لم يكن مقالُ الوداعِ الذي كتبه ديفيد بروكس بعد اثنين وعشرين عاماً في “نيويورك تايمز” مجردَ لحظةٍ شخصيةٍ بين كاتبٍ وقرّائه، بل بدا أقربَ إلى بيانٍ سياسيٍّ ثقافيٍّ عن عالمٍ يفقد يقينَه تدريجياً. لم يكتب بروكس نصاً حنينياً، بل تشريحاً لمرحلةٍ تاريخيةٍ تتآكل فيها الثقةُ العامة وتتحول السياسةُ من فنِّ إدارةِ الأمل إلى إدارةِ الخوف. ومن يقرأ مقالَه خارج الإطار الأميركي يدرك سريعاً أن ما وصفه ليس أزمةً داخليةً بحتة، بل موجةٌ عالميةٌ تضرب الشرق الأوسط بقوة، ويجسّد لبنان إحدى أكثر صورها كثافةً ووضوحاً. من نشوةِ الانتصار إلى زمنِ الانكساريروي بروكس انتقالَ أميركا من نشوةِ ما بعد الحرب الباردة إلى عصرِ الشكِّ الجماعي. كان العالم يبدو في مطلع الألفية متماسكاً؛ الديمقراطيةُ تتوسع، والتكنولوجيا تعد بعصرٍ جديدٍ من التواصل الإنساني، والاقتصادُ العالمي يوحي بازدهارٍ طويل الأمد. لكن الحروبَ الفاشلة، والانهياراتِ المالية، وانفجارَ وسائلِ التواصل الاجتماعي أطلقت موجةً من القلق والسخط. هذا المسار لم يكن أميركياً فحسب؛ فالشرق الأوسط عاش نسختَه الأكثر قسوة، حيث تحولت وعودُ التغيير إلى واقعٍ من الحروب المفتوحة والانقسامات الداخلية وانهيار الاقتصادات. ما بدا في واشنطن أزمةَ ثقة، تحوّل في المنطقة إلى أزمةِ بقاء. عالمٌ يتفكك… ولبنان نموذج الانهيار الكامل، من أزمة ثقة إلى أزمة بقاء مختبرُ الانهيار الصامتإذا كان بروكس يتحدث عن فقدان الإيمان الجماعي، فإن لبنان يقدّم التجسيدَ الأكثر كثافةً لهذه الفكرة. بلدٌ كان يُقدَّم كمساحةٍ للتعددية والانفتاح أصبح نموذجاً لانهيار الدولة وتآكل العقد الاجتماعي. العملةُ انهارت، والمؤسساتُ فقدت ثقةَ الناس، والسياسةُ تحولت إلى إدارةِ أزماتٍ بلا مشروعٍ وطنيٍّ جامع.المجتمعُ يعيش حالةَ شكٍّ دائم، والنخبُ تبدو منفصلةً عن الواقع، والشبابُ يغادرون بأعدادٍ متزايدة بحثاً عن معنىً وحياةٍ خارج حدود بلدٍ فقد القدرةَ على إقناع أبنائه بالبقاء. العدميةُ السياسيةيحذر بروكس من صعود ما يسميه “العدمية السياسية”، حيث تتحول السياسةُ إلى صراعِ قوىً مجردٍ من الأخلاق والمعايير المشتركة. هذه الظاهرة تبدو مألوفةً في الشرق الأوسط، حيث تراجعت مشاريعُ الدولة المدنية لصالح سياسات النفوذ والسلاح والاصطفافات الإقليمية.في لبنان، تتشابك الصراعاتُ الداخلية مع حسابات الخارج إلى حدٍّ يجعل السيادةَ فكرةً نظريةً أكثرَ منها واقعاً. الدولةُ لم تعد المرجعيةَ الوحيدة، والمجتمعُ لم يعد يملك سرديةً وطنيةً موحَّدة، فيما تملأ الشعبويةُ والطائفيةُ الفراغَ السياسيَّ بخطابات تعبئةِ الغضب بدلَ أن تبني مشروعاً. يرى بروكس أن توسيعَ الحريات الفردية دون مشروعٍ ثقافيٍّ جامعٍ أنتج فراغاً وجودياً عميقاً. في الشرق الأوسط، تبدو المفارقة مختلفةً لكنها متقاربةٌ في النتيجة: مجتمعاتٌ لم تنل حرياتها كاملة، لكنها تعاني أيضاً من فقدان المعنى الجماعي بسبب الانقسامات والهويات المتصارعة وتراجع التعليم النقدي.لبنان، الذي طالما اعتُبر حرياتُه مصدرَ قوة، يواجه اليوم سؤالاً وجودياً: ماذا تفعل الحريةُ عندما تنهار الدولةُ ويتآكل الاقتصادُ ويهاجر الجيلُ الذي يُفترض أن يقود التغيير؟ الحريةُ بلا مشروعٍ تتحول إلى فوضى، والفوضى إلى شعورٍ جماعيٍّ بالعجز. الثقافةُ قبل السياسةواحدةٌ من أكثر أفكار بروكس عمقاً هي أن التغيير الثقافي يسبق التحولَ السياسي. هذه الفكرة تحمل دلالةً خاصةً للشرق الأوسط، حيث سقطت مشاريعُ الإصلاح لأنها حاولت تغييرَ السلطة دون تغيير الثقافة السياسية. في لبنان، لا يبدو الإصلاح ممكناً عبر النصوص القانونية وحدها، في ظل ثقافةٍ قائمةٍ على الزبائنية والانقسام الطائفي.إعادةُ بناء الدولة تمر عبر إعادة بناء الثقة العامة وإحياء مفهوم المصلحة المشتركة، وهي عمليةٌ ثقافيةٌ طويلة قبل أن تكون إصلاحاً مؤسساتياً سريعاً. رغم نبرة التشاؤم، يلمّح بروكس إلى إمكانية ولادةِ نهضةٍ إنسانيةٍ جديدة تعيد الاعتبار للقيم المشتركة والبحث عن المعنى. في الشرق الأوسط، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً: هل يمكن لمجتمعاتٍ أنهكتها الحروبُ والانهيارات أن تعيد إنتاجَ نفسها ثقافياً؟لبنانياً، ورغم عمق الأزمة، تظهر مبادراتٌ مدنيةٌ وثقافيةٌ مستقلة تحاول إعادة تعريف المواطنة خارج الاصطفافات التقليدية. قد تبدو هذه الجهودُ صغيرة، لكنها تذكّر بأن التحولاتِ الكبرى تبدأ غالباً من الهامش قبل أن تعيد صياغة المركز. الحرية بلا مشروع: الطريق الأقصر إلى الفوضى وداعُ بروكس لم يكن مجردَ نهايةِ مسيرةٍ صحفية، بل دعوةً لإعادة التفكير في معنى المجتمع الحديث. الشرق الأوسط، ولبنان في قلبه، يعيشان لحظةً مشابهةً لما وصفه الكاتب الأميركي: أزمةُ ثقة، أزمةُ معنى، وأزمةُ سرديةٍ وطنية. المجتمعاتُ لا تنهار فقط عندما تفلس اقتصاداتُها أو تتعطل مؤسساتُها، بل عندما تفقد قدرتَها على تخيّل مستقبلٍ مشترك. بين عالمٍ يتجه نحو القسوة الفردية ومجتمعاتٍ تبحث عن إعادة بناء إنسانيتها، يبقى السؤالُ مفتوحاً: هل يمكن تحويلُ لحظةِ الانهيار إلى بدايةِ مراجعةٍ عميقة تعيد صياغة العقد الاجتماعي قبل أن يصبح اليأسُ هو اللغةَ السياسيةَ الوحيدة؟
لم يكن اختطاف المواطن اللبناني عطوي عطوي من بلدة الهبارية مجرّد حادثةٍ أمنيّةٍ عابرة على الحدود الجنوبية، بل رسالة ميدانية مكتوبة بلغة الخطف والتوغّل. فبعد يومين على العملية الإسرائيلية، ما زالت الأسئلة أكبر من الوقائع المعلنة: لماذا الآن؟ ولماذا هذا الهدف تحديدًا؟ وما الذي تريد تل أبيب قوله في لحظةٍ إقليمية شديدة الحساسية، اختارت فيها خرق الخطوط بهدوءٍ محسوب؟ وبحسب معلومات متداولة، تسلّلت قوة إسرائيلية ليلًا إلى المنطقة الحدودية القريبة من الخط الأزرق، ودارت مواجهات محدودة، قبل أن يتم اقتياد عطوي، وهو مسؤول في الجماعة الإسلامية، إلى جهةٍ مجهولة داخل الأراضي المحتلة. ويُعدّ اللجوء إلى عملية اختطاف هدفها نقل المحتجز إلى داخل الأراضي المحتلة فارقًا نوعيًا في ديناميكية التوتر القائم؛ إذ لا يقتصر الأمر على استهدافٍ أمنيٍّ عابر، بل ينقل مضمون المواجهة من إطار خروقات وقف إطلاق النار إلى مستوى السيادة والأمن القومي اللبناني. دلالات وأبعاد تحمل هذه العملية أكثر من بعدٍ تكتيكي وسياسي: أولًا – رسالة ردع استخبارية من إسرائيل. يُعدّ اختطاف شخصٍ مشارك في أنشطة مسلحة، أو مشتبه بصلته بجماعات المقاومة، تكتيكًا يهدف إلى إضعاف شبكات الدعم والتجنيد في الجنوب، ويوجّه رسالة واضحة مفادها أن «كل من يُصنّف تهديدًا أمنيًا، له تبعات حتى داخل مناطق نفوذه». ثانيًا – هزّ الثقة في اتفاق الهدنة. رغم أن وقف إطلاق النار لا يزال قائمًا رسميًا، إلا أن استمرار الخروقات والاعتداءات — بما فيها هذه الحادثة — يُضعف قدرة الوساطات الدولية على تثبيت الهدنة، ويعيد لبنان إلى دائرة الاحتكاك الدائم مع إسرائيل، بما يرفع احتمالات التصعيد غير المقصود. ثالثًا – استهداف قوى قريبة من الشبكات المتحالفة مع المقاومة. تُعدّ الجماعة الإسلامية أحد الفاعلين المحليين في الجنوب، وقد وضعها تعاونها مع أطراف أخرى خلال الحرب الماضية ضمن دائرة الاهتمام الأمني الإسرائيلي. وعليه، قد يشكّل اختطاف مسؤول فيها مؤشرًا إلى محاولة إسرائيلية لضرب البُنى اللوجستية والسياسية التي برزت خلال المواجهات الأخيرة. رابعًا – تداعيات داخلية لبنانية وإقليمية. داخليًا، وفي ظل ارتفاع منسوب الاحتقان السياسي والاجتماعي، يمكن أن تُستثمر هذه العملية لتعزيز خطاب التهديد الخارجي، وفتح سجالات حول قدرة الدولة على حماية حدودها ومواطنيها، بما يُبقي مناخ التوتر قائمًا. أما إقليميًا، فقد تُستخدم الحادثة ذريعةً لإعادة تبرير أنشطة مسلحة شمال إسرائيل، بما في ذلك استعراضات الردع من قبل حلفاء محور المقاومة. من هو؟ يُعدّ عطوي عطوي، البالغ من العمر نحو 63 عامًا، من القيادات البارزة في الجماعة الإسلامية. وقبل تولّيه مسؤوليات تنظيمية داخل الجماعة، شغل منصب رئيس بلدية بلدة الهبارية في قضاء حاصبيا، ما جعله شخصية معروفة وذات حضور في محيطه المحلي. ومنذ عام 2022، تولّى عطوي منصب المسؤول القضائي في منطقة حاصبيا–مرجعيون لدى الجماعة، وهو موقع يمنحه نفوذًا تنظيميًا داخل شبكاتها الجنوبية، الأمر الذي قد يفسّر تصنيفه إسرائيليًا كهدفٍ أمني في عملية الاختطاف التي نُفّذت فجر يوم الاثنين.
ليس سرًّا في بلدٍ كلبنان وجودُ صراعٍ بين أجهزتِه الأمنيّة على الصورةِ والخبرِ والصدارةِ والإنجازات والتسريبات. وليس سرًّا أنّ كلَّ جهازٍ له مربِضُه وانتماؤه وتبعيّتُه السياسيّة والمذهبيّة. هذا هو لبنانُنا الذي نعيشه، ونطمح جميعًا أن يكون أفضلَ لنا ولمستقبلِ أبنائنا. الطريقةُ والأسلوبُ اللذان اعتمدهما جهازُ أمنِ الدولة في تعاطيه مع ملفِّ فسادٍ واختلاسٍ في بلديّة صيدا، والتي انحصرت تحقيقاتُه حتى الآن بموظّفةٍ واحدةٍ ومبلغٍ لا يتعدّى عشرةَ آلافِ دولار، يُظهران أنّ هناك من يسعى إلى الإضرار بالمدينة وسمعتها ووضعها في مواجهةٍ تتعاظم مع جهازٍ محسوبٍ على رئيس الجمهوريّة والعهد. أمرٌ لا تريده صيدا، وحكمًا لا يسعى إليه جوزيف عون، لكنّ «سعدنات دود الخل» تبدو مستمرّةً بأفقٍ ضيّقٍ وحساباتِ «الخِفاف» التي سترتدّ عليهم لاحقًا. فالكلام، وإنْ لا يزال همسًا الآن، لكنّه يكبر في الغرف وبين الناس، عن أبعاد مناطقية ومذهبية لما يجري، حتى ولو ابتلعت ألسنُ السياسيّين والنوّاب والقوى الفاعلة الآن، خوفًا وطمعًا واحتسابًا، فإنّ ذلك لن يستمرّ إلى ما لا نهاية. مصطفى حجازي، وحازم بديع، وحسن شمس الدين، ولاحقًا محمد السعودي، أو حتى زهرة الدرزي وغيرهم من موظّفي البلديّة، لا يمثّلون أنفسهم فحسب على كراسيّ التحقيق في أروقة السراي، إنّهم يمثّلون سلطةً تنفيذيّةً منتخبةً ومدينةً قالت كلمتها لهم. فلتُعلَّقِ المشانقُ للمختلسين، ولتُقطعْ يدُ السارقين، وليُسجَنِ المتورّطون. لا أحدَ في واردِ أن يُغطّي مرتكبًا أو يدافعَ عن مخالف، لكن ليتمّ ذلك وفق القوانين والأنظمة وبشفافيّةٍ تحفظ الكرامات وتصون الحقوق الإنسانيّة. أمّا أن يتمّ توقيفُ رئيسِ بلديّةٍ لأكثر من 7 ساعات، ويكون التحقيقُ معه فقط لمدة 20 دقيقة، فذلك أمرٌ مستغرَبٌ يؤسّس لمشكلاتٍ قد تنفجر في وجه الجميع لاحقًا، ولن تكون تداعياتُها كقضيّة المسرحيّ زياد عيتاني التي لم تُنسَ بعد. فلنتّعظْ من الماضي كي نؤسّسَ للمستقبل، لأنّ صيدا وإن بدت “حيطها واطي”، فإنّ أهلها قد يفاجئونك على حينِ غفلةٍ بما لم يكن في حسبانِ أحد.