ماذا لو جلستَ في قاعة سينما، منتظرًا أفضل فيلم في العام، لتكتشف بعد دقائق أنك غير قادر على تحمّله؟ ليس لأنه سيئ، بل لأنه صامت أكثر مما ينبغي… ثابت أكثر مما يُحتمل. تخيّل المشهد: قاعة مكتظّة، أضواء تنطفئ، عرض يبدأ. دقيقة، دقيقتان، ثلاث… ست دقائق تمرّ ولا شيء يتغيّر. سقف أبيض، بلا حركة، بلا قصة. يبدأ التململ. همسات، احتجاجات مكتومة. في الدقيقة السابعة، ينهض بعض الحضور غاضبين: “ما هذا العبث؟”. ثم، ببطء شديد، تتحرّك الكاميرا. تنخفض من السقف إلى الأسفل. لتكشف الحقيقة: امرأة مشلولة بالكامل، هذا السقف هو عالمها الوحيد. ثماني دقائق من حياتها كانت كفيلة بإرهاق جمهور لم يحتمل الصمت، بينما هي تعيشه عمرًا كاملًا. هذه ليست قصة عن فيلم. إنها قصة عن الإدراك المتأخر. عن لحظة تصطدم فيها رفاهية الشكوى بحقيقة العجز. skip render: ucaddon_material_block_quote في لبنان، لا يحتاج المشهد إلى كاميرا كي ينكشف. السقف حاضر، والجمود أوضح من أن يُخفى. لكن الأخطر ليس في الجمود نفسه، بل في التكيّف معه. خذ مثال الطائفة السنية اليوم. ليست المسألة غياب زعيم تقليدي فحسب، ولا فراغًا عابرًا في القيادة. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير: حالة شلل سياسي واجتماعي، حيث الصوت خافت، والقرار مؤجّل، والاتجاه ضائع بين تقاطعات الطوائف الأخرى. كأن جماعة بأكملها تُحدّق في السقف ذاته. تراه كل يوم، كل ساعة، كل لحظة… حتى تفقد القدرة على التساؤل: هل يمكن أن يتغيّر؟ المفارقة أن هذا الشلل لا يُقابل دائمًا بالرفض، بل أحيانًا بالتبرير. يُعاد إنتاجه عبر خطاب الحذر، أو الواقعية الزائفة، أو الخوف من “الأسوأ”. وهنا تكمن الخطورة: حين يصبح العجز خيارًا مريحًا، لا مأساة يجب كسرها. في الفيلم، لم يحتمل المشاهدون ثماني دقائق من الصمت. في الواقع اللبناني، هناك من اعتاد سنوات من الغياب. لكن هل المشكلة في “غياب الرجل”، كما يُقال؟ أم في فكرة أن الطوائف تحتاج رجلًا أصلًا؟ هذا سؤال لا بد منه. لأن اختزال أزمة طائفة كاملة في غياب قائد هو، بحد ذاته، جزء من الأزمة. إنه يعيد إنتاج نموذج الزعامة الفردية، بدل مساءلة البنية التي تجعل الطائفة رهينة لها. ربما الشلل الحقيقي ليس في غياب شخص، بل في غياب مشروع. غياب رؤية جماعية قادرة على إعادة تعريف الدور، خارج منطق التبعية أو رد الفعل. لبنان اليوم ليس بلد الأزمات الطارئة، بل بلد الأزمات المزمنة التي تمّ تطبيعها. كل طائفة وجدت طريقتها الخاصة في التكيّف: بعضها عبر فائض القوة، وبعضها عبر فائض الخطاب، وبعضها، كما في الحالة السنية، عبر فائض الانتظار. انتظار ماذا؟ لا أحد يعرف بدقة. ربما “لحظة إقليمية”، أو “تسوية دولية”، أو عودة زعيم من الماضي. لكن الزمن السياسي لا ينتظر أحدًا، ومن يكتفي بدور المتفرّج، ينتهي به الأمر خارج المشهد. في نهاية ذلك الفيلم القصير، ظهرت رسالة بسيطة: “عرضنا عليكم ثماني دقائق فقط من حياتها، ولم تستطيعوا تحمّلها”. في لبنان، السؤال يجب أن يُطرح بشكل معكوس، كم سنة يمكن أن تُحتمل قبل أن يتحوّل الصمت إلى هوية؟ وكم من الوقت يحتاج مجتمع ما ليكتشف أن السقف ليس قدرًا… بل نتيجة؟ ليست الدعوة هنا إلى الشكوى، بل إلى كسرها. وليست إلى استحضار زعيم، بل إلى استعادة الفعل. skip render: ucaddon_box_testimonial
يقول جوزيف عون في قصر بعبدا، ونواف سلام من السراي الحكومي اليوم، أكثر مما قاله أحمد الأسير منذ سنين بحق الاستعمار الإيراني، وخطر السلاح خارج الدولة، وخرق السفينة، وتدمير النموذج اللبناني، وطغيان فئة على أخرى. وفي حين يتربّع الأول رئيسًا للبلاد، والثاني قائدًا لإدارتها التنفيذية، يقبع الشيخ الأسير في السجن بتهم لُفّقت له من منظومة ظالمة، فضحتها الأيام بالصوت والصور والدلائل، التي وصلت إلى الأمم المتحدة، لكنها بقيت عند أهل صيدا وكأنها أمر عادي، مدجّن ومقبول. منذ أيام، تجري في قاعة مجلس النواب اللبناني مناقشات لإقرار قانون عفو للمظلومين والأسرى في السجون اللبنانية، علّها تكون خطوة إنصاف بحق المئات، بل الآلاف، الذين جارت عليهم “حقبة الظلام الظالم”. وكما هي تركيبة البلد، كلٌّ يحاول تحقيق المكاسب لـ“ربعه”، ويبقى “أهل السنة” الحلقة الأضعف. فحين يصل الكلام إلى ما يُعرف بالموقوفين الإسلاميين، تطفو إلى السطح كلمات كبيرة مثل: “الإرهاب”، “قتلة الجيش”، “دم الجيش”، “أكلة الأكباد”، “ذبح الأعناق”، وغسيل للأدمغة على مدى سنين، بما يفضي إلى الخوف من طرح الموضوع بشفافية وواقعية وقوة، فينزوي المدافعون عنه تحت تنميط بات عبئًا بسبب الشعارات الممجوجة والاتهامات المعلّبة نفسها. وحده النائب عبد الرحمن البزري كان منخرطاً بشكل مباشر منذ أشهر في الأعداد والمتابعة للقانون المطروح اليوم. وقد أكد ل”البوست” أن “أي تعديل على القانون المقترح يستثنى فئة دون غيرها، سوف لن يمر…” لكن من المعيب بحق مدينة هي عاصمة الجنوب، وقواها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية الفاعلة، أن ينبري نائب كفيصل كرامة، كان حليفًا لسنين للنظام السوري البائد، ومرشحًا مقرّبًا من “الثنائي الشيعي”، ليقول كلاما محق يصمت عنه أهله . إذا كانت تهمة هؤلاء، كما يُسوَّق دومًا، أنهم قتلة جيش، فهناك من ذبح المؤسسة العسكرية، وقتل وطنًا بأكمله بالدمار والتهجير والتشريد والإفلاس، والإرجاع إلى حقب “العصور الحجرية”. من المعيب أن يقول وئام وهاب ما يخشى أهل صيدا قوله، وكلهم يعلمون، بينهم وبين أنفسهم، حقيقة الأمر: أن جرح المدينة الذي لم يندمل كان ظلمًا موصوفًا، وفخًا منصوبًا بحق المدينة نفسها، كما بحق العديد من أبنائها المسجونين والمبعدين والمقتولين. لكم فيما جرى ويجري في سوريا عبرة يا أولي الألباب. الظلم، وإن طال، فلا يُراكم إلا انفجارًا أكبر. حينها سيكون الجميع مسؤولًا عن خرق السفينة وإغراق الناس وقلب الطاولة على الجميع. فالجمر يغلي تحت الرماد، والتعامي عن تداعياته جريمة بحق الوطن واللبنانيين. حينها ستكونون كلكم شركاء في قتل الأبرياء وسجن المظلومين، لا من نطق بالحكم الجائر فحسب، بل صمتكم كان شريكًا متواطئًا… ويلٌ لأمة تنتفض من أجل صاحب مولّد، وتخنع صامتة على ظلم مشايخها وأبنائها المظلومين. التاريخ لن يرحم.