توقّف مصدرٌ سياسيّ صيداويّ مخضرم عند ظاهرةٍ باتت واضحة في المدينة خلال الأيام الأخيرة، تتمثّل في مسارعة الشخصيات السياسية والقوى الفاعلة إلى تفقد الأماكن التي استهدفتها آلة الحرب الإسرائيلية المجرمة، برفقة رهطٍ من أشخاص يبدو أنهم جُمِعوا على عجل لزوم اكتمال “الكادر” الفوتوغرافي. وبرأي المصدر، يعكس هذا المشهد المستوى الحقيقي الذي وصل إليه العمل السياسي والتعاطي مع الشأن العام في المدينة، حتى صارت الصورة والنشر الإعلامي لزامًا على كل من يحلم بمنصب أو كرسي. فتجد أشخاصًا لا علاقة لهم بالحادثة أصلًا يتسابقون فيما بينهم للتوجّه إلى مكان الاعتداء، والوقوف بوضعيات مختلفة أمام الكاميرات، والإدلاء بتصريحات لا تتعدّى كونها كلامًا فارغًا لا يصرف فعليًا بحق من طالتهم الاعتداءات.
لم تكد بلدية صيدا تلتقط أنفاسها بعد ما وصفه بعض المتابعين بـ”الهدنة المكتومة” بين عضو المجلس البلدي عامر معطّي ورئيسه، حتى بدا أن جبهة الخلاف انتقلت إلى مواجهة جديدة، هذه المرة مع العضو رامي بشّاشة، وعلى خلفية ملف بات من أكثر الملفات حساسية في المدينة: إدارة أزمة النزوح ولجنة الكوارث. بحسب معلومات حصلت عليها جريدة “البوست“ من مصادر متابعة، فقد احتدم خلاف حاد بين رئيس البلدية حجازي وبشّاشة خلال الأيام الماضية حول تركيبة لجنة إدارة الكوارث، وهي اللجنة المولجة متابعة تداعيات موجة النزوح التي تشهدها صيدا جرّاء العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان. وتشير المعطيات إلى أن جوهر الخلاف تمحور حول عدم ضمّ أيٍّ من أعضاء المجلس البلدي إلى لجنة الكوارث، وتولي رئاستها شخصية لا تحمل صفة رسمية داخل المجلس. هذا الطرح أثار اعتراضًا واسعًا لدى عدد من الأعضاء، وفي مقدّمهم بشّاشة، الذين اعتبروا أن استبعاد المجلس البلدي من لجنة بهذا الحجم والحساسية يمثّل إقصاءً واضحًا لدور الأعضاء المنتخبين في إدارة واحدة من أخطر الأزمات التي تواجه المدينة. ويرى معارضو هذا التوجه أن لجنة الكوارث، بحكم طبيعة عملها، يجب أن تكون تحت إشراف مباشر من المجلس البلدي، لا أن تتحول إلى هيئة تعمل خارج إطاره. وتقول المصادر إن النقاش بين حجازي وبشّاشة لم يبقَ ضمن حدود السجال الإداري، كما عوّدتنا هذه البلدية منذ أيامها الأولى، إذ شهدت غرف وأروقة البلدية صراخًا وشتائم وتهديدات متبادلة بين الطرفين، بلغ لحظة حساسة وصلت إلى ما قبل الاشتباك بالأيدي بين الرجلين. في ظاهر الأمر يبدو الخلاف مرتبطًا بتركيبة لجنة إدارية، لكن في العمق يرى متابعون أن المسألة تتجاوز ذلك. فملف النزوح في صيدا لا يقتصر على البعد الإنساني فحسب، بل يرتبط أيضًا بشبكة واسعة من التعاون مع المنظمات الدولية والهيئات الإغاثية التي تقدّم مساعدات وبرامج دعم للنازحين، ما يجعل إدارة هذا الملف شديدة الحساسية بسبب حجم الموارد والبرامج المرتبطة به. سؤال في الكواليس في هذا السياق، يطرح تساؤل بات يتردد في الكواليس: لماذا الإصرار على إبقاء لجنة الكوارث خارج المجلس البلدي؟ هل يعود ذلك إلى عدم ثقة الرئيس بالأعضاء؟ أم أن الأمر مرتبط بطريقة إدارة ملف المساعدات والبرامج الدولية المتعلقة بالنزوح؟ ويشير بعض المتابعين إلى أن حجازي يملك خبرة في التعامل مع المنظمات الدولية تعود إلى ما قبل “جائحة كورونا“، حين نشطت البلديات في التعاون مع الجهات المانحة ضمن برامج الدعم الطارئ. غير أن منتقديه يذهبون أبعد من ذلك، إذ يرون أن إبقاء اللجنة خارج إطار المجلس البلدي قد يعني عمليًا حصر إدارة هذا الملف بشخصيات محددة يختارها الرئيس أو يثق بها. ويأتي هذا التوتر داخل بلدية صيدا في توقيت دقيق تمر به المدينة، حيث تتزايد الضغوط الناتجة عن موجة النزوح الجديدة وما تفرضه من تحديات لوجستية وإنسانية على البلدية. وفي ظل هذه الظروف، يخشى بعض المتابعين أن يتحول ملف النزوح من قضية إنسانية إلى ساحة صراع سياسي داخل المجلس البلدي. فبدل أن تكون لجنة الكوارث منصة لتنسيق الجهود بين الأعضاء والمؤسسات، يبدو أنها تحولت إلى عنوان جديد للتجاذب داخل البلدية. ففي مدينة تواجه تحديات النزوح والضغط الاجتماعي، تبدو الحاجة إلى إدارة متماسكة للأزمة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
ليست الحرب في الوعي السُّنّي مجرد اشتباكٍ بين جيوش، بل امتحانٌ للعقيدة قبل أن تكون امتحانًا للسلاح، وابتلاءٌ في الثبات قبل أن تكون اختبارًا في الحسابات العسكرية.حين تضيق الأرض بما رحبت، وتتكاثر التحالفات، وتُرسَم الخرائط فوق دماء الشعوب، يعود السؤال ذاته الذي تردّد في أكثر اللحظات حرجًا في تاريخ هذه الأمة: هل بقي من أمل؟ في غزوة الخندق لم يكن المسلمون يواجهون جيشًا واحدًا، بل أحزابًا شتى اجتمعت على استئصالهم. المدينة محاصَرة، والقلوب بلغت الحناجر، والظنون تضطرب. لم يكن في الميدان فائض قوة، ولا ميزان ردع تقليدي. كان هناك خندقٌ يُحفَر بإرادةٍ مرتجفة ولكن مؤمنة، تجربة جديدة في لحظة وجودية. بين منطقين في مثل تلك اللحظات يتكشف الفرق بين منطق الأسباب ومنطق السُّنن. أهل السُّنة لا ينكرون الأسباب، بل يعدّون الأخذ بها عبادة، لكنهم لا يؤلّهونها. فالخندق كان سببًا، غير أن البشارة كانت يقينًا. حين أعلن القائد أن مفاتيح الشام وفارس واليمن صارت بمتناول اليد، لم يكن ذلك هروبًا من الحصار، بل تثبيتًا لعقيدة أن المستقبل ليس حكرًا على القوة المادية، وأن وعد الله يتجاوز اللحظة الراهنة مهما بدت خانقة. وفي مشهد الهجرة، حين اشتد الطلب وعمّ الاستنفار، واختبأ محمد مع صاحبه أبو بكر الصديق في جبل ثور، كانت الدولة يومها فكرةً مطاردة لا كيانًا راسخًا. كانت الرسالة مشروعًا محاصرًا لا إمبراطورية. ومع ذلك جاءت القاعدة التي ينبغي أن تُدرَّس اليوم في غرف القرار كما تُتلى في المحاريب: لا تحزن إن الله معنا. الأمل في زمن الحرب ليس أمنية شاعرية، بل موقف عقدي وسياسي يحفظ المجتمعات من الانهيار قبل أن تُهزم في الميدان معية حفظ ونصر في الفقه السُّني، هذه المعية ليست شعارًا عاطفيًا، بل مفهومًا عقديًا مركزيًا: معية حفظٍ ونصرٍ وتأييد، لا تُلغي الابتلاء ولكن تؤطره. لذلك لم تكن الطمأنينة إنكارًا للخطر، بل إعادة تعريفٍ له ضمن ميزان أوسع من حسابات المطاردة والمكافآت والرصد. ويتكرر المشهد في قصة موسى حين واجه بطش فرعون. بحرٌ أمامهم وجيشٌ خلفهم ولا خطة بديلة. هنا تتجسد لحظة الانهيار الجمعي: إنا لمدركون. لكن الرد جاء تأسيسًا لمنهجٍ عقدي لا يزال صالحًا لكل زمن: كلا إن معي ربي سيهدين. ليست “كلا” إنكارًا للواقع، بل رفضًا لتحويله إلى قدرٍ محتوم. وعد الله من هنا، فإن أخطر ما تواجهه المجتمعات في زمن الحرب ليس التفوق العسكري للخصم فحسب، بل انهيار الثقة بوعد الله وسنن التاريخ. حين يتحول الخطاب العام إلى بثٍ لليأس باسم الواقعية، أو إلى إعلان هزيمة نفسية تحت عنوان التحليل السياسي، فإننا نكون قد خالفنا أصلًا راسخًا في التربية السُّنية: أن المؤمن مأمور بإحياء القلوب لا بإماتتها. هذا لا يعني إنكار الأخطاء أو تبرئة القيادات أو تعليق كل تقصير على شماعة القدر. المنهج السُّني تاريخيًا قام على المراجعة والنصح والمحاسبة، لكن دون أن يتحول النقد إلى قطيعة مع الأمل، أو يتحول الغضب إلى تشكيك في سنن الله. “هلك الناس” ليست توصيفًا بريئًا، بل صناعة مزاجٍ عام يستبطن السقوط. الأحزاب القديمة إن الحرب الدائرة اليوم في منطقتنا، بما تحمله من اصطفافات دولية وإقليمية، تشبه في جوهرها منطق الأحزاب القديمة: تحالفات متشابكة، مصالح متقاطعة، وأمة يُراد لها أن تفقد ثقتها بذاتها. لكن التاريخ السُّني يعلمنا أن لحظات الانكسار كانت دائمًا مقدمات تحوّل، وأن الفتوح الكبرى وُلدت من رحم الضيق لا من فائض الرفاه. الأمل، في هذا السياق، ليس أمنية شاعرية، بل خيارًا عقديًا وسياسيًا في آنٍ معًا. عقدي لأنه مرتبط باليقين بوعد الله ونصره لمن أخذ بالأسباب وصبر. وسياسي لأنه يحفظ تماسك المجتمعات ويمنعها من الانهيار الداخلي قبل أن تُهزم خارجيًا. فهل بقي من أمل؟ نعم، ما دام في الأمة من يربط الواقع بالوحي، ومن يفهم السنن قبل أن يقرأ العناوين العاجلة. نعم، ما دام في الوعي الجمعي إدراكٌ أن الضيق مرحلة، وأن التداول سنة، وأن العاقبة للمتقين. قد يطول الليل، وقد تتعاقب الخنادق، وقد تتكاثر الأحزاب، لكن مدرسة العقيدة السُّنية علمتنا أن التاريخ لا يُختصر في جولة، وأن البحر مهما بدا سدًا نهائيًا قد ينفلق بأمر الله. بين حسابات الأرض ووعد السماء يولد الأمل… وهناك تُحسم المعركة الحقيقية.