافيّة أخرى أقلّ صخباً وأكثر خطورة، تطال الفلسطينيّين في لبنان. أحدث عمليّات التدقيق السكّاني التي نفّذتها وكالة الأمم المتّحدة المختصّة أظهرت أنّ عدد الفلسطينيّين المقيمين فعليّاً في لبنان انخفض إلى ما بين 220 ألفاً و230 ألف شخص فقط (الأونروا – Lebanon Fact Sheet، 2025)، مقارنةً بأرقامٍ كانت تُتداول سابقاً أعلى بكثير. هذا التراجع لا يمكن فصله عن واقعٍ معيشيٍّ خانق. أكثر من 80 في المئة من الفلسطينيّين في لبنان يعيشون تحت خطّ الفقر (الأونروا، التقرير الاجتماعي–الاقتصادي، 2025)، مع حرمانٍ قانونيٍّ مزمن من عشرات المهن، ومنعٍ شبه كامل من التملّك، واعتمادٍ قسريّ على اقتصادٍ هشٍّ ومساعداتٍ دوليّة متقلّصة. ما يحدث فعليّاً هو هجرة قسريّة غير معلنة. الفلسطيني يغادر لبنان لأنّه محاصرٌ قانونيّاً، ومقصيٌّ اقتصاديّاً، ومُعلَّق سياسيّاً بلا أفق. إنّها عمليّة تفريغٍ بطيئة لمجتمعٍ كامل، تجري من دون ضجيج، ومن دون أيّ سياسةٍ رسميّة تعترف بخطورتها. الديموغرافيا سلاح يرتدّ على الدولة حين تُجمَع هذه الأرقام معاً، تصبح الصورة قاتمة. خلال أقلّ من عامين، خسر لبنان مئات الآلاف من مواطنيه، وتراجع الوجود الفلسطيني المقيم إلى أدنى مستوياته منذ عقود. في بلدٍ صغير، هشٍّ اقتصاديّاً، ومنهكٍ مؤسّساتيّاً، لا تُعدّ هذه التحوّلات تفصيلاً، بل تهديداً وجوديّاً مباشراً. الهجرة الجماعيّة تعني انهيار سوق العمل، تفريغ المدارس والجامعات، شيخوخة المجتمع، وتآكل القاعدة الضريبيّة. وتعني أيضاً أنّ أيّ حديث عن إصلاحٍ أو تعافٍ يصبح نظريّاً في بلدٍ يغادره شبابه بوتيرةٍ أسرع من قدرته على الإنجاب أو التعويض. الأخطر أنّ الدولة اللبنانيّة تتعامل مع هذه الكارثة بصمتٍ مريب. لا خطّة وطنيّة لوقف النزيف البشريّ، لا سياسات لاستعادة الكفاءات، ولا حتّى خطاب رسميّ يعترف بأنّ ما يحدث هو انهيار ديموغرافيّ مكتمل الأركان. تشير التقديرات التراكميّة إلى أنّ ما يزيد على 250 ألف لبناني غادروا لبنان خلال عامي 2024 و2025 باتّجاه هجرةٍ طويلة الأمد أو دائمة (منظّمة الهجرة الدوليّة IOM – ام 2025 سيُذكر بوصفه العام الذي صوّت فيه اللبنانيّون والفلسطينيّون المقيمون في لبنان بأقدامهم. لم يسقط النظام السياسي بانتفاضة، بل بتآكلٍ بطيء، حين قرّر الناس أنّ البقاء أخطر من الرحيل. الدول لا تموت فقط حين تفلس خزائنها، بل حين تفقد شعبها. ولبنان، إذا استمرّ هذا المسار، لا يتّجه نحو أزمة هجرة، بل نحو فراغٍ وطنيٍّ حقيقيّ، حيث تبقى الأرض… ويغادر من كان يُفترض أن يصنع المستقبل.
أسوأُ ما في خبريّة «الاحتيال السياسي» التي ضجّ بها لبنان في الأيّام الأخيرة، وعرّت الطبقة السياسيّة فيه، أنّ اسم المحتال هو «أبو عمر»، والمتّهم بمساعدته «شيخ». ففخامةُ اسمِ عمر الفاروق وحده تشعر الكثيرين بالخجل حين تسمع بأنها قد دُنّست في أوساخٍ كالتي نسمعها. أمّا صفةُ «الشيخ»، التي تضعضعت مهما جرى من محاولات للفلفتها على الطريقة اللبنانيّة، باعتبار أنّه «لا نار بلا دخان»، فقد أسهمت في ضرب صورة مشايخ السنّة، وهم في وضعٍ لا يحتملونه في لبنان أصلًا. وما عدا ذلك ممّا عرفه اللبنانيّون حتّى اليوم عن هذه الفضيحة، وآلاف الدولارات التي أُنفقت من قِبَل شخصيّات سياسيّة وحزبيّة لشراء مواقع وكراسٍ وترفع نفوذ، فيمكن اعتبار أنّ أكثر اللبنانيّين «شمتانين» بما حصل لهؤلاء «الخفاف»، الذين تبيّن أنّهم يُدارون بمكالمةٍ هاتفيّة من حدّادٍ في عكّار. لا حتى أكثر. مهما تكن النتائج التي ستُفضي إليها التحقيقات، فالنتيجة الأوضح أنّ المستوى السياسي في البلد بلغ دركًا فاضحًا، لأشخاصٍ يحتلّون الشاشات ويطوفون بعقول الناس كالدمى. لم تعد المشكلة في «أبو عمر» ولا في «الشيخ» خلدون عريمط ولا في حدّاد عكّار الذي تبيّن أنّه يُحرّك رؤوسًا سياسيّة بمكالمة واحدة، بل في بلدٍ كاملٍ تحوّل إلى ورشة «حدادة وبويا»، حيث تُدقّ الأسماء الكبيرة على قياس الاحتيال، وتُطلى الألقاب الدينيّة بطبقة رقيقة من الهيبة المزيّفة. هنا، لا سياسة تُدار، بل مسرحيّة رديئة، أبطالها وجوه تملأ الشاشات أحيانا كثيرة، وقرارها عند أوّل متّصل… فيما الدولة تقف كديكورٍ مهترئ في عرضٍ ساقط.
علمت جريدة «البوست» من مصادرَ اقتصاديةٍ مطّلعةٍ أنّ رجلَ الأعمال، من أصلٍ صيداوي، محمد زيدان، المشغِّلَ للسوقِ الحرّة في مطار بيروت، يسعى منذ فترةٍ إلى كسرِ التوجّه الصادر عن الحكومة مؤخّرًا بالتشدّد في منع التدخين في الأماكن العامة والمغلقة، عبر استثناء مطار رفيق الحريري الدولي منه، وكأنّه عقارٌ خاصٌّ يقع خارج الأراضي اللبنانية. في هذا الإطار، كشفت معلوماتٌ دقيقةٌ أنّ زيدان حاول الضغط على وزير الصحة ركان ناصر الدين لتحييد صالات التدخين في المطار، التي تتبع له، ولا سيّما «صالة السيكار»، من التشديد في تطبيق قرار حظر التدخين. ومن أجل ذلك، استعان بأحد الكوادر الحزبية المحسوبة على الفريق السياسي الذي يتبع له الوزير، إلّا أنّ محاولاته باءت بالفشل حتّى الآن. فقد كان الوزير واضحًا في الزيارة التي قام بها زيدان إلى مكتبه منذ أيّام، برفقة الكادر المذكور، حيث أكّد له أنّ الوزارة لا يمكن لها إصدار قرارٍ فرديٍّ يُلغي قرارًا عامًا صادرًا عن مجلس الوزراء مجتمعًا، وأنّ لبنان، الذي يحتلّ المرتبة الأولى في المنطقة من حيث ارتفاع معدّل انتشار التدخين، بصدد التشدّد أكثر لاتّخاذ إجراءاتٍ حاسمةٍ في مجال مكافحة التبغ، لا التساهل. فعلى الرغم من أنّ دراسةً حديثةً لوزارة الصحة ومنظّمة الصحة العالمية كشفت أنّ أكثر من 9500 شخصٍ يموتون سنويًّا في لبنان بسبب أمراضٍ متعلّقةٍ بالتدخين، أي أكثر من 25% من الوفيات العامة في البلاد، يصرّ بعض «تجّار الموت» على اعتبار الدخان والسيكار قبلتهم المقدّسة، التي يستميتون للدفاع عنها بشتى الطرق، وكأنّ المال وتكديسه أغلى من أرواح البشر. أفلا يتّعظون ممّا جرى لهم، أم إنّها الغفلة المُسكِرة؟ قبل حدوث الأزمة الاقتصادية الأخيرة، كان يُباع نحو 350 مليون علبة سجائر محلّية سنويًّا، أمّا اليوم فقد ارتفع العدد إلى ما بين 500 و600 مليون علبة أرقامٌ مميتة يتكبّد لبنان، بسبب تعاطي التبغ، خسائرَ اقتصاديةً وبشريةً باهظةً تُقدَّر بنحو 140 مليون دولار أميركي، بما يعادل 1.9% من الناتج المحلّي الإجمالي السنوي في البلد. وكشف تقريرٌ صدر حديثًا أنّ لبنان يمكنه تحقيق مكاسبَ اقتصاديةً تتجاوز 400 مليون دولار، وإنقاذ حياة نحو 40 ألف شخص خلال السنوات الـ15 المقبلة، من خلال تطبيق توصيات اتفاقية منظّمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغ. وسجّل استهلاك «المعسّل» ارتفاعًا بنحو 5 ملايين كيلوغرام سنويًّا من قبل اللبنانيين، أي بزيادةٍ تقارب 10% عن السنوات السابقة، بسبب الأوضاع الاقتصادية العامة وارتفاع نسب البطالة. بعد مرور أكثر من 20 عامًا على صدور القانون 174، ومع الميوعة في تطبيقه من قبل الجهات المعنيّة، تبقى الصحّة العامة الخاسر الأكبر، في ظلّ دولةٍ تُقِرّ القوانين، لكنّها نادرًا ما تُتابع تطبيقها. فهل تنجح الحملة الجديدة في فرض القانون هذه المرّة؟ ليست القضيّة صالة سيكار، ولا امتيازًا تجاريًّا، بل سؤالًا جوهريًّا عن معنى الدولة