من المتوقع، بحسب مصادر حقوقية متابعة، أن يصبح موضوع “الطعن” في نتائج فرز بعض الصناديق في الانتخابات البلدية التي شهدتها صيدا منذ ما يقارب العام نافذًا، وفق القوانين المرعية الإجراء. أمرٌ طال الحديث عنه وترقّبه منذ مدة، وهو إن حصل اليوم، فسيعني دخول إحدى السيدات المرشحات، باعتبارها أولى الخاسرين، مقابل خروج أحد الأعضاء الذين لم يُسجَّل لهم لا طَعم ولا لون ولا رائحة منذ انتخابهم. أمرٌ قد لا يشعر به كثير من الصيداويين الغارقين في مشاكل أكبر من هذه التفاصيل الصغيرة، لكنه سببٌ ليرتاح البعض من أشخاص لم يعرفوهم لا قولًا ولا عملًا، لصالح أشخاص جدد لا يُعوَّل عليهم الكثير. قد تكون البداية بسقوط عضو يليه آخر، لكن التركيبة “العظيمة” للبلدية ستستمر بنجاح كبير، إذ ليس من المفترض أن تؤثر هذه التغييرات على رئاسة المجلس أو أدائه المبهر.
يحقّ لذلك الشاب، كما لغيره، أن يطمح.أن يُخبر أصدقاءه بأنّه يعيش “أحلى أيام” حياته منذ أن أصبح “عضوًا بلديًا”، وأنّه سيترشّح بلا تردّد ثانيةً في حال “طارت” هذه البلدية لسببٍ أو لآخر. سعى هذا العضو البلدي، الذي فرضته صلة القربى بـ”هامة الريّس” المحبوب صيداويًا، كي يأخذ فرصته. لولاه لما كان ذلك ليحصل. أكثر الصيداويين يعلمون ذلك. ولأنّ الحياة فرص، يسعى الشاب الطموح ليثبت حضوره عبر تعاطٍ جديد مع ملفّين سعى للاستحواذ عليهما منذ أيامه الأولى: الإعلام وعمل المولّدات الخاصة. لكن ما يحصل في هذا الموضوع منذ فترة تحوّل إلى ما يشبه “حفلة” علاقات عامّة، حوّلت العمل الرقابي المفترض للجنة متابعة تجاوزات أصحاب المولّدات الخاصة إلى محاولات تواصل مع هؤلاء للتوسّط لدى مشتركين لا يستحقون تخفيضًا، والتقاط الصور مع مسؤولين، وصياغة بيانات إنشائية فارغة، حتى بات صاحبها يتقمّص دور صاحب القرار في التسعيرة الرسمية للدولة، متجاوزًا صلاحيات الوزارة المعنية نفسها والمحافظ. ولأنّ صيدا من الصعب أن تكتم أسرارًا، فموضوع التذاكي في جزئيات معيّنة، يظنّ صاحبها أنّه قادر على تمريرها من تحت الطاولة، لا بدّ أن يظهر في وقتٍ ما. فسياسة “ذو الوجهين” تُفضَح، و”النسنسة” من الباطن لا تتطلب إلا برهةً من الزمن ليعرف بها أصحابها، فكيف إن كانوا من “الكبار”. في الحكاية الشعبية العربية، لا يحتلّ “ُشعيب” موقع الشخصية المتداولة على نطاق واسع مثل “جحا” أو “أبي زيد الهلالي” أو “عنترة” أو “الزير سالم”، لكنه يحضر بطريقة مختلفة، لا كشخصية مغامِرة، بل كظلّ أخلاقي، واسمٍ محمّل بمعنى الحكمة والميزان والنصيحة. شُعيب في المخيال الشعبي ليس “بطل الحكاية” غالبًا، بل هو صوت الحكاية الداخلي حين تريد أن تقول للناس: لا تغشّوا، لا تظلموا، لا تأكلوا حقوق بعضكم، ولا تجعلوا السوق من تقرر… فاتّعِظ.
اثنا عشر عامًا من السجن، ثم كلمة واحدة: براءة. ليست هذه مفارقة قانونية عابرة، بل لحظة كاشفة لنظام كامل يهتزّ تحت ثقل أسئلته. في القرار الصادر بشأن الفنان فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير، في قضية محاولة قتل أحد مسؤولي سرايا المقاومة التابعة لـ«حزب الله» في صيدا، لا تقف المسألة عند حدود حكم قضائي، بل تتجاوزها إلى سؤال وجودي: ماذا تبقّى من العدالة حين تحتاج إلى اثني عشر عامًا لتقول إن المتّهم بريء؟ الزمن هنا ليس تفصيلًا. اثنا عشر عامًا ليست رقمًا في ملف، بل عمرٌ مُقتطع من حياة إنسان، من سمعته، من عائلته، من احتمالاته. وحين يأتي الحكم بالبراءة بعد كل هذا، لا يبدو كتصحيح للمسار بقدر ما يبدو كإدانة متأخرة لنظام سمح بحدوث الخطأ واستمراره. المعضلة لا تقبل التجميل: إما أن القضاء يعاني خللًا بنيويًا عميقًا يجعله عاجزًا عن التمييز السريع بين الجرم والبراءة، أو أنه واقع تحت تأثيرات سياسية تُحوّله إلى أداة ضمن صراعات النفوذ. وفي كلا الاحتمالين، النتيجة واحدة: منظومة لا تحمي الأبرياء بقدر ما تعرّضهم للاستهلاك البطيء. في الدول التي تحترم نفسها، العدالة ليست فقط في الحكم النهائي، بل في المسار كلّه. سرعة الإجراءات، ضمانات المحاكمة، استقلالية القرار—هذه ليست كماليات، بل شروط أساسية. أما حين تتحوّل العدالة إلى عملية استنزاف طويلة، فإن البراءة نفسها تفقد معناها، وتصبح أقرب إلى اعتذار بارد لا يعيد ما سُلب. الأخطر أن مثل هذه الأحكام لا تُقاس فقط بتأثيرها على الأفراد، بل على ثقة المجتمع ككل. حين يرى الناس أن البراءة قد تأتي بعد عقد كامل، فإن الرسالة الضمنية واضحة: يمكنك أن تُسحق أولًا، ثم يُعاد الاعتبار لك نظريًا… بعد فوات الأوان. وهذا كفيل بتآكل الإيمان بأي منظومة قانونية، وفتح الباب أمام بدائل أكثر خطورة، من العدالة الخاصة إلى الفوضى. ليس المطلوب هنا الدفاع عن أشخاص بعينهم أو إدانة آخرين، بل مواجهة السؤال الجوهري: أي عدالة تلك التي تعاقب الإنسان مرتين؛ مرة بالسجن، ومرة بالانتظار؟ العدالة التي تتأخر إلى هذا الحد لا تعود عدالة، بل تتحوّل إلى شهادة على خلل أعمق. خلل في بنية الدولة، في توازن السلطات، وفي القدرة على الفصل بين القانون والسياسة. قد يختلف الناس في تفسير ما جرى، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن الزمن نفسه أصبح طرفًا في القضية. والزمن، حين يُساء استخدامه في مسار العدالة، لا يمرّ بصمت… بل يترك خلفه إدانة لا تُمحى. قد تُغلق الملفات، لكن الأسئلة تبقى مفتوحة. skip render: ucaddon_box_testimonial