بين مآذن مكة، وقباب إسطنبول، وضفاف نهر السند في إسلام آباد، ثمة خيط سري ناظم لا تراه عين الجغرافيا السياسية العابرة، لكنه يتجذّر في لُحمة التاريخ السحيق. إنها قصة ثلاثة أضلاع شكّلت عبر العصور الارتكاز الأكبر لبيضة الإسلام: العمق الروحي العربي، والعنفوان العسكري التركي، والثقل البشري في شبه القارة الهندية. اليوم، حين يوقّع الوزراء في مكة على «اتفاقية الدفاع المشترك» لعام 2026، فإنهم لا يخترعون تحالفًا من عدم، بل يعيدون الروح إلى جسد قديم طمرته رمال القرون، لكن عروقه النابضة لم تجفّ قط. خيوط قديمة لنبسط الخريطة القديمة، ونعود بالزمن إلى القرن التاسع الميلادي. الرياض وإسطنبول وإسلام آباد لم تكن سوى أفكار في رحم الغيب، لكن مكوناتها البشرية كانت تصنع أعظم إمبراطورية على وجه الأرض: الخلافة العباسية. هنا، في بغداد، وتحديدًا في عهد الخليفة المعتصم بالله، بدأت اللبنة الأولى لهذا الثلاثي. كان الخليفة العربي بحاجة إلى قوة عسكرية ضاربة تحمي بيضة الخلافة، ففتح أبواب البلاط والجيش للقبائل التركية القادمة من وسط آسيا، والأناضول وما وراءها. في الوقت نفسه، كانت جيوش الخلافة في الشرق قد استقرت في بلاد السند وبلوشستان، باكستان الحالية، وأصبح هذا الإقليم ثغرًا إسلاميًا عظيمًا يرفد عاصمة الخلافة بالعلماء والتجارة والرجال. تخيّل المشهد في معسكرات «سامراء»: القائد العسكري تركي يرتدي درعه، والفقيه القادم من ديار السند يدرّس الحديث في المسجد، والخليفة العباسي القرشي يوجّه الجيوش ويدير شؤون الحرمين الشريفين في الحجاز. لم يكن هذا مجرد تساكن، بل كان انصهارًا تامًا. فالجندي التركي الذي حمى حدود الجزيرة العربية، والتاجر السندي الذي أنعش أسواق مكة، كانا يتحركان بهوية واحدة، وتحت راية سياسية وعقائدية مركزها قلب الجزيرة العربية. هذا المزيج العباسي كان أول «حلف دفاعي واقتصادي غير مكتوب» يجمع شعوب الدول الثلاث تحت سقف دولة واحدة حكمت العالم لقرون. وبقيت مكة والمدينة المنورة هما المغناطيس الذي يربط شعوب تركيا وباكستان بالجزيرة العربية عبر التاريخ الطويل. حركة الخلافة ومع مشارف القرن العشرين، تجلّت هذه الرابطة الروحية في واحدة من أعظم الهبّات الشعبية في التاريخ الحديث، وهي «حركة الخلافة» (Khilafat Movement) في شبه القارة الهندية. عندما واجهت الدولة العثمانية خطر التفكك والزوال بعد الحرب العالمية الأولى، واستهدفت القوى الاستعمارية الغربية الأراضي التركية والمقدسات الإسلامية، لم يقف مسلمو الهند، باكستان الحالية، مكتوفي الأيدي. قاد الزعيمان محمد علي وشوكت علي، بدعم من الوعي الشعبي الجارف، حركة جماهيرية هائلة لجمع التبرعات وإرسال الدعم المالي والعيني والسياسي للأتراك في محنتهم. وتزامنًا مع هذا الحراك، كانت قلوب هؤلاء المسلمين معلّقة بالحجاز، إذ كان تأمين الحرمين الشريفين وحمايتهما من المطامع الاستعمارية دافعًا أساسيًا لهذه الهبّة. تحركت أموال العائلات الباكستانية الفقيرة والثرية على حد سواء لتدعم المقاومة التركية في الأناضول، وتدعم في الوقت نفسه استقرار مجتمعات الحجاز وأمن قوافل الحج. لقد كانت هذه الهبّة بمثابة مثلث شعبي عاطفي فريد: الجغرافيا الباكستانية تدعم وتضحّي، والمركزية التركية تقاوم، والقبلة الروحية في مكة والمدينة تمثل الضمير والهدف الأسمى. أثبتت حركة الخلافة أن فكرة المصير المشترك بين الأتراك والعرب والباكستانيين ليست وليدة حسابات الأنظمة الحديثة، بل هي عقيدة متجذرة في الوجدان الشعبي الذي لا يرى فواصل بين هذه الأقاليم الثلاثة. skip render: ucaddon_material_block_quote منظمة التعاون الإسلامي تأسست الدول الحديثة بالحدود التي نعرفها اليوم. استقلت باكستان عام 1947، وقبلها تأسست المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية. في خمسينيات القرن الماضي، فرّقتهم السياسة الدولية، فتركيا وباكستان دخلتا في «حلف بغداد» المدعوم غربيًا، بينما رفعت السعودية شعار رفض الأحلاف الأجنبية. لكن نقطة التحول الحقيقية، والعودة إلى الاجتماع المؤسسي، جاءت عام 1969. فبعد جريمة إحراق المسجد الأقصى، تداعى قادة العالم الإسلامي إلى الرباط، وكانت السعودية وتركيا وباكستان هي الأعمدة الرئيسية التي قامت عليها «منظمة التعاون الإسلامي». هنا، التقت الدول الثلاث بكينوناتها السياسية المستقلة والحديثة لأول مرة. أدركت الرياض أن عمقها الإسلامي يحتاج إلى القوة العسكرية الباكستانية والدور الإقليمي التركي. وأدركت إسلام آباد وإسطنبول أن السعودية هي قلب العالم الإسلامي النابض ومركزه المالي والروحي. ومن خلال المنظمة، نسّق هذا الثلاثي مواقفه في الحروب العربية الإسرائيلية، وفي دعم أفغانستان، وفي مواجهة الأزمات الاقتصادية. كانت المنظمة بمثابة «مختبر سياسي» أعاد ترويض العلاقات وتجهيزها لما هو أبعد. ونصل إلى اليوم، أغسطس 2026. المشهد في مكة المكرمة يتجاوز حدود السياسة التقليدية. زلزال جيوسياسي إن توقيع «تحالف مكة الدفاعي» ببنوده الصارمة، التي تحاكي المادة الخامسة من حلف الناتو، «الاعتداء على أحدنا هو اعتداء علينا جميعًا»، ليس قرارًا وليد اللحظة، بل هو حتمية تاريخية وجيوسياسية فرضتها تحولات العالم المتسارعة. تأسيس أمانة عامة في الرياض، وإسناد قيادتها إلى أمين عام باكستاني، والاعتماد على التكنولوجيا العسكرية التركية المتطورة، يمثل معادلة عبقرية لتوزيع الأدوار: السعودية تقدم الشرعية الروحية، والثقل السياسي، والملاءة الاقتصادية. وتركيا تقدم التصنيع العسكري المتقدم، والطائرات المسيّرة، والخبرة الاستراتيجية. وباكستان تقدم الكتلة البشرية الهائلة، والعمق العسكري المسلّح نوويًا. حين نحلل هذا التحالف عبر نظريات الجغرافيا السياسية، نجد أن الخبراء الاستراتيجيين يرون فيه زلزالًا يعيد ترتيب موازين القوى في أوراسيا والشرق الأوسط. يرى البروفيسور جون هولمز، الخبير في العلاقات الدولية، أن «حلف مكة يمثل ولادة قطب أمني إسلامي مستقل خارج الهيمنة الغربية التقليدية، وخارج النفوذ الصيني والروسي المباشر. إنه يعبّر عن تحول استراتيجي تبحث فيه القوى الإقليمية الكبرى عن بناء مظلات أمنية ذاتية لحماية مصالحها الحيوية وممراتها البحرية، دون الاعتماد التام على واشنطن». من جهتها، تشير الباحثة الجيوسياسية التركية ديلارا أوزكان إلى أن «إسطنبول والرياض وجدتا أخيرًا الصيغة المثالية للتكامل؛ فالصناعات الدفاعية التركية المتطورة بحاجة إلى شراكة استراتيجية مستدامة وتمويل ضخم وتأثير جيوسياسي واسع لا يوفره إلا الخليج، بينما تحتاج السعودية إلى شركاء موثوقين إقليميًا لضمان تفوقها العسكري وحماية البنية التحتية للطاقة وممرات الملاحة في البحر الأحمر والخليج العربي». على الجانب الآسيوي، يؤكد الخبير الاستراتيجي الباكستاني طارق رحمن أن «إدخال العمق العسكري لباكستان، بما يمثله من ترسانة دفاعية وخبرات قتالية بشرية هائلة، في معادلة الأمن في الشرق الأوسط، يمنح الحلف قدرة ردع استثنائية تجاه أي مغامرات إقليمية من قوى منافسة، ويصنع جدارًا دفاعيًا صلبًا يمتد من شبه الجزيرة العربية حتى حدود جنوب آسيا». تطبيقات عملية وفي إطار التطبيق العملي للتحالف، يبرز سيناريو بحري يعكس كيفية تفعيل بند الدفاع المشترك في الممرات المائية الحيوية، مثل مضيق باب المندب، والبحر الأحمر، وبحر العرب. ففي حال تعرضت ناقلة نفط سعودية عملاقة أو سفينة شحن تجارية تركية لهجوم مسلح أو قرصنة ترعاها قوة إقليمية منافسة في بحر العرب، يتم تفعيل آلية الرد المشترك فورًا، حيث تنطلق القطع البحرية الباكستانية المرابطة بالقرب من سواحل كراتشي لتأمين الطوق البحري الشرقي وفرض منطقة حظر بحري، بالتزامن مع توفير غطاء جوي واستخباري فوري من الطائرات المسيّرة التركية بعيدة المدى، المنطلقة من القواعد السعودية المطلة على البحر الأحمر. هذا التنسيق العملياتي السريع لا يهدف فقط إلى
في السياسة، ليست كل نتيجة انتصارًا، وليست كل خسارة هزيمة. هناك نتائج تظهر في الميدان ويمكن عدّها: أرض تسيطر عليها، صواريخ تُعترض، مواقع تُدمّر، قيادات تُستهدف، وقدرات عسكرية تتراجع. لكن هناك نتائج أخرى لا تظهر في البيانات العسكرية؛ تظهر في بنية المجتمع، وفي الاقتصاد، وفي صورة الدولة، وفي علاقتها بحلفائها، وفي ثقة مواطنيها بمؤسساتها، وفي قدرة الأجيال المقبلة على تخيّل مستقبل مختلف. هنا تبدأ القاعدة التي كثيرًا ما يغفل عنها المنتصرون: ما لا يُضاف إلى النتائج يُضاف إلى التكاليف. فإذا لم تتحول الحرب إلى تسوية، وإذا لم تُنتج القوة ترتيبًا سياسيًا جديدًا، فإن كل ما لم تحسمه المعركة يعود ليظهر في صورة فاتورة سياسية وأمنية واقتصادية وتاريخية. من هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يلي أي حرب ليس: من انتصر؟ بل: ماذا أنتج هذا الانتصار؟ ترتيب قابل للحياة تستطيع دولة متفوقة عسكريًا أن تحقق أهدافًا ميدانية كبرى، لكن الحرب لا تنتهي عندما تصمت المدافع فقط. تنتهي عندما يصبح اليوم التالي أكثر استقرارًا من اليوم الذي سبقه. هذه هي المسافة الفاصلة بين الانتصار العسكري والانتصار السياسي. فإذا استطاعت إسرائيل أن تُضعف خصمًا عسكريًا، لكنها لم تستطع أن تُنتج ترتيبًا سياسيًا قابلًا للحياة، فإنها تكون قد حققت نتيجة في الميدان وتركت المشكلة في التاريخ، والمشكلة التي تُترك في التاريخ لا تختفي، إنّها تتغيّر. قد تنتقل من المقاومة المسلحة إلى السياسة، ومن السياسة إلى الدبلوماسية، ومن الدبلوماسية إلى المؤسسات الدولية، ومن الشارع إلى الأجيال الجديدة. هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل يمكن للقوة العسكرية أن تُنتج سلامًا إذا لم يكن هناك تصوّر سياسي لما بعد القوة؟ تقول التجارب التاريخية إن القوة تستطيع أن تفرض وقائع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنح هذه الوقائع شرعية دائمة. يمكن للدبابة أن تدخل مدينة، لكنها لا تستطيع أن تبني عقدًا اجتماعيًا. يمكن للطائرة أن تُدمّر بنية عسكرية، لكنها لا تستطيع أن ترسم حدودًا مقبولة للجميع. يمكن للجيش أن يفرض الأمن لفترة، لكن الأمن المستدام يحتاج إلى سياسة. لهذا، فإن الحرب، مهما كانت نتائجها العسكرية، تبقى ناقصة إذا لم تجد طريقها إلى السياسة. كلفة الاستنزاف قد تبدو الدولة القوية قادرة على تحمّل حرب طويلة، لكن قدرة الدولة على القتال ليست هي نفسها قدرتها على تحمّل كلفة القتال إلى ما لا نهاية. الحرب الطويلة تعني تعبئة متواصلة، واستدعاء الاحتياط، وضغطًا على الاقتصاد، واستنزافًا للموارد، وتعطيلًا للحياة الطبيعية، وتوترًا اجتماعيًا متزايدًا. في دولة مثل إسرائيل، حيث يرتبط الأمن بصورة مباشرة بمسألة الهوية والبقاء، تصبح كلفة الحرب أعمق من الأرقام الاقتصادية. إنها تمسّ السؤال: أي نوع من الحياة تريد الدولة أن توفر لمواطنيها؟ الدولة التي تعيش دائمًا في حالة طوارئ تصبح معرّضة لأن تتحول الطوارئ من استثناء إلى نظام حياة. هنا يكمن خطر لا يقل أهمية عن الخطر العسكري: أن يصبح الأمن هدفًا يبتلع كل الأهداف الأخرى، فتتراجع السياسة أمام الأمن، ويتراجع الاقتصاد أمام التعبئة، وتتراجع الحياة المدنية أمام الضرورات العسكرية، ويصبح الخلاف السياسي اتهامًا بالخيانة أو بالضعف. هكذا يمكن للحرب أن تحافظ على وحدة المجتمع في لحظة الخطر، لكنها قد تزيد كلفتها الداخلية كلما طال أمدها. الحرب توحّد الخندق… لكنها لا تبني البيت. هذه واحدة من المفارقات الأساسية: الخندق يوحّد من يقفون فيه، لكن البيت يحتاج إلى تصوّر مشترك لما سيكون عليه بعد انتهاء المعركة. يمكن أن يتفق الإسرائيليون على ضرورة مواجهة الخطر، لكن هل يتفقون على الدولة التي يريدون بناءها بعد زوال الخطر؟ هنا تعود الأسئلة التي ناقشناها في الجزء الأول: ما حدود إسرائيل؟ ما موقع الدين في الدولة؟ ما العلاقة بين اليهودية والديمقراطية؟ ما مصير المستوطنات؟ ما مستقبل الفلسطينيين؟ ما شكل العلاقة بين الضفة الغربية وإسرائيل؟ ما مستقبل غزة؟ كيف تُوزّع أعباء الخدمة العسكرية؟ وكيف تحافظ الدولة على تماسكها في ظل التباينات المتزايدة بين العلمانيين والمتدينين والحريديم والصهيونية الدينية والتيارات الليبرالية؟ الحرب تؤجل هذه الأسئلة، لكنها لا تلغيها، بل ربما تجعل العودة إليها أكثر كلفة. skip render: ucaddon_material_block_quote الأكلاف الاقتصادية ليست كل فاتورة الحرب عسكرية؛ هناك فاتورة اقتصادية صامتة. الأموال التي تُنفق على الحرب لا تُنفق على التعليم، والموارد التي تذهب إلى الأمن لا تذهب بالضرورة إلى البنية التحتية، والاحتياط الذي يُستدعى باستمرار لا يعمل دائمًا بكامل طاقته في الاقتصاد، والاستثمار الذي يخشى عدم الاستقرار يبحث عن بيئة أكثر أمنًا، والدولة التي تستمر في تخصيص جزء متزايد من مواردها للتهديدات الأمنية قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة: كلما طال الصراع، أصبح السلام أكثر ضرورة، لكن الوصول إليه قد يصبح أكثر تعقيدًا. هنا يظهر معنى آخر للقاعدة: ما لا يُضاف إلى النتائج يُضاف إلى التكاليف. فإذا لم تُنتج الحرب تسوية، فإن تكلفة الحرب لا تختفي عند نهايتها. إنها تنتقل إلى الموازنة، وإلى سوق العمل، وإلى المجتمع، وإلى مستقبل الأجيال، وإلى قدرة الدولة على الاستثمار في المستقبل. وفلسطين أيضًا تدفع ثمن التأجيل. لكن الإنصاف يقتضي ألّا تتحول هذه القراءة إلى رواية عن كلفة الحرب على إسرائيل وحدها. الفلسطينيون هم أول من يدفع ثمن غياب الحل. يدفعون ثمن الاحتلال والصراع والتهجير والدمار وفقدان الأفق السياسي، ويدفعون أيضًا ثمن تحوّل قضيتهم إلى ملف أمني بدلًا من أن تكون قضية سياسية لشعب يطالب بحقوقه الوطنية. وهنا ينبغي أن يتغيّر السؤال. فبدلًا من أن تبقى فلسطين في المعادلة بوصفها مشكلة يجب إدارتها، ينبغي أن تعود إلى موقعها الطبيعي بوصفها قضية سياسية يجب حلّها. لأن إدارة الصراع ليست حلًا للصراع، وتجميد القضية ليس إنهاءً للقضية، وتأجيل الدولة لا يلغي فكرة الدولة. كل ما يفعله التأجيل هو رفع الكلفة. لهذا، فإن الفلسطينيين لا يحتاجون فقط إلى وقف الحرب؛ إنهم يحتاجون إلى أفق سياسي واضح، وإلى اعتراف بحقوقهم الوطنية، وإلى مسار يقود إلى مستقبل يمكن أن تتحول فيه القضية من مأساة مفتوحة إلى مشروع دولة. من القضية الأمنية إلى التدويل هنا حدث تحوّل بالغ الأهمية. لفترة طويلة، استطاعت إسرائيل أن تقدّم جزءًا كبيرًا من صراعها مع الفلسطينيين للعالم من خلال لغة الأمن. لكن كلما اتسعت دائرة الاعتراف الدولي بفلسطين، وكلما انتقلت القضية من ساحات الاحتجاج إلى المؤسسات الدولية، فإن طبيعة السؤال نفسها تتغيّر. لم تعد القضية فقط: كيف تمنع إسرائيل التهديد؟ بل أصبحت أيضًا: كيف يمكن بناء نظام سياسي يضمن الأمن الإسرائيلي والحقوق الوطنية الفلسطينية في آن واحد؟ هذا التحول بالغ الأهمية، لأن الأمن يمكن أن يبرّر الحرب، لكن السياسة هي التي تبرّر السلام. وكلما توسعت دائرة الدول التي تتعامل مع فلسطين بوصفها دولة أو مشروعًا لدولة، أصبح من الصعب إبقاء القضية إلى أجل غير مسمى في إطار أمني صرف. هنا يصبح الاعتراف الدولي بفلسطين ليس مجرد مسألة رمزية، بل جزءًا من إعادة تعريف الصراع. فالقضية التي كانت توصف باعتبارها «نزاعًا أمنيًا» تتحول تدريجيًا إلى سؤال عن الاحتلال والسيادة والحدود والحقوق والدولة. وهذه ليست نقلة في الخطاب
لم تعد تلة علي الطاهر مجرد موقع عسكري في جنوب لبنان. ما جرى ويجري حولها يفتح ملفًّا أكبر بكثير من تلة وأنفاق ومقاتلين؛ ملف الدولة اللبنانية نفسها، وحدود سيادتها، ومن يملك قرار الحرب والسلم على أرضها. أعلنت إسرائيل أنها فرضت «سيطرة عملياتية» على مرتفعات علي الطاهر، وقال جيشها إنه «طهّر» بنى تحت الأرض نسبها إلى حزب الله، فيما تحدثت الرواية الإسرائيلية عن شبكة عسكرية تحت الأرض تضم مواقع قيادة ومنشآت قتالية. وتقول إسرائيل أيضًا إن هذه البنية جرى بناؤها على مدى سنوات، وبتمويل وتخطيط إيرانيين. لكن حتى لو وضعنا الرواية الإسرائيلية جانبًا، يبقى السؤال الذي لا يستطيع لبنان الهروب منه: كيف أصبحت في جنوب بلد عربي بنية عسكرية استراتيجية بهذا الحجم، بينما الدولة اللبنانية نفسها ليست صاحبة القرار العسكري الوحيد؟ هنا تكمن خطورة علي الطاهر. إيران في الخلفية ولبنان في الواجهة لسنوات طويلة، لم يكن نفوذ إيران في لبنان مجرد علاقة سياسية مع حليف محلي. لقد تحوّل، عبر حزب الله، إلى نفوذ استراتيجي يمتد من التمويل والتسليح إلى بناء القدرات العسكرية وتحديد وظيفة الجنوب في معادلة إقليمية أوسع. وإذا صحت الرواية الإسرائيلية بشأن الدور الإيراني في إنشاء بنية علي الطاهر، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة: هل نحن أمام سلاح لبناني وظيفته الدفاع عن لبنان، أم أمام جزء من منظومة إقليمية تُدار حساباتها من خارج لبنان؟ إيران ليست هي التي تدفع ثمن الحرب عندما تُقصف قرية في الجنوب. وليست هي التي تعيد بناء منزل دُمّر. وليست هي التي تبحث عن مدرسة آمنة لأطفالها عندما يتحول الجنوب إلى منطقة عسكرية؛ اللبناني هو من يدفع الثمن. لهذا، فإن الدفاع عن لبنان لا يمكن أن يعني تحويل لبنان إلى منصة دائمة لصراعات الآخرين. skip render: ucaddon_material_block_quote اختبار مختلف لطالما قدّم حزب الله سلاحه باعتباره ضرورة لمواجهة إسرائيل، وربط وجوده بمعادلة الردع وحماية الجنوب، لكن التطورات الميدانية تفرض سؤالًا أكثر قسوة: إذا كان السلاح هو الذي يحمي الجنوب، فلماذا أصبح الجنوب نفسه مسرحًا دائمًا للحرب والدمار والاحتلال الإسرائيلي؟ وإذا كانت الأنفاق جزءًا من استراتيجية الردع، فماذا يعني سقوط مواقع استراتيجية وكشف منشآت تحت الأرض أمام الجيش الإسرائيلي؟ هذه ليست أسئلة لتسجيل نقاط سياسية على حزب الله، وإنما أسئلة عن جدوى استراتيجية كاملة. فالردع الذي لا يمنع الحرب، والسلاح الذي لا يحمي السكان، والمعادلة التي تجعل الدولة عاجزة عن التحكم بقرار الحرب، تحتاج جميعها إلى مراجعة. ولا يكفي القول إن إسرائيل هي المعتدي، وهو توصيف لا يلغي حق لبنان في الدفاع عن نفسه، لأن السؤال المقابل يبقى قائمًا: كيف يدافع لبنان عن نفسه إذا لم يكن قرار الدفاع لبنانيًا؟ الغائب الذي يجب أن يعود هنا يعود الجيش اللبناني إلى قلب المعادلة. ليس المطلوب من الجيش أن يكون مجرد قوة تنتشر بعد انتهاء المعارك، أو مؤسسة تُستدعى عندما تحتاج الأطراف إلى غطاء رسمي. المطلوب أن يكون صاحب الدور المركزي في حماية الحدود والسيادة والأمن الوطني. الدولة التي لا تحتكر قرار السلاح لا تستطيع أن تحتكر قرار الحرب. والدولة التي لا تملك كامل أدوات الدفاع عن حدودها ستظل مضطرة إلى التفاوض على سيادتها بين قوة مسلحة داخلية وقوة عسكرية إسرائيلية على الحدود، بينما يبقى المجتمع اللبناني عالقًا بينهما. هذه هي المفارقة التي تجعل علي الطاهر أكثر من قصة عسكرية. فبينما تتقاتل القوى على المرتفعات، تنخفض الدولة اللبنانية أكثر فأكثر عن مستوى الأرض التي يُفترض أن تكون صاحبة السيادة عليها. وإسرائيل ليست بريئة من معادلة الفوضى، لكن استعادة سيادة الدولة اللبنانية لا تعني منح إسرائيل شيكًا مفتوحًا. فالقول إن وجود سلاح خارج الدولة يمثل مشكلة لبنانية حقيقية لا يعني قبول الاحتلال أو العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية. إسرائيل نفسها تستفيد من وجود سلاح حزب الله لتقديم نفسها بوصفها دولة تواجه تهديدًا دائمًا على حدودها. وكلما اتسعت البنية العسكرية للحزب، اتسعت معها الذريعة الإسرائيلية لضرب لبنان. وهكذا تنشأ الحلقة الجهنمية: حزب الله يقول إن السلاح ضروري بسبب إسرائيل، وإسرائيل تقول إن وجود السلاح يبرر عملياتها، ولبنان الرسمي يجد نفسه بين الطرفين. ومن يدفع الثمن؟ لبنان. علي الطاهر ليست معركة تلة؛ إنها معركة لبنان على سيادته نهاية مرحلة أم بداية مواجهة جديدة؟ السيطرة الإسرائيلية المعلنة على علي الطاهر لا تعني بالضرورة نهاية حزب الله عسكريًا، كما أن تدمير منشأة أو نفق لا يعني انتهاء قدرته على إعادة بناء شبكاته. لكنها قد تعني شيئًا أكثر أهمية: أن معادلة الجنوب القديمة لم تعد تعمل بالطريقة نفسها. وإذا تحولت إسرائيل إلى الاحتفاظ بمواقع داخل الجنوب، وربطت الانسحاب بنزع سلاح حزب الله، فإن لبنان سيكون أمام خطر جديد: أن يتحول سلاح الحزب، الذي قيل إنه وُجد لمنع الاحتلال، إلى أحد العوامل التي يستخدمها الاحتلال لتبرير بقائه. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. السلاح الذي حمل شعار تحرير الأرض قد يصبح، في نظر خصومه، سببًا لاستمرار احتلالها. ولذلك، فإن مستقبل الجنوب لن يُحسم فقط في الميدان. سيُحسم في بيروت، في قرار الدولة، في علاقة الجيش بالسلاح، وفي قدرة الحكومة اللبنانية على فرض سيادتها. وفي سؤال أكثر جوهرية: هل يستطيع لبنان أن ينتقل من مرحلة «المقاومة نيابة عن الدولة» إلى مرحلة «الدولة التي تمتلك حق المقاومة والدفاع وتحتكر قرارهما»؟ أمام لحظة الحقيقة قد تختلف القوى اللبنانية حول حزب الله، وحول إيران، وحول إسرائيل، وحول مفهوم المقاومة. لكن هناك حقيقة يصعب الالتفاف عليها: لا يمكن بناء دولة ذات سيادة بجيشين وقرارين وحسابين للحرب والسلم. إذا أراد حزب الله حماية لبنان، فعليه أن يكون جزءًا من استراتيجية دفاعية تقررها الدولة. وإذا أرادت إيران الحفاظ على نفوذها في لبنان، فعليها أن تدرك أن لبنان ليس قاعدة متقدمة في أي مواجهة إقليمية. وإذا أرادت إسرائيل أمنًا دائمًا على حدودها، فلن تحصل عليه بتحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة عمليات مفتوحة. أما الجيش اللبناني، فعليه أن يستعيد دوره الطبيعي: جيش الدولة، لا جيش التسويات. skip render: ucaddon_box_testimonial