لا يملك وزير المال ياسين جابر ترف التلكؤ، ولا رفاهية الدوران في حلقة البيروقراطية القاتلة، ولا احتمال الانتظار أمام إدارات رسمية مثقلة بالمحسوبيات والمحاصصة والعجز المزمن. المسألة هنا لم تعد تحتمل العلك السياسي الممجوج، لأنّ ما هو مطروح ليس ملفًا عاديًا، بل خطر داهم يهدد صيدا بأن تختنق بالنفايات في أي لحظة… وعلمت صحيفة “البوست” أنّه من المفترض، خلال اليومين المقبلين، أن يعقد جابر في مكتبه بوسط بيروت لقاءً مع رئيس بلدية صيدا ووفدٍ مرافق، لبحث سبل تطويق أزمة معمل النفايات في المدينة، بعدما كان المعمل يتجه إلى التوقف عن استقبال أطنان النفايات الواردة من صيدا والجوار فور انتهاء عطلة عيد الفطر، بسبب عدم دفع المستحقات المتوجبة له على الدولة اللبنانية عن العام 2024. على أن يواصل بحسب الكتاب الموجّه إلى اتحاد بلديات صيدا الزهراني بتاريخ 26/2/2026، معالجة النفايات المتراكمة في باحته وخارجها، بانتظار ما ستسفر عنه الاتصالات الجارية. حين تُترك صيدا تحت رحمة النفايات، لا يعود الكلام عن خلاف إداري، بل عن جريمة بحق المدينة وأهلها وفي هذا السياق، تشير المعلومات إلى أنّ أصحاب المعمل، ولا سيما السعوديين منهم، بلغوا مرحلة متقدمة من الضيق والاستياء من طريقة إدارة هذا الملف والحملة ضد المعمل، ومن التأخير المزمن في تسديد المستحقات، رغم ما أنفقوه من مبالغ مالية كبيرة على استحداث آليات جديدة وتطوير العمل في المعمل. إلا أنّ وساطات دخلت على الخط وأقنعتهم بمنح فرصة أخيرة، انتظارًا لما سيصدر عن لقاء جابر، وعلى أساس نتائجه سيُبنى القرار النهائي. صحيح أنّ كثيرًا من علامات الاستفهام تُطرح حول أداء معمل النفايات في صيدا، وصحيح أيضًا أنّ هناك أسئلة مشروعة تحتاج إلى أجوبة شفافة ومسؤولة، لكنّ السؤال الأخطر، والأكثر إلحاحًا، يبقى ذاك الذي يتهرّب منه كثير من المعترضين ومقدّمي الإخبارات القضائية: ما هو البديل الفعلي؟ في السياسة الجدية، لا يكفي أن تعترض. لا يكفي أن ترفع الصوت. ولا يكفي أن تفتح معركة بلا أفق. الاعتراض الذي لا يقدّم بديلًا عمليًا وعلميًا ومدروسًا، يتحوّل تلقائيًا إلى شراكة في صناعة الكارثة. لأنّ تعطيل الحل القائم، من دون توفير حل بديل، لا يعني سوى شيء واحد: دفع المدينة نحو الاختناق. وحين تتكدّس النفايات في شوارع صيدا، لن تبقى المسألة بيئية أو خدماتية فحسب، بل ستتحوّل سريعًا إلى أزمة اجتماعية وأمنية ونفسية خانقة، في مدينة تعيش أصلًا تحت ضغط نزوح ثقيل، وتوترات مكتومة، واحتقان قابل للاشتعال. وعندها، سيكون من السهل على كثيرين أن يحمّلوا الوافدين مسؤولية ارتفاع إنتاج النفايات، فتُفتح أبواب فتنة قذرة من تحت ركام الزبالة، وتنفجر أزمة كان يمكن تفاديها لو تحلّى الجميع بحدّ أدنى من المسؤولية. المطلوب اليوم ليس مزيدًا من الصراخ، بل قرار سريع وواضح يمنع سقوط صيدا تحت اجتياح النفايات. أما الذين يكتفون بالتعطيل، ويُجيدون الهدم أكثر من البناء، فعليهم أن يدركوا أنّ المدينة التي ستغرق بالزبالة ستعرف جيدًا من خنقها، ومن أشعل تحتها الفتيل
علمت جريدة «البوست» من مصادر محلية مطّلعة أنّ شخصية سياسية–اقتصادية نافذة في منطقة جزين دخلت في اتصالات غير معلنة مع شخصية صيداوية ذات طابع تقني، في مسعى لبحث إمكانية تحويل كسارة أحجار متوقفة عن العمل منذ فترة إلى مطمر لنفايات بلدات قضاء جزين، في خطوة توصف بأنها حلّ اضطراري لمعالجة أزمة النفايات المستجدّة. وبحسب المعلومات، يأتي هذا التحرّك على وقع التصعيد البلدي الأخير بعد قرار بلدية صيدا رفض استقبال نفايات قضاء جزين في معمل معالجة النفايات في المدينة، ما أدخل الملف في مرحلة توتر سياسي–مناطقي، وفتح الباب أمام خيارات ميدانية سريعة قد تتجاوز الاعتبارات البيئية. وتشير المصادر إلى أنّ إعادة طرح الكسارات كمطامر محتملة يعكس حالة إرباك رسمي وعجز حكومي عن تقديم حلول مركزية، في مقابل اندفاع قوى سياسية–اقتصادية للبحث عن مخارج عملية تُخفّف الضغط الآني، ولو على حساب السلامة البيئية أو اعتراضات المجتمعات المحلية. في موازاة هذه التحرّكات، عُقد اجتماع قبل يومين ضمّ وزيرة البيئة تمارا الزين ورئيس بلدية صيدا وعددًا من رؤساء بلديات قضاء جزين، انتهى إلى وعد من الوزيرة بإدراج بند إيجاد مطمر لنفايات القضاء على جدول أعمال مجلس الوزراء، تفاديًا لانفجار الأزمة وتداعياتها السياسية والشعبية. غير أنّ مصادر «البوست» حذّرت في ظل حساسية ملف المطامر وسوابق الاعتراضات الشعبية عليه، تُطرح تساؤلات جدّية حول ما إذا كانت أزمة نفايات جزين تتّجه نحو حلّ منظّم وشفاف، أم نحو تسوية موضعية عالية المخاطر قد تنقل الأزمة من بعدٍ خدمي إلى اشتباك بيئي–سياسي مفتوح.
تنظرُ إلى المشهد من بعيد.تخالُ أنّ الجدالَ «المستعر» اليوم يدور في ضواحي فرانكفورت أو طوكيو أو بيرنيهات الهندية. تحزنُ حين تعلم أنّها صيدا. باتت هذه المدينة وموضوعُ النفايات كتوأمٍ سياميٍّ يصعب فصلهما من دون دم. هل يُعقل أن يقبع على طرف المدينة لغزٌ وجوديٌّ لم يستطع أحدٌ من القوى السياسية والأمنية والقضائية والنقابية والجمعيات الأهلية، وحتى العوام، حلَّه منذ أكثر من 20 سنة؟ ماذا نعرف عن المعمل، وأزمات النفايات والكنس والجمع والفرز والعوادم، والكبّ في البحر، وجبال النفايات، و«النكيشة»؟ لا شيء علميًّا أو موثّقًا.كلامٌ للشعبوية، وبناءُ معارك وهمية، واستغلالٌ سياسيّ وماليّ. هل المعمل نعمة أم نقمة؟ ما مدى الصعوبة المتوقَّعة، في عصر الذكاء الاصطناعي، أن نُجيب على هذا السؤال مرّة واحدة وحاسمة؟ أن نعلم ما يجري هناك فعليًّا؟أن نُشخّص المشكلات، ونضع الاستراتيجيات والحلول، ونبدأ بالمعالجة تدريجيًّا للوصول إلى وضعٍ طبيعيٍّ بالحدّ الأدنى؟ كلامٌ، ولو بدا تنظيرًا، إلّا أنّه الحقيقة المُبسّطة. إن وُجدت الإرادة، والقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه ومتابعته بشفافية، وتقديم مصلحة صيدا على ما عداها من حساباتٍ ضيّقة، ومنافع مادية، وأهواء شخصية. حليب سبَاع في المدينة اليوم مشكلةٌ إضافية تنضمّ إلى مجموع المشكلات الكثيرة التي تعانيها أصلًا، والتي تدخل في نطاق العمل المركزي لمجلسها البلدي، وما أكثرها.قبل أيام، اتخذ رئيس البلدية مصطفى حجازي قرارًا «كبيرًا» لم نعهده على هذا النحو سابقًا، بطلبه من معمل النفايات في المدينة التوقّف عن استقبال «زبالة» قرى وبلدات منطقة جزين، بذريعة أنّه يكفي صيدا مشكلاتها مع نفاياتها التي تتكدّس جبالًا على الحوض الشرقي للمتوسط. في الظاهر، يبدو القرار عظيمًا لصالح المدينة وأهلها، بذريعة أنّ صيدا لا يجب أن تكون مكبَّ نفاياتٍ لمحيطها، إلّا أنّه في الحقيقة قرارٌ مجتزأ لا يقدّم حلًّا بقدر ما يُثير مشكلات. بحسب معلومات جريدة «البوست»، فإنّه لا خلفية سياسية للقرار المتّخذ من قبل حجازي، وأنّه لم يُتخذ بشكلٍ مفاجئ كما يُقال، بل جرى إبلاغ البلديات المعنية بهذا التوجّه قبل نحو شهر من نهاية العام الماضي للتحضير، لكنهم لم يحرّكوا ساكنًا حياله.ويُذكَر أنّ رئيس البلدية السابق حازم بديع كان قد اتخذ قرارًا مشابهًا في عام 2024، لكنّه لم يحظَ بهذا اللغط والضجيج اللذين رافقا هذا القرار المستغرَب في التوقيت والمضمون. السؤال الأساسي اليوم لا يكمن في القرار نفسه، بل إلى أيّ مدى يمكن الاستمرار به، وكيف سيتمّ توظيفه سياسيًّا قبيل موسم الانتخابات النيابية بين صيدا وجزين وهل من «المُحرِز» اتخاذ خطوة كهذه لإثارة البلبلة بين صيدا وتوسّعها الجزيني؟ ليست جزين المشكلة فحسب من المؤكّد أنّ صيدا، كمدينةٍ عظيمة، لا يجب أن تكون مزبلةً لأحد، وليس جزين فحسب.المشكلة اليوم ليست في نفايات جزين، التي لا يتعدّى حجمها، بحسب عارفين، ما بين 14 و17 طنًّا يوميًّا، تختلف بحسب المواسم صيفًا وشتاءً، وهي لا تشكّل أكثر من 10% من أصل نحو 240 طنًّا من النفايات التي يعالجها المعمل يوميًّا. فإن كانت لغةُ الأرقام لا تكذب، حتى ولو ندرَت حين يتمّ التعاطي مع أداء هذا المعمل، فإنّ معالجةً حقيقية، بعيدًا عن «الشعبوية» التي لا يُجيدها حتى المجلس البلدي على أصولها، تفترض منع إدخال نفايات بلدات وقرى قضاء الزهراني، الممتدّة من حارة صيدا وصولًا إلى ما بعد مصيلح. عندها فقط يمكن القول إنّ بداية حلّ كثرة أحجام النفايات المعالجة من «الخارج» قد وُضعت على السكة الصحيحة. من دون أن نغفل أنّ مخيّم عين الحلوة وحده يُنتج أكثر من 50 طنًّا من النفايات يوميًّا، ومن واجب «غوتشيرز» (أمين عام الأمم المتحدة) وأثرياء فلسطين المستجدّين معالجتها، لا من واجب حجازي أن يقلق وحده في هذا المجال. جبال من النفايات تتكدس على واجهة المدينة البحرية ما يجري في صيدا ليس أزمة نفايات، بل أزمة قرار مزمنة. المشكلة لا تكمن في أطنانٍ تدخل أو تُمنع، بل في عقلٍ اعتاد إدارة الكارثة بالتجزئة والارتجال، وتقطيع المسؤوليات، والذهاب إلى قرارات سهلة قابلة للتسويق بدل حلول صعبة قابلة للحياة. قرار وقف نفايات جزين، مهما بدا جذّابًا في العنوان، لا يقترب من جوهر المأساة القائمة على شاطئ المدينة، ولا يمسّ شبكة المصالح والترضيات التي حوّلت معمل النفايات إلى «صندوقٍ أسود» محميّ سياسيًّا، لا تُفتح دفاتره ولا تُمسّ إدارته.هو قرار منخفض الكلفة سياسيًّا، لأن عبئه يُرمى على «الآخر»، لا على مراكز النفوذ الفعلية المرتبطة بالمعمل وبامتداداته الجغرافية والمالية. الأخطر أنّ هذا النوع من القرارات يُنتج وهْمَ فعلٍ عامّ، بينما يراكم العجز الحقيقي. يدغدغ الشارع مؤقتًا، ويؤجّج انقسامًا مناطقيًّا بلا جدوى، ثم يُعاد تدويره انتخابيًّا كإنجاز، فيما الجبال نفسها من النفايات تبقى في مكانها، تكبر بصمت، وتتعفّن مع المدينة وأهلها. تؤكّد مصادرُ مطّلعة لـ«البوست» أنّ المفارقة فيما يُثار اليوم تكمن في أنّ معمل النفايات يعمل حاليًّا في أفضل حالاته منذ إنشائه، من حيث الفرز والمعالجة وتحديث الآلات والمكننة المطلوبة لاستمراريته، ومع ذلك يعيش أزمةً جديدة كان في غنى عنها. كما تؤكّد مصادر سياسية مطّلعة أنّ عمر هذه الأزمة المستجدّة لن يتجاوز شهرين كحدٍّ أقصى، ليُصار بعدها إلى معاودة استقبال النفايات، فتعود الأمور إلى سابق عهدها. وتوقّفت مصادر صيداوية مخضرمة عند السؤال عن سبب عدم إقدام أيٍّ من فاعليات جزين على إنشاء معمل معالجة أو مطمر بيئي، على الرغم من أنّ بلدات وقرى المنطقة لا ينقصها رجالُ أعمالٍ أثرياء قادرون على استثمار بضعة ملايين من الدولارات لحلّ أزمات ومشكلات أهلهم ومنطقتهم، ولا سيّما أشخاصًا كأمل أبو زيد، إلّا في حال كان يُنظر إلى صيدا باعتبارها ممرًّا للحلويات ومستقرًّا للنفايات؟ صيدا لا تحتاج إلى بطولات انتقائية ولا إلى قرارات موسمية. تحتاج إلى مواجهة كاملة: كشف الأرقام الحقيقية، فتح العقود، تحديد المسؤوليات، وامتلاك الجرأة السياسية لكسر الحلقة التي تحمي هذا الملف منذ أكثر من عشرين عامًا. ما دون ذلك ليس حلًّا، بل إدارة وقت، وتأجيل انفجار، وتدوير أزمات.