المدن كالناس، لا تنكشف في أوقات الرخاء، بل في لحظات العطب. تحار في ما يمكن أن يُقال عن أزمة النفايات في صيدا. قيل فيها كل شيء تقريبًا: بيانات، مواقف، اتهامات، تبريرات، مزايدات، بطولات وهمية، ومعارك افتراضية… وكل طرف يزعم أنه صاحب الحق، وحارس الحقيقة، ومنقذ المدينة. تعاقبت على صيدا زمر من المسؤولين والسياسيين والناشطين والخبراء وأصحاب الرؤى. تبدلت الأسماء. تغيرت الوجوه. مات بعضهم. كبر بعضهم. اختفى آخرون… لكن الزبالة بقيت. كيف يمكن لمدينة أن تنتج، خلال خمسة أجيال تقريبًا، كل هذا العدد من المتعاطين بالشأن العام، ولا تنتج جوابًا واحدًا نهائيًا عن سؤال: ماذا نفعل بالزبالة؟ ربما لأن المشكلة لم تكن يومًا في القمامة. كانت القمامة مجرد مرآة، والمرآة ليست مسؤولة عن الوجه الذي يظهر فيها. من كثرة ما قيل في هذا الموضوع، لم تعد الحقيقة وحدها هي التي ضاعت، بل ضاع الناس معها، وملّوا. بقدر ما تبدو مشكلة النفايات في صيدا معقّدة، هي في جوهرها بسيطة. هناك معمل. يمكن أن يكون جيدًا أو سيئًا. يمكن نقده. يمكن إصلاحه. يمكن تطويره. يمكن مساءلة القائمين عليه. لكن هناك، في النهاية، شيء موجود يمكن البناء عليه. بذرة موجودة، لا تعرف مصيرها مسبقًا. يمكن أن تتحول إلى شجرة. ويمكن أن تموت في التراب. الأمر يتوقف على من يسقيها ويرعاها. إما أن نستمر في صناعة جبال إضافية من النفايات، نكدّسها فوق ما راكمناه ونورّثها للأجيال المقبلة، وإما أن نحوّل هذا الملف إلى قصة نجاح تستفيد منها المدينة ماليًا وبيئيًا وكهربائيًا وتنمويًا. الأمر ممكن، لكنه يحتاج، قبل التكنولوجيا والمال والخطط، إلى شيء أبسط وأصعب في آنٍ معًا: أن تصلح النوايا. أن تختفي الكيديات، وأن تتوحّد الجهود، وأن تتراجع الحسابات الصغيرة، وأن نتجاوز تلك الطفوليات والشخصنات المتأخرة التي أصابت البعض بأعراض «سنّ اليأس السياسي»، رجالًا ونساءً. قيل الكثير في الأزمة الأخيرة التي ضربت المدينة. وقد وجد فيها الجميع مناسبة ليدلي بدلوه، ويتحف الناس بآرائه وحلوله وعبقرياته، حتى بدا أحيانًا أن عدد خبراء النفايات في صيدا يفوق عدد الأكياس على المكبات. لكن للأزمة فضيلة واحدة على الأقل: أنها نزعت عن كثيرين «أوراق التين». عرّتنا. كشفتنا أمام أنفسنا قبل الآخرين. فالإنسان قادر على إقناع نفسه بأنه يدافع عن قضية، بينما هو في الحقيقة يدافع عن ضغينته. قادر على أن يتحدث باسم مصلحة الناس، فيما كل ما يريده هو أن يفشل خصومه. قادر على أن يفرح بسقوط المدينة إذا كان خصمه واقفًا على سطحها. أظهرت الأزمة أن تحت طبقات الكلام عن المصلحة العامة والمدينة وأهلها، تختزن بعض النفوس مقدارًا مذهلًا من الكراهية تجاه «الآخر»، أيّ آخر. فالمعامل يمكن إصلاحها، والعقود يمكن تعديلها، والأموال يمكن تأمينها، والتقنيات يمكن تطويرها، والنفايات يمكن فرزها ومعالجتها. أما الكراهية، فلا يوجد لها معمل فرز، ولا يوجد مكبّ يمكن أن ندفنها فيه، ولا آلة تستطيع أن تحوّلها إلى طاقة. تلك لا يعالجها إلا شيء واحد: الحب. نعم. لعل أكثر ما تحتاج إليه صيدا اليوم ليس مشروعًا جديدًا ولا بيانًا إضافيًا ولا اجتماعًا آخر، بل قليلًا من الحب بين أبنائها، وبين مسؤوليها، وبين القوى التي تتنازعها كأنها غنيمة، فيما المدينة نفسها تذبل يومًا بعد يوم وتتفلّت من بين أيدينا أكثر فأكثر. زار صيدا هذا الصيف، رغم الحرب والظروف الصعبة، الآلاف من أبنائها المغتربين. عادوا إلى الأهل والأصدقاء، والحنين إلى الفول والمناقيش، إلى “الزيرة” والبحر، وإلى الشوارع والذكريات والمقاهي واللقاءات. جميل. ماذا بعد؟ لا شيء. كلٌ يدّعي حب المدينة. والجميع يتحدث عنها بحنين. لكن عندما يصبح الحب فعلًا، واستثمارًا، ومبادرة، وتقديمًا للخبرة أو المال أو العلاقات أو الوقت، يتراجع الحماس، ثم ينزوي… وكأن المدينة تصلح للحنين، ولا تصلح للمشاركة. والحب، حين يبقى حنينًا، يصبح نوعًا لطيفًا من الأنانية. الأكثر إيلامًا أن من يريد أن يقدّم شيئًا لها، كثيرًا ما يجد أمامه بيئة ممزقة، وكيانات وزعامات شاخت ولا تزال تتناحر، وحساسيات صغيرة، وأبوابًا يحرسها الشك بدل أن تفتحها الثقة. هكذا تبقى المدينة عالقة في دائرة مغلقة: كلنا نحبها، وكلنا نشكوها، وكلنا نطالب بإنقاذها، لكن قلّة فقط مستعدة لأن تدفع من وقتها ومصالحها وراحتها ثمن هذا الإنقاذ. ربما آن الأوان أن نفهم أن المشكلة لم تعد في القمامة وحدها. القمامة التي تملأ الشوارع يمكن رفعها، لكن ماذا عن القمامة التي تراكمت في النفوس والعقول؟ آن الأوان، قبل كل شيء، أن يخرج الصيداوي من القمقم الذي حبس نفسه داخله طويلًا: قمقم التبعية العمياء، والمصلحة والعائلة، والزعامة القدرية، والحسابات الضيقة، والخلافات السخيفة المتجددة… المدينة، وإن قزّموها، أكبر من كل هؤلاء، وأطول عمرًا من خصوماتهم. المشكلة لم تكن يومًا في النفايات وحدها. كانت دومًا في الإنسان الذي يقف أمامها، يشير إليها بإصبعه ولا يرى نفسه وهو يكدسها.
في السياسة، ليست الشجاعة في ارتفاع الصوت، ولا في استعراض القوة، بل في القدرة على رؤية الواقع كما هو، واتخاذ القرار الضروري حين يصبح التردد أكثر خطرًا من القرار نفسه. في لبنان، حيث تتقاطع الحسابات الداخلية مع التحولات الإقليمية، وحيث ينعكس كل موقف على توازنات دقيقة، تصبح القيادة مسؤولية مضاعفة: أن تحمي الدولة من كلفة الانقسام، وأن تُميّز بين ما يخدم اللحظة وما يحمي المستقبل. فالقرارات الكبرى لا تكون برفع الصوت، ولا برفع الإصبع، بل برفع الإحساس بالمسؤولية. رفع الصوت لا يعوّض غياب الرؤية، ورفع الإصبع في وجه الخصم لا يصنع دولة. القوة الحقيقية أن يعرف صاحب القرار كلفة ما يختار، وأن يقف أمام الناس مستعدًا لتحمّل نتائجه. القرار يبدأ قبل إعلانه القرار المصيري لا يُولد لحظة إعلانه. يسبقه فهم للواقع، وقراءة للتحولات، ومقارنة للخيارات، وبناء للثقة. في لبنان تحديدًا، لا يمكن فرض قرار كبير على مجتمع أنهكته الأزمات والانقسامات من دون أن يفهم الناس لماذا وصلنا إلى هذه النقطة، وما البدائل المتاحة، وما كلفة كل طريق. تهيئة الجمهور ليست صناعة تصفيق، إنها صناعة وعي. حين يشعر الناس أن القيادة تصارحهم ولا تستعملهم لتغطية قراراتها، يصبحون أكثر استعدادًا لتحمّل الخيارات الصعبة، حتى عندما تكون مؤلمة أو غير شعبية. skip render: ucaddon_material_block_quote القيادة لا تتبع المزاج بل تقود الوعي السياسي قد يختار ما يرضي جمهوره، أما القائد فيختار ما يراه ضروريًا لمصلحة بلده، ثم يتحمّل مسؤولية إقناع الناس به. الاستماع إلى الجمهور ضرورة، لكن تحويل المزاج العام إلى بوصلة وحيدة ليس قيادة. في بلد متنوع كلبنان، لا يمكن أن تقوم السياسة على منطق الغالب والمغلوب. المطلوب صلابة في المبادئ ومرونة في الوسائل، والبحث عن المخارج التي تحمي الدولة وتمنع الخلاف السياسي من التحول إلى انقسام وطني. قد يكون القرار الصحيح صعبًا في لحظته، وقد تكون كلفته السياسية مرتفعة، لكن المعيار ليس مقدار التصفيق عند الإعلان عنه، بل أثره على لبنان بعد أن تهدأ العاصفة. شجاعة ما بعد القرار القرار ليس لحظة إعلان، بل بداية مسؤولية. القائد الحقيقي لا يختبئ خلف قراره عندما تظهر نتائجه، ولا يتمسك بخطأ واضح حفاظًا على صورته. يراجع، ويصحح، ويتراجع عندما يصبح التراجع أكثر حكمة، ويتمسك عندما يكون التمسك ضروريًا. هنا تلتقي الشجاعة بالحكمة: أن تعرف متى تتقدم، ومتى تنتظر، ومتى تفاوض، ومتى تقول إن كلفة الاستمرار في الوضع القائم أصبحت أكبر من كلفة التغيير. لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج السياسي، بل إلى شجاعة القرار وصدق المصارحة ففي النهاية، يجب أن يعود كل قرار لبناني إلى سؤال واحد: هل يقوّي الدولة أم يضعفها؟ هل يعيد الثقة بالمؤسسات أم يبددها؟ هل يفتح طريقًا للاستقرار أم يعمّق الانقسام؟ هل يحمي قدرة لبنان على النهوض أم يؤجل أزماته إلى مرحلة أكثر كلفة؟ لا يحتاج لبنان إلى مزيد من الضجيج السياسي، بل إلى قيادة تملك شجاعة القرار وحكمة التوقيت وصدق المصارحة. فالسياسي قد يسأل: كيف أربح هذه اللحظة؟ أما القائد فيسأل: ماذا سيبقى للبنان بعد أن تنتهي اللحظة؟ وهنا تبدأ القيادة الحقيقية: أن تمتلك شجاعة القرار، وبصيرة التوقيت، وحكمة الحساب، وصدق المصارحة، ثم تقف في مقدمة المسؤولية لا خلفها. لأن القوة ليست أن تقول: «أنا أقرر». القوة أن تستطيع أن تقول: «أنا أقرر، وأعرف لماذا، وأعرف الكلفة، وأنا مستعد لتحمّلها من أجل لبنان». في التجربة اللبنانية، يبرز سعد الحريري بوصفه نموذجًا لسياسة أدركت أن المسؤولية الوطنية لا تُقاس بارتفاع الخطاب، بل بقدرة القائد على قراءة اللحظة وتحمّل كلفتها. فقد اختار في محطات مفصلية أن ينظر إلى لبنان بوصفه مساحة للتسوية والحوار وحماية الاستقرار، لا ساحة لتسجيل الانتصارات على الخصوم. skip render: ucaddon_box_testimonial
وكأنّه لم يعد في بلدة الهلالية (شرق صيدا) من مخالفات إلا بضع شجرات وكمّ وردة، وكأنّ احتكار أحد المحظيّين للمولدات الخاصة، و«السيرك» في رخص البناء وغيرها من التجاوزات، باتت أمورًا ثانوية. فجأة، استفاق رئيس البلدية على أنّ هناك قطعة أرض يريد أن يحوّلها إلى قصر بلدي يليق به وبالمنظومة الحاكمة معه، فأراد استرجاع ما يعتبره حقًّا له. فبحسب معلومات «البوست»، فوجئ عدد من العائلات الصيداوية المعروفة والمقيمة في البلدة منذ سنوات، بينهم (أبو عمر الدندشلي، وأرملة الدكتور جودت الدادا، والسفير السابق عبد المولى الصلح)، بتلقّي كتب إنذار تتهمهم بمخالفة القوانين المرعية الإجراء، على خلفية إشغال أرض مشاع وزراعة عدد من الشتلات فيها. لكنّ اللافت، وفق متابعين للملف، ليس إصدار الإنذارات بحد ذاته، بل الانتقائية التي رافقته. إذ تتقاطع المعلومات عن أنّ أحد الأشخاص الذين يشغلون الأرض المذكورة أو يستفيدون منها لم يشمله الإنذار، في وقت تزامن استثناؤه لعدم توقيعه على العريضة التي سبق أن رُفعت ضد البلدية من قِبل عدد من الأهالي والأشخاص الذين طالتهم الإنذارات، علمًا أنّ الخلاف بين الأفرقاء لا يزال في مساره القانوني الذي لم يُحسم بعد.