عَلِمَتْ “البوست” أنَّ مفاوضاتِ الساعاتِ الأخيرةِ الماضية بين المعنيّين بالموضوع أفضت إلى إيجادِ حلٍّ قانونيٍّ صاغَهُ محامي بلدية صيدا، يقضي بتحريرِ رواتبِ موظّفي البلدية، وتمكينِهم بالتالي من قبضِ مستحقّاتهم التي مُنعوا من تحصيلِها حتى اليوم بسببِ تَخوُّفِ الموظّفين المعنيّين بدفعِ المستحقّات من الصندوقِ الماليِّ للبلدية، بعد موجةِ التحقيقاتِ بقضايا اختلاسٍ وفسادٍ مؤخراً. وبحسب المعلومات، فإنّ الصيغةَ القانونيةَ التي جرى التوصّلُ إليها جاءت لضمانِ سلامةِ الإجراءاتِ المالية والإدارية، وحمايةِ حقوق الموظّفين، بما يُعيدُ انتظامَ العملِ داخل البلدية ويُخفّفُ من حالةِ القلق التي سادت في أوساطِ الموظّفين خلال الفترة الماضية، ريثما تستكمل التحقيقاتُ مسارَها القانونيّ بعيداً عن تعطيلِ الحقوقِ الماليةِ المستحقّة.
ليس سرًّا في بلدٍ كلبنان وجودُ صراعٍ بين أجهزتِه الأمنيّة على الصورةِ والخبرِ والصدارةِ والإنجازات والتسريبات. وليس سرًّا أنّ كلَّ جهازٍ له مربِضُه وانتماؤه وتبعيّتُه السياسيّة والمذهبيّة. هذا هو لبنانُنا الذي نعيشه، ونطمح جميعًا أن يكون أفضلَ لنا ولمستقبلِ أبنائنا. الطريقةُ والأسلوبُ اللذان اعتمدهما جهازُ أمنِ الدولة في تعاطيه مع ملفِّ فسادٍ واختلاسٍ في بلديّة صيدا، والتي انحصرت تحقيقاتُه حتى الآن بموظّفةٍ واحدةٍ ومبلغٍ لا يتعدّى عشرةَ آلافِ دولار، يُظهران أنّ هناك من يسعى إلى الإضرار بالمدينة وسمعتها ووضعها في مواجهةٍ تتعاظم مع جهازٍ محسوبٍ على رئيس الجمهوريّة والعهد. أمرٌ لا تريده صيدا، وحكمًا لا يسعى إليه جوزيف عون، لكنّ «سعدنات دود الخل» تبدو مستمرّةً بأفقٍ ضيّقٍ وحساباتِ «الخِفاف» التي سترتدّ عليهم لاحقًا. فالكلام، وإنْ لا يزال همسًا الآن، لكنّه يكبر في الغرف وبين الناس، عن أبعاد مناطقية ومذهبية لما يجري، حتى ولو ابتلعت ألسنُ السياسيّين والنوّاب والقوى الفاعلة الآن، خوفًا وطمعًا واحتسابًا، فإنّ ذلك لن يستمرّ إلى ما لا نهاية. مصطفى حجازي، وحازم بديع، وحسن شمس الدين، ولاحقًا محمد السعودي، أو حتى زهرة الدرزي وغيرهم من موظّفي البلديّة، لا يمثّلون أنفسهم فحسب على كراسيّ التحقيق في أروقة السراي، إنّهم يمثّلون سلطةً تنفيذيّةً منتخبةً ومدينةً قالت كلمتها لهم. فلتُعلَّقِ المشانقُ للمختلسين، ولتُقطعْ يدُ السارقين، وليُسجَنِ المتورّطون. لا أحدَ في واردِ أن يُغطّي مرتكبًا أو يدافعَ عن مخالف، لكن ليتمّ ذلك وفق القوانين والأنظمة وبشفافيّةٍ تحفظ الكرامات وتصون الحقوق الإنسانيّة. أمّا أن يتمّ توقيفُ رئيسِ بلديّةٍ لأكثر من 7 ساعات، ويكون التحقيقُ معه فقط لمدة 20 دقيقة، فذلك أمرٌ مستغرَبٌ يؤسّس لمشكلاتٍ قد تنفجر في وجه الجميع لاحقًا، ولن تكون تداعياتُها كقضيّة المسرحيّ زياد عيتاني التي لم تُنسَ بعد. فلنتّعظْ من الماضي كي نؤسّسَ للمستقبل، لأنّ صيدا وإن بدت “حيطها واطي”، فإنّ أهلها قد يفاجئونك على حينِ غفلةٍ بما لم يكن في حسبانِ أحد.
قبل ساعاتٍ فقط من إقفال ملفّ “الاختلاس” الذي شهدته بلدية صيدا مؤخرًا على صيغةٍ هادئة تُبقي الموضوع في إطار اللفلفة الإدارية الداخلية، أقدم جهازُ أمنِ الدولة على مداهمةٍ “سينمائية”، فاقتحم مؤسسةً عامةً بشكلٍ غير مسبوقٍ في الشكل والمضمون، ليخرج الملفّ من عِقاله عبر أخبارٍ وتسريباتٍ ومبالغاتٍ حوّلت المدّعين إلى متّهمين، وأساءت إلى سمعة المدينة وموقعها وصيتها. الأسئلةُ التي تتردّد اليوم بكثرةٍ في أروقة البلدية والمدينة، كما في أذهان الناس والأعضاء أنفسهم، من قام بذلك؟ وهل الموضوع مقصود، أم دعسةٌ ناقصةٌ غير محسوبة العواقب فاقمت الأمر، وقد تكون سببًا لفتح ملفاتٍ كثيرةٍ شابت العمل الإداري والمالي في البلدية منذ سنوات؟ في هذا الإطار، توقّفت مصادرُ صيداويةٌ متابعةٌ لـ”البوست” عند تركيز الاهتمام من قبل وسائل إعلامٍ من خارج المدينة، ولا سيّما إحدى محطّات التلفزة ذات الطابع الطائفي المُعيَّن، على ما حصل مؤخرًا، مستغرِبةً هذا الاهتمام المستجدّ بعاصمة الجنوب، الذي لا يتمظهر إلا في الجوانب السلبية للمواضيع، وكأنّ هناك أياديَ خفيّةً تُحرّك هذا الملفّ لمآرب قد تكون مناطقية وسياسية، ردًّا على موقفٍ اتّخذته البلدية مؤخرًا. وترى هذه المصادر أنّ زجَّ أسماء موظّفين وأعضاء بعينهم في تقارير إعلامية مبالغٍ فيها، إضافةً إلى زجّ اسم رئيس البلدية السابق في هذا الموضوع، على الرغم من أنّ التحقيقات خلصت إلى حصر الموضوع برمّته بموظّفةٍ واحدةٍ، وبمبلغٍ لا يتعدّى 10,000 دولار، هو محاولةٌ غير بريئة لضرب سمعة المدينة بأكملها، لا البلدية فحسب، تحت عناوين محقّة يُراد بها باطل.