لم تعد تلة علي الطاهر مجرّد مرتفعٍ في جغرافيا النبطية، ولا اسماً محلياً يعرفه أبناء كفرتبنيت والنبطية الفوقا والقرى المحيطة. مع اتساع رقعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله»، تحوّلت هذه التلة إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في المشهد الميداني الجنوبي، حيث تتقاطع الذاكرة التاريخية مع الحسابات العسكرية، وتختصر مساحة صغيرة سؤالاً كبيراً: من يملك المرتفعات، يملك القدرة على مراقبة العمق والتحكم بمسارات التقدّم والانسحاب. تقع تلة علي الطاهر في منطقة النبطية، بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، على ارتفاع يقارب 600 متر عن سطح البحر. وهي تطل على مدينة النبطية ومحيطها، ما يمنحها أهمية لا تُقاس بحجمها الجغرافي، بل بموقعها الحاكم وقدرتها على الإشراف على طرقات وممرات وبلدات واسعة. اسم من الذاكرة… وموقع من الحرب تصف مصادر تاريخية الموضع بأنه مزرعة أو قرية مندثرة، بقيت منها آثار ومقام، قبل أن يتحوّل الاسم في الذاكرة الحديثة إلى عنوان عسكري متكرر في محطات المواجهة جنوباً. أما التسمية، فتعود، بحسب الروايات المحلية، إلى مقام يُعرف باسم مقام علي الطاهر. وتورد مصادر تاريخية ومحلية أن المقام ذُكر في سياق «بلاد الشقيف»، وأن عليه قبة، كما ورد ذكره في مؤلفات تناولت بلدات جبل عامل ومقاماته، بينها ما نُسب إلى السيد محسن الأمين في «خطط جبل عامل»، والشيخ إبراهيم سليمان في «بلدان جبل عامل». وتتحدث رواية متداولة عن أن علي الطاهر كان شخصية دينية أو مجاهداً أو قائداً قديماً دُفن في المكان. غير أن التفاصيل الدقيقة حول شخصيته تبقى أقرب إلى الذاكرة الشعبية والمرويات المحلية منها إلى التوثيق التاريخي الحاسم. لماذا التلة مهمة؟ في الحروب، لا تكون المرتفعات مجرد نقاط صامتة على الخريطة. إنها عيون مفتوحة على الميدان. من يسيطر على تلة كهذه يستطيع أن يراقب الطرقات، ويكشف الحركة، ويقيّد الخصم، ويحوّل أي تقدّم بري إلى عملية مكلفة ومحفوفة بالمخاطر. من هنا برزت علي الطاهر في التقارير الأخيرة كواحدة من النقاط التي حاولت قوات العدو الإسرائيلي التقدّم نحوها، في مقابل إصرار «حزب الله» على منع تثبيت أي واقع عسكري جديد في محيطها. وتزداد حساسية الموقع لأنه يقع شمال نهر الليطاني، أي في منطقة تحمل وزناً سياسياً وعسكرياً خاصاً في أي نقاش حول قواعد الاشتباك وترتيبات الأمن في الجنوب. فالتقدّم الإسرائيلي نحو مرتفع كهذا لا يُقرأ كحركة ميدانية محدودة، بل كمحاولة لامتلاك نقطة رصد وضغط داخل عمق لبناني شديد الحساسية. لذلك، لا تبدو المعركة على علي الطاهر معركة على تلّة فقط، بل على شكل المرحلة التالية: هل تبقى المنطقة خط تماس متحركاً، أم تتحوّل إلى حزام مراقبة ووقائع عسكرية جديدة؟ نقطة اختبار بين الطرفين في المقابل، ينظر «حزب الله» إلى تلة علي الطاهر باعتبارها جزءاً من منظومة دفاعية أوسع في محيط النبطية وكفرتبنيت. وتقول تقارير إسرائيلية إن المنطقة تضم بنى تحتية وأنفاقاً أو منشآت مرتبطة بالحزب، فيما يتحدث الحزب عن محاولات إسرائيلية لاحتلال المرتفع وإفشالها عبر كمائن واستهدافات مباشرة. وبين الروايتين، تبقى الحقيقة الميدانية الأوضح أن التلة تحوّلت إلى نقطة اختبار لقدرة كل طرف على فرض ميزان جديد. رمزية تتجاوز الجغرافيا لكن علي الطاهر ليست موقعاً عسكرياً فقط. للتلة رمزية أعمق في الذاكرة الجنوبية. فهي اسم حاضر منذ عقود، ومرتبط بذاكرة الاحتلال الإسرائيلي السابق وبحروب الجنوب المتعاقبة. ولهذا لا تُقرأ المعركة حولها محلياً كاشتباك على مرتفع فحسب، بل كصراع على معنى السيطرة في منطقة تعرف جيداً أن التلال الصغيرة قد تصنع تحولات كبيرة. بهذا المعنى، تختصر تلة علي الطاهر جانباً واسعاً من حكاية الجنوب اللبناني: تاريخ محلي قديم، مقام وذاكرة، قرى معلّقة على حافة الحرب، وجغرافيا حاكمة تتحول في لحظة إلى هدف استراتيجي. من هنا لا تكمن أهمية علي الطاهر في ارتفاعها وحده، بل في موقعها عند تقاطع الخريطة والرسالة. فهي التلة التي تقول إن الحرب في الجنوب لا تُحسم فقط بالنار، بل أيضاً بالجغرافيا، وبالذاكرة، وبمن يملك القدرة على منع العدو من تحويل نقطة عابرة إلى واقع دائم.
في عالم السياسة والحروب، هناك قاعدة بسيطة: مَن لا يملك خطةً، يتحوّل هو نفسه إلى جزءٍ من خطة الآخرين. اليوم، لا تفصل إسرائيل صارت على تلة علي الطاهر الاستراتيجية. أمتار فقط بين قوةٍ أمضت أكثر من اثني عشر عامًا في بناء واحدة من أهم منشآتها العسكرية في الجنوب، وبين واقعٍ ميداني يكاد يضع هذه المنشأة تحت مرمى الوقائع الجديدة. لكن القصة الحقيقية ليست في المنشأة، بل في العقلية التي أوصلت الأمور إلى هنا. لسنوات طويلة، قيل للناس إنّ «الكلمة للميدان». تحوّلت العبارة إلى ما يشبه النشيد الرسمي الذي يُتلى عند كل أزمة، وكأنّ تكرارها كافٍ لوقف تقدّم الدبابات أو تغيير اتجاه الأحداث. لكن المشكلة أنّ الميدان الحقيقي لا يفهم لغة الشعارات، بل يفهم موازين القوى والخطط والقرارات والنتائج. في المقابل، تتحرك إسرائيل بهدوء الجرّاح الذي يعرف تمامًا أين يضع مشرطه. لا ضجيج، لا خطابات نارية، لا مهرجانات انتصار مسبقة. فقط خطة واضحة تتقدّم خطوةً خطوة. هدف اليوم يصبح واقع الغد، وواقع الغد يصبح نقطة انطلاق لهدف جديد. أما هنا، فما زال البعض يتصرّف وكأنّ الزمن توقّف عند بيانات الانتصار القديمة. ما زال يعتقد أنّ رفع السقف الكلامي يعوّض غياب الرؤية السياسية، وأنّ الخطاب التعبوي يمكن أن يحلّ مكان الحسابات الاستراتيجية. والأكثر إثارةً للسخرية أنّ كل مَن يطرح سؤالًا واقعيًا يُتَّهَم فورًا بالانهزامية، بينما الوقائع نفسها تتقدّم على الأرض أسرع من أي نقاش. أصبح المطلوب من الناس أن تغضّ النظر عن الخرائط وأن تصدّق البيانات، وأن تنسى الأمتار التي تُخسر مقابل الكلمات التي تُربح. المعضلة الحقيقية ليست عسكرية فقط، بل سياسية قبل كل شيء. فلا يمكن لأي قوة أن تدير صراعًا مفتوحًا بينما قرارها السياسي والعسكري معلّق على حسابات إقليمية معقّدة، أو بينما تعجز عن إجراء مراجعة شجاعة لما جرى وما يجري. فالحروب لا تُدار بالعواطف، ولا تُكسب بالماضي، ولا تُحسم باستدعاء أمجاد الأمس كلما تعقّدت وقائع اليوم. بعد كل ما جرى، لم يعد السؤال: ماذا تقول البيانات؟ بل ماذا تقول الخرائط؟ ولم يعد السؤال: مَن يملك الخطاب الأعلى صوتًا؟ بل مَن يملك المشروع الأكثر وضوحًا؟ لأنّ التاريخ لا يرحم مَن يخلط بين الشعار والاستراتيجية. ولأنّ الأرض، على عكس الجماهير، لا تصفّق للخطب. الأرض تنحاز دائمًا لمن يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. أما الاكتفاء بترداد عبارة «الكلمة للميدان»، فيما الميدان نفسه يتراجع تحت ضغط الوقائع، فليس استراتيجية مقاومة، بل وصفة مضمونة لتحويل الخسائر إلى مشهد اعتيادي، والهزائم إلى مجرد بيانات مؤجّلة.
كلما جلستُ لأخطّ حرفاً في الآونة الأخيرة، تراجعتُ. كنتُ أكتب الفكرة ثم أمحوها، ليس عجزاً عن التعبير، بل لأن الحرص على أمن هذه المدينة، وعلى سلامة الوطن، بات يتقدم عندي على أي مقال صحفي أو استعراض مطلبي محق. غير أن الصمت لم يعد خياراً حين تكتشف أن صمتك يتقاطع مع هواجس ومخاوف يهمس بها الجميع في منازلهم وجلساتهم المغلقة الناس في مدينتنا صيدا يعيشون القلق نفسه، ويسألون الأسئلة الحرجة ذاتها: بين بيع الأراضي في “مناطق الخطر”، وشراء شقق متواضعة بأسعار خيالية في صيدا… إلى أين نمضي؟ وهل ما نشهده هو مجرد نزوح عابر، أم أنه ملامح تغيّر ديمغرافي دائم يغذيه الطمع وتفرضه لغة الحرب؟ حين يغيب اليقين ويختلط الخوف بالشك، ندرك أن الموضوع بات خطيراً جداً، فلا يجوز للفيل أن لا يرى ما وراء الشجرة. بورصة الخوف وسماسرة “الاستقرار المستعجل” القصة لا تحتاج إلى تحليلات معقدة، بل تبدأ من تفاصيل بسيطة تشبه حكايات بيوتنا. شقة صغيرة في صيدا، معروضة للبيع منذ سنتين، شقة متواضعة وإن كانت في نظر أصحابها “ستّ النساء”، لم تجد مشترياً بعشرين ألف دولار. فجأة، وبلحظة خاطفة، طار السعر، وبيعت بسرعة بخمسة وأربعين ألفاً! هذه ليست حالة فردية، بل عينة من مشهد يمتد على طول الساحل. ينقل لي أحد السماسرة أن الأسعار من صيدا وصولاً إلى خلدة، وخصوصاً في برجا – حكاية برجا تحتاج مقالاً آخر – قفزت بشكل جنوني وعادت إلى ما كانت عليه قبل انهيار العملة وسقوط السوق العقاري. سمسار آخر، ابن الجنوب الذي يعرف تفاصيل صيدا جغرافياً وبشرياً بحكم عمله المستمر فيها منذ أكثر من عشر سنوات، يروي لي دهشته. يقول إن الطلب الأخير على إحدى الشقق وصل إلى حدود الـ180 والـ200 ألف دولار كاش. المفارقة ليست في الرقم فقط، بل في الشروط: يريدونها “مفروشة” ومع حديقتها، يبحثون عن “السكن السريع” الفوري… يبحثون عن استقرار مستعجل، مهما كان الثمن وبأي شروط. أو أن إشاعة التكليف الشرعي حقيقية بين الاستئجار طويل المدى أو الشراء مهما كلّف الثمن. skip render: ucaddon_material_block_quote استباحة الأرصفة وهواجس الميدان هذا التهافت العقاري يقابله في الميدان مفصل آخر لا يقل خطورة: مشهد الكورنيش والشارع الصيداوي. هناك حالة من الاستباحة الصامتة للأرصفة ومواقف السيارات المجانية العامة التي كانت أصلاً تشكل أزمة لأبناء المدينة. في عينة حية، تجد محلاً مؤجراً حديثاً بات يسيطر بقوة الأمر الواقع على أكثر من ثمانية مواقف للسيارات المحيطة به. المشهد يتجاوز التجارة إلى نمط حياة مريب: نساء تنام داخل المحل، ورجال يبيتون في السيارات المركونة في محيطه، “رابيدات” و”بيك آب” وسيارات أغلبها بلا لوحات، بلا نمر، تتحرك وتتمركز بطريقة تثير الريبة وتزرع القلق في نفوس الجوار، بل وعندما تتحرك آلية ما تُستبدل بغالونات الماء أو منشر غسيل! نحن أمام مشكلة هائلة تتجاوز قدرة المدينة على الاحتمال. لغة الأرقام الصادرة من خلف كواليس الأجهزة الأمنية تصدم العقل. صيدا التي كان يبلغ عدد سكانها، مع أهلنا في المخيمات الفلسطينية، حوالي 300 إلى 350 ألف نسمة، تضم اليوم في أزقتها وشققها وضواحيها أكثر من 700 ألف نازح! نحن نتحدث عن ضِعف العدد الأصلي. ضغط هائل على البنى التحتية، أزمة مياه ومجارٍ، استنزاف للخدمات، واختناق يومي لا تحتمله جغرافيا المدينة ولا قدرتها الاقتصادية، وخوف بين من يستضيف والمضيف، و”كل الناس خير وبركة… احسبها على حالك”. حين ينطق التاريخ: دروس صور وبعلبك هذا المشهد المعقد يعيدنا بالذاكرة إلى دفاتر التاريخ القريب والبعيد، ويجبرنا أن نتمحّص في تحولات الجغرافيا اللبنانية. من يقرأ تاريخ مدينتين عريقتين مثل صور وبعلبك، يعرف جيداً أنهما كانتا في حقب سابقة بتركيبة ديمغرافية ذات أغلبية من طائفة معينة، وكيف تبدلت الموازين والظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية عبر العقود ليأخذا حُلّة ديمغرافية مغايرة تماماً، تماهت مع واقع جديد. التاريخ ليس مجرد أحداث مضت، بل هو دروس تمشي على الأرض. والخشية اليوم، بين السطور وفي عمق النفوس، أن تكون صيدا أمام مسار شبيه، يُرسم ببطء تحت وطأة الحاجة والنزوح، ويُنفذ بأموال الطمع العقاري، فتصبح “حدت” أخرى فتُسمى “الحدث”، وهذه مخاوف عاشها العونيون في بداية عودة الجنرال عون الرئيس السابق. حين يُباع الحجر بالخوف، تُشترى المدن على مهل من طوق الشام إلى بوابة الجنوب عند هذا الحد، لا يمكن للعين الصحفية إلا أن تقرأ ما هو أبعد من الحدود اللبنانية. يتملكنا تساؤل قلق الكيان ومريب الاستفهام: هل نحن أمام محاولة لإنتاج “دمشق جديدة” بدلاً من تلك التي حُررت وعُدّلت هويتها؟ التجربة السورية حاضرة كشاهد حي. فالعاصمة دمشق لم تتغير بين ليلة وضحاها، بل خضعت لطوق ديمغرافي محكم عبر خطة ذكية وممنهجة قادها حافظ الأسد المقبور واستكملها بشار الأسد الهارب. بدأت الفكرة قديماً تحت مسميات تنظيمية وإسكانية، من خلال بناء “مساكن الضباط” ثم تجمعات العسكر، لتتحول تلك الأطراف تدريجياً عبر العقود إلى أحياء سكنية شاسعة ومكتظة، تحاوط قلب الشام التاريخي وتخنقه ديمغرافياً وعسكرياً عند أي منعطف، مغيرةً وجه المدينة إلى الأبد، وهذا ما حصل في عاصمة الأمويين التي استُرجعت بملايين المشردين والشهداء والجرحى. فهل ما يجري على طول الساحل الصيداوي اليوم هو محاكاة لتلك “الأطواق” ونحن على أبواب عاشوراء؟ تحركات مريبة تحت غطاء إنساني هذا التوجس يكتسب بُعداً ملموساً وثقه تقرير لافت ومقلق نشره المصدر الإلكتروني “البوصلة” تحت عنوان: “مخاوف في صيدا من تحركات عصائب أهل الحق تحت غطاء إنساني”. التقرير أثار الأنشطة الأخيرة لـ”عصائب أهل الحق” العراقية، المصنفة على قوائم الإرهاب الدولية، في مدينة صيدا وجوارها، حيث يُسجل للمنظمة حركة نشطة في توزيع المساعدات الغذائية والإنسانية، وسط علامات استفهام كبرى يسوقها التقرير في نقاط ثلاث تصيب جوهر المشهد: • الغطاء الإنساني الوهمي: حيث يرى المراقبون أن توزيع تلك المساعدات ليس سوى واجهة ذكية لكسب حاضنة شعبية محلية، وتثبيت نفوذ سياسي وميداني مباشر في عصب “بوابة الجنوب”. • غياب الدولة المريب: وهو ما يطرح تساؤلات حارقة حول غياب الرقابة الرسمية والأمنية للدولة اللبنانية، وسط اتهامات صريحة لـ”حزب الله” بتسهيل دخول الحركة وتأمين حريتها المطلقة في التنقل والنشاط. • التنسيق ووحدة الساحات: تشير القراءات السياسية إلى أن هذا التواجد المستجد يأتي بالتنسيق الكامل مع “حزب الله” لتعزيز مفهوم “وحدة الساحات” على الأرض، والتحضير العملي لسيناريوهات ميدانية وأمنية مستقبلية عبر استخدام فصائل حليفة وعابرة للحدود. skip render: ucaddon_box_testimonial