حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial المشكلة ليست أن لندن اتخذت إجراءات ضد المستوطنات، بل أنها فعلت ذلك بعد أن استنفدت كل قاموس النفاق الدبلوماسي: «نشعر بالقلق»، «نحث على ضبط النفس»، «نؤكد التزامنا بحل الدولتين»، ثم تصمت بينما يجري تدمير الدولة التي تزعم أنها تؤمن بقيامها. بريطانيا لم تكن تجهل حقيقة الاستيطان، لكنها كانت تفضّل جهلًا انتقائيًا؛ ترى الصاروخ الفلسطيني جريمة، وترى المستوطنة الإسرائيلية «تعقيدًا على الأرض». لقد ظلّت لندن سنوات طويلة تمارس ازدواجية معايير فاضحة: تفرض العقوبات على دول حين تنتهك القانون الدولي، وتلوّح بعزل حكومات حين تتجاوز الحدود، لكنها حين يتعلق الأمر بإسرائيل، تتحول القوانين إلى نصائح، والاحتلال إلى «نزاع»، والاستيطان إلى «خلاف على الأراضي»، والضحايا الفلسطينيون إلى أرقام في تقارير باردة. كأن القانون الدولي في السياسة البريطانية ليس قاعدة عامة، بل خدمة مميزة لا تشمل إسرائيل. غير أن إسرائيل نفسها ساهمت في إسقاط هذه المسرحية. فالحكومة الإسرائيلية اليمينية لم تعد تترك لحلفائها الغربيين فرصة الادعاء بأن الاستيطان عابر أو قابل للتجميد أو جزء من تسوية مستقبلية. المشروع بات واضحًا: الأرض للفعل الإسرائيلي، والدولة الفلسطينية للخطاب الغربي، والتهجير للواقع، وحل الدولتين للاستهلاك الإعلامي. وفي كل مرة تتحدث فيها لندن عن السلام، كانت الجرافات الإسرائيلية تقدم ردّها الميداني الأكثر صدقًا. ما تغيّر ليس ضمير بريطانيا، بل كلفة التواطؤ. فقد أصبحت إسرائيل عبئًا متزايدًا على صورتها الدولية، وعلى خطابها الحقوقي، وعلى حزب العمال الذي اكتشف أن فلسطين لم تعد قضية بعيدة في الشرق الأوسط، بل اختبارًا يوميًا لمصداقيته داخل المجتمع البريطاني. الناخب الذي يُطلب منه تصديق دفاع لندن عن حقوق الإنسان في أوكرانيا أو في أماكن أخرى، لم يعد مستعدًا لتجاهل التناقض حين يرى حقوق الفلسطينيين تُعامل باعتبارها استثناءً دائمًا. لقد وصلت ازدواجية المعايير إلى مرحلة لم تعد قابلة للتسويق حتى باللغة الدبلوماسية. كيف يمكن لبريطانيا أن تعاقب روسيا بسبب احتلال أراضٍ أوكرانية، ثم تتردد في التعامل مع منظومة استيطانية إسرائيلية تقوم على الاحتلال والضم والتهجير؟ كيف يمكنها أن تتحدث عن النظام الدولي القائم على القواعد، ثم تسمح لحليفها بأن يتعامل مع هذه القواعد باعتبارها اقتراحات غير ملزمة؟ وأي معنى يبقى للقانون الدولي إذا كان تطبيقه يتوقف على هوية المعتدي وعلاقته بواشنطن ولندن؟ ومع ذلك، فإن الإجراءات البريطانية لا تعني أن لندن قررت مواجهة إسرائيل، بل إنها تحاول إنقاذ نفسها من صورة الحليف الذي يدافع عن كل شيء مهما بلغ سوءه. إنها تعاقب بعض أدوات الاحتلال، لا الاحتلال نفسه؛ تُضيّق على المستوطنات، لكنها لا تزال تحافظ على بنية التحالف؛ ترفع سقف النقد، لكنها لا تقترب من السقف الذي قد يهدد العلاقة الاستراتيجية. إنها سياسة تقول لإسرائيل: «نحن منزعجون من الطريقة التي تجعليننا نبدو بها»، لا: «نحن نرفض ما تفعلينه بالفلسطينيين». وهنا تكمن المفارقة الأكثر فجاجة: بريطانيا لا تتحرك لأن الفلسطينيين حصلوا أخيرًا على العدالة، بل لأن إسرائيل جعلت الظلم مكلفًا سياسيًا لمن يحميه. لم يصبح الاحتلال أقل وحشية، وإنما أصبح الدفاع عنه أكثر إحراجًا. ولم يتغير ميزان الأخلاق في لندن، بل تغير ميزان الخسائر. إن كانت هذه الخطوة بداية مسار حقيقي، فعليها أن تتجاوز العقوبات الانتقائية إلى مراجعة شاملة للعلاقة مع دولة تجعل من خرق القانون الدولي سياسة دولة. أما إذا كانت مجرد عملية تجميل للوجه البريطاني، فإنها لن تكون سوى محاولة لغسل اليدين من دماء يعرف الجميع كيف وصلت إليهما. فبريطانيا لا تحتاج إلى اكتشاف أن الاستيطان غير قانوني؛ تحتاج إلى تفسير لماذا احتاجت كل هذه السنوات كي تتصرف كما لو أنها تصدق ما تقوله. وفي السياسة الدولية، لا يكفي أن تعاقب الجريمة متأخرًا إذا كنت قد أمضيت عقودًا في حماية مرتكبها من تبعاتها.
في جغرافيا الصراعات الكبرى، غالبًا ما تُسدِّد الشعوب الصغيرة فواتير الإمبراطوريات البعيدة من لحمها الحيّ، وديموغرافيتها، وأرضها. ولبنان، هذا الكيان الصغير القائم على توازنات طائفية وسياسية هشّة، يجد نفسه اليوم أمام واحد من أخطر التهديدات الوجودية في تاريخه الحديث، وهو خطر «الترانسفير»؛ أي التهجير والنقل الجماعي للسكان. هذا التهديد الذي يلوّح به اليمين الإسرائيلي المتطرّف لا يمكن قراءته بمعزل عن الحسابات الإقليمية الكبرى، وتحديدًا الدور الإيراني الذي حوّل جنوب لبنان إلى ساحة متقدّمة لطموحاته الاستراتيجية عبر ذراعه العسكرية، «حزب الله»، ما منح إسرائيل الذريعة الذهبية لتنفيذ مخططات طالما تضمّنتها أدبياتها السياسية والعسكرية. إن المفارقة المذهلة، والصادمة في آنٍ معًا، هي أن التاريخ يعيد نفسه بطريقة شبه متطابقة؛ فالمأساة الديموغرافية والتهجير القسري اللذان يهدّدان جنوب لبنان اليوم بسبب السياسات الإيرانية ليسا سوى صدى لحدث تاريخي ضخم جرى على الأرض نفسها قبل أكثر من ألفين وثلاثمئة عام، وتحديدًا في زمن الفرس الأخمينيين وثورة مدينة صيدا، ما يثبت أن الجغرافيا اللبنانية لطالما كانت ضحية للمشاريع الفارسية، سواء أكانت بثوبها الإمبراطوري القديم أم بصيغتها الأيديولوجية المعاصرة. ثورة صيدا ضد الفرس للعودة إلى جذور المأساة التاريخية الأولى، يجب أن نسافر بالزمن إلى عام 351 قبل الميلاد، خلال العهد الفارسي الأخميني الذي بسط سيطرته على مدن الساحل الفينيقي، أرض كنعان. في ذلك الزمن، حظيت المدن الفينيقية بنوع من الحكم الذاتي، لأن الفرس كانوا في حاجة ماسّة إلى أساطيلها البحرية الجبّارة لخوض حروبهم الطاحنة ضد الإغريق. لكن الطموح الإمبراطوري الفارسي والتدخّل في أدق تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية دفعا مدينة صيدا، أو صيدون الفينيقية، التي كانت دُرّة التاج الفينيقي، إلى إعلان ثورة عظمى ضد الملك الفارسي «أرتحششتا الثالث». وكانت تلك الثورة صرخة في وجه الهيمنة الفارسية والاستغلال، لكن موازين القوى كانت غير متكافئة على الإطلاق. حشد الملك الفارسي جيشًا عَرَمْرَمًا وزحف نحو صيدا لسحق التمرّد وتأديب المدن الفينيقية الأخرى. وانتهت الثورة بكارثة إنسانية مرعبة، إذ أُحرقت المدينة بالكامل. وتشير الروايات التي وثّقها المؤرخون القدامى، مثل ديودوروس الصقلي، إلى أن الفرس قاموا بعملية «ترانسفير» تاريخية كبرى، إذ سَبَوْا عشرات الآلاف من سكان صيدا والقرى المحيطة بها، ونقلوهم أسرى ومُبعَدين إلى عمق الإمبراطورية الفارسية، في بابل وسوسة، عقابًا جماعيًّا يهدف إلى إفراغ المنطقة من عناصر التمرّد وإحلال واقع ديموغرافي وسياسي جديد يضمن الولاء التام للعرش الفارسي. skip render: ucaddon_material_block_quote هندسة مرتبطة بالفرس لم يتوقّف الأمر عند ذلك التاريخ، بل إن العهود الإسلامية الأولى، وتحديدًا في الفترتين الأموية والعباسية، شهدت عمليات هندسة ديموغرافية ونقل للسكان ارتبطت بالفرس أيضًا، إذ أمر الخليفة معاوية بن أبي سفيان بنقل أعداد كبيرة من المقاتلين الفرس وعائلاتهم وتوطينهم في المدن الساحلية اللبنانية، مثل صور وصيدا وبيروت وجبيل، لحمايتها، وهو ما عُرف تاريخيًّا بـ«ناقلة الفرس». وفي العهد العباسي، تكرّرت مأساة التهجير القسري عندما قمع العباسيون ثورة المنيطرة في جبل لبنان عام 759 ميلاديًّا، وقاموا بنقل أعداد كبيرة من السكان وتهجيرهم وتفريقهم في أقاليم داخلية، في خطوة استدعت احتجاجًا شهيرًا من إمام الشام الأوزاعي على الوالي العباسي، تنديدًا بتهجير الأبرياء. إسناد أم ورقة مفاوضات؟ اليوم، يتكرّر المشهد التاريخي ذاته، ولكن بأدوات معاصرة وأيديولوجيات مختلفة. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنذ أربعة عقود، عملت بصبر استراتيجي على بناء شبكة من الفصائل المسلحة في الشرق الأوسط، وكان «حزب الله» في لبنان الجوهرة في هذا التاج الإقليمي. ومن خلال الدعم المالي والعسكري والعقائدي غير المحدود، تحوّل الحزب من حركة مقاومة محلية إلى جيش إقليمي يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة، لكن قرار السلم والحرب لديه لم يعد قرارًا لبنانيًّا نابعًا من المصالح الوطنية العليا، بل أصبح قرارًا مرتبطًا، بشكل عضوي، بغرفة العمليات في طهران. هذا الارتباط تجلّى في أوضح صوره عندما اتخذت قيادة «حزب الله»، بإيعاز وتنسيق كامل مع إيران، قرارًا منفردًا بفتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى «حرب الإسناد»، غداة أحداث السابع من أكتوبر. وكان الهدف الإيراني المعلن تخفيف الضغط عن قطاع غزة وتثبيت معادلة «وحدة الساحات»، لكن الحسابات الحقيقية كانت تهدف إلى استخدام الساحة اللبنانية ورقةَ ضغط استراتيجية لتحسين شروط التفاوض الإيراني مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وحماية النظام في طهران من أي استهداف مباشر. فلبنان، الذي يمرّ بأسوأ أزمة اقتصادية ومالية وسياسية في تاريخه الحديث، في ظل مؤسسات دولة مشلولة وجيش مقيّد بإمكانات محدودة، لم يكن يمتلك المقومات التي تؤهله لتحمّل تبعات حرب استنزاف طويلة ومدمّرة ضد قوة عسكرية عاتية مدعومة، بشكل مطلق وبلا حدود، من الولايات المتحدة الأميركية والغرب. إن الإصرار الإيراني على المضي قدمًا في هذه الحرب غير المتكافئة، وتجاهل كل التحذيرات الدولية والداخلية اللبنانية، أدّيا إلى النتيجة الكارثية التي نشهدها اليوم: تدمير ممنهج لقرى وبلدات حدودية في جنوب لبنان، وتحويل مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية إلى أراضٍ محروقة وغير قابلة للحياة، وتهجير مئات الآلاف من السكان من بيوتهم وقراهم، ليصبحوا نازحين في وطنهم أو مشرّدين يبحثون عن أمان مفقود. إيران أرادت الجنوب ورقة قوة، وإسرائيل قد تحاول تحويله إلى أرض بلا شعب أرض بلا شعب؟ هذا الواقع المأساوي الذي تسبّبت فيه السياسة الإيرانية وحروب «حزب الله» غير المتكافئة فتح الباب على مصراعيه أمام اليمين الإسرائيلي المتطرّف لتنفيذ مخطط قديم ـ جديد، طالما كان حلمًا في العقيدة الصهيونية، وهو مخطط «الترانسفير» أو التهجير الجماعي الدائم لسكان جنوب لبنان. ولفهم أبعاد هذا التهديد المرعب وخلفياته، يجب الغوص في الفكر السياسي والعسكري للصهيونية، حيث يُعتبر مفهوم «الترانسفير» ركنًا أساسيًّا من أركان الفلسفة الصهيونية منذ نشأتها. فالتيار الصهيوني التنقيحي، الذي يمثّله اليمين الحاكم في إسرائيل اليوم بزعامة بنيامين نتنياهو وتحالفه مع قادة الاستيطان المتطرّفين، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، يقوم على عقيدة «أرض بلا شعب» والسيادة اليهودية المطلقة. وفي هذا الفكر، لا يقتصر مفهوم «أرض إسرائيل» على فلسطين التاريخية فحسب، بل يمتد في الأدبيات الصهيونية القديمة ليشمل أجزاء من الدول المجاورة، وتحديدًا جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، الذي كان يُنظر إليه، منذ عهد ديفيد بن غوريون والمنظمات الصهيونية الأولى قبل عام 1948، باعتباره حدًّا مائيًّا وجغرافيًّا طبيعيًّا واقتصاديًّا بالغ الأهمية للاستيطان وتأمين العمق الاستراتيجي. إن الفكر الصهيوني يرى في وجود تجمّع سكاني عربي كبير ومقاوم على حدوده الشمالية عائقًا ديموغرافيًّا وأمنيًّا يجب التخلّص منه، و«الترانسفير» هو الأداة التاريخية التي طُبّقت في نكبة 1948 ونكسة 1967، ويُعاد تدويرها اليوم كاستراتيجية عسكرية معلنة تحت ذريعة حماية الأمن القومي الإسرائيلي وإعادة مستوطني الشمال إلى بيوتهم. استراتيجيتان تتحرّك إسرائيل اليوم لتطبيق «الترانسفير» في جنوب لبنان عبر استراتيجيتين متكاملتين. الأولى هي الاستراتيجية العسكرية الميدانية القائمة على تدمير البنية التحتية والمقومات الحياتية للقرى والبلدات الحدودية بالكامل. إن نسف أحياء كاملة، واستهداف المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، وإحراق الحقول الزراعية بالفوسفور الأبيض، ليس مجرد تكتيك عسكري لملاحقة مقاتلي «حزب الله»، بل هو سياسة تتعمّد فرض واقع «التهجير القسري
skip render: ucaddon_box_testimonial هنا لا تعود المسألة مجرد إعلان تجاري، بل تصبح معركة على الذاكرة: من يحق له أن يظهر كضحية، ومن يُدفع إلى خارج الكادر؟ بطل الإعلان اختارت شركة «أديداس» الرياضية العالمية شاليف بيتون، الجندي الإسرائيلي السابق الذي فقد ساقه، للترويج لحملتها الجديدة لحذاء فردي مخصص لمن فقد أحد أطرافه. الصورة مثالية بكل المقاييس التسويقية: رياضي مبتور، وإرادة تتحدى الإصابة، وحذاء واحد يتحول إلى رمز للاستقلال والقدرة على مواصلة الحياة. لكن الصورة النظيفة تخفي وراءها تاريخًا لا يبدو أن الإعلان يريد للمشاهد أن يسأل عنه. في مايو/أيار 2021، أُصيب بيتون بجروح بالغة بعدما استهدف صاروخ فلسطيني موجّه الآلية العسكرية التي كان يستقلها. وتربط روايات فلسطينية سيرته بالخدمة قناصًا في الكتيبة 931 خلال «مسيرات العودة الكبرى» في قطاع غزة. الجسد الغائب هنا تبدأ المفارقة التي لا يستطيع أي حذاء أن يغطيها. «مسيرات العودة» لم تكن قصة رياضي يتحدى الإعاقة، بل كانت واحدة من أكثر مراحل المواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية دموية، خلّفت أكثر من مئتي قتيل فلسطيني وعشرات آلاف الجرحى، بينهم آلاف الأطفال، إضافة إلى إصابات أدت إلى بتر أطراف وإعاقات دائمة. كان هناك جنود إسرائيليون في الجهة المقابلة، وكان هناك فلسطينيون يحملون أجسادهم المنهكة من آثار المواجهة. لكن عندما وصلت القصة إلى الإعلان، بقي جسد الجندي، واختفى السياق. لا أحد يقول إن الإنسان يفقد حقه في التعاطف لأنه كان جنديًا، ولا ينبغي أن تتحول الإعاقة نفسها إلى تهمة. لكن هناك فرقًا هائلًا بين التعاطف مع إنسان فقد ساقه، وبين تحويل هذه الإصابة إلى قصة إنسانية مكتملة بعد اقتطاع الظروف التي أنتجتها من الرواية. أيُّ ألم يُرى؟ السؤال إذن ليس: لماذا اختارت «أديداس» رجلًا مبتور الساق؟ السؤال هو: لماذا اختارت أن تحكي قصة بتر واحدة، وكأن آلاف عمليات البتر الفلسطينية لا وجود لها؟ لماذا يصبح الجسد الإسرائيلي قصة إلهام عالمية، بينما يتحول الجسد الفلسطيني إلى رقم في تقرير حقوقي؟ لماذا يُطلب من العالم أن يرى الألم الإسرائيلي باعتباره مأساة إنسانية، فيما يُختزل الألم الفلسطيني في أرقام القتلى والجرحى؟ منذ اندلاع الحرب على غزة، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين عشرات الآلاف، واستمر سقوط الضحايا في القطاع والضفة الغربية المحتلة. وخلف هذه الأرقام أطفال فقدوا أطرافهم، وعائلات فقدت أبناءها، وأجساد ستعيش بقية حياتها محمّلة بآثار الحرب. نصف الحقيقة ومع ذلك، لا تصل هذه الأجساد إلى الإعلانات بالطريقة نفسها. إنها ليست مصادفة بصرية، بل مشكلة في الرواية نفسها. فالدعاية الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى الكذب الصريح؛ يكفيها أن تختار نصف الحقيقة، وأن تضعه تحت إضاءة جيدة، ثم تترك النصف الآخر في الظلام. هكذا يصبح الجندي «رياضيًا ملهمًا»، وتصبح الإصابة «قصة انتصار»، فيما تختفي خلف الصورة أسئلة الاحتلال والحرب والضحايا والمسؤولية. يمكن للحذاء أن يساعد إنسانًا على استعادة قدرته على الحركة، وهذه غاية إنسانية لا خلاف عليها. لكن لا يمكن لحذاء واحد أن يعيد ساقًا إلى طفل فلسطيني، أو يعيد الحياة إلى قتيل، أو يمحو ذاكرة شعب عاش عقودًا تحت الاحتلال. المشكلة ليست في الحذاء، بل في ما أُريد للحذاء أن يمحوه. فحين يظهر الجرح الإسرائيلي في واجهة الإعلان بوصفه بطولة، بينما يُدفن الجرح الفلسطيني في خلفية المشهد، لا تعود صناعة الإعلان مجرد تسويق لمنتج؛ إنها صناعة لرواية تختار من يستحق أن يكون إنسانًا كاملًا أمام الكاميرا، ومن يبقى مجرد رقم خارجها. لم يكن المطلوب من «أديداس» أن تروي تاريخ الصراع كله في إعلان تجاري، لكن كان يمكنها، على الأقل، ألا تجعل الجرح منفصلًا عن السياق الذي أنتجه. لأن الاحتلال قد يملك السلاح والجدار والقوة، لكنه يحتاج أيضًا إلى شيء آخر كي يستمر: أن يصبح الألم الفلسطيني قابلًا للنسيان. والحذاء، مهما كان لامعًا، لا يستطيع أن يمحو الجريمة من الذاكرة. skip render: ucaddon_material_block_quote