هناك فرق واضح بين الشاب والفتاة في صيدا عندما يصل إلى يد كلٍّ منهما بعض المال الإضافي. لا نتحدث عن ثروة أو ملايين، بل عن زيادة بسيطة في الراتب، أو قبض جمعية، أو وصول بضع دولارات. الفتاة، ما إن تجد مبلغًا زائدًا، حتى تبدأ فورًا في البحث عمّا تنفقه عليه. كريم، مكياج، قطعة ملابس، حقيبة، أظافر، شعر… وإن لم تجد حاجة فعلية، تكفّل «السوشال ميديا» بالمهمة، وستظهر حتمًا قطعة غريبة لا تعرف فائدتها، لكن الحكم النهائي سيكون: «حلوة!». أما الشاب الصيداوي، فاقتصاده أبسط بكثير: المال الزائد يعني طعامًا أكثر. إذا كان المبلغ صغيرًا، فلافل. إذا تحسّن قليلًا، شاورما. وإذا فتح الله عليه فجأة، فلن يفكر في الادخار أو الاستثمار، بل سيقول الجملة الأخطر: «في مطعم بدي جرّبه». ومن هنا تبدأ المغامرة. فالشاب الذي يعثر على مطعم جديد لا يتصرف كزبون، بل كمستكشف. يعود إلى أصدقائه مزهوًا: «اكتشفت لكم مطعمًا!». اكتشفت ماذا يا صديقي؟ الرجل استأجر المحل، وجهّزه، ووظّف العمال، ودفع الإعلانات، وربما خسر نصف رأسماله قبل أن تمرّ أنت صدفة من أمامه، تشم رائحة الشاورما، تدخل، تأكل سندويشة، ثم تخرج معلنًا اكتشافك العظيم. يا كريستوفر كولومبوس… أنت لم تكتشفه، أنت فقط جعت! والأطرف أن تحسّن الوضع المالي لدى الشاب الصيداوي قد يظهر عليه سريعًا من دون الحاجة إلى كشف حساب مصرفي: يزداد وزنه. وكأن الكرش أصبح مؤشرًا اقتصاديًا جديدًا. لا تسأل عن الراتب، راقب البطن. باختصار، لدى شباب وبنات صيدا نظريتان واضحتان في الاقتصاد: الفتاة تحوّل المال إلى شيء يُلبس أو يوضع على الوجه والشعر، والشاب يحوّله إلى شيء يؤكل. في الحالتين، المال لا يعيش طويلًا. لذلك، إذا رأيت شابًا صيداويًا وقد زاد راتبه، لا تسأله أين استثمر أمواله. اسأله: «وين المطعم الجديد؟». وإذا وصلت إلى فتاة زيادة مالية، فلا تسألها ماذا ستفعل بها. ففي الغالب، تكون قد صرفتها ذهنيًا قبل أن تصل أصلًا. لا نحتاج إلى خبراء اقتصاد لمعرفة أين تذهب الزيادات في صيدا. يكفي أن نراقب أمرين: مقاسات الملابس… وعدد المطاعم الجديدة في أرقام الدليفري!
علمت جريدة «البوست» من مصادر محلية متابعة أنه، من تداعيات الكلام الذي أُثير مؤخرًا بحق ما يحصل من «أمور مريبة» داخل بلدية الهلالية (شرق صيدا)، أدّى ذلك إلى تطيير مشروع كان أحد تجار البناء المعروفين في تلك المحلة قد تكفّل به “كعطية” من جيبه الخاص لصالح البلدية، والمتمثل ببناء قصر بلدي جديد على قطعة أرض تحوم حولها علامات استفهام واجتهادات عديدة. فبحسب عارفين، تمكّنت شخصية صيداوية معروفة تشغل قطعة الأرض المتنازع عليها من النجاح في تعطيل “بلدوزر” المشروع بالطرق القانونية، من دون أن تتمكن من حسم الملف بشكل نهائي بعد، إلا أن “التنبيهات” التي وجّهتها وزارة الداخلية إلى تلك البلدية، والكلام الذي أُثير حول تجاوزات كثيرة في عملها، فتحا العيون على العلاقات المتداخلة بينها وبين أحد أصحاب المولدات المحظيين وتجار البناء، الأمر الذي أدّى إلى تأجيل المشروع برمته، لا إلغائه، بانتظار جلاء الصورة. ويبقى السؤال. ما الذي يدفع بتاجر بناء يصادف أنه صاحب مولد أيضا إلى تقديم “هبة بقيمة مليون دولار” لبناء قصر بلدي لبلدة، في وقت يعجز فيه “البنك الدولي” عن تخصيص مثل هذا المبلغ لمشروع كهذا، في زمن لا شيء مجانيًا فيه!
skip render: ucaddon_box_testimonial لا بأس، تقول لنفسك. فالبرنامج موجود على جهازي، وقد دفعت ثمن الكمبيوتر، ودفعت ثمن البرنامج في وقت سابق، والملفات التي أحتاج إليها موجودة أمامي، فما الذي يمكن أن يمنعني من استخدامه؟ الجواب ببساطة: الشركة. البرنامج موجود فعلًا، لكنه لن يعمل، أو بالأحرى سيذكّرك، بطريقة مهذبة، بأن الملكية التي كنت تظن أنك دفعت ثمنها لم تعد تعني ما كانت تعنيه في السابق. إنه أشبه بموظف حضر إلى مكتبه في موعده، جلس أمامك، شرب قهوته، ثم قرر أن يعلن الإضراب حتى تدفع له راتبه مرة أخرى. في حالتي، تبلغ كلفة هذا «الامتياز» نحو 35 دولارًا شهريًا، سواء أنجزت عشرة مقاطع أو لم أفتح البرنامج طوال الشهر. لا يهم. ففي نهاية الشهر ستصل الفاتورة في موعدها، وإذا قررت أن أقول للشركة: «ليس هذا الشهر»، فإن البرنامج سيبقى جالسًا على جهاز الكمبيوتر بكل برود، موجودًا أمام عيني، لكنه سيضرب عن العمل. وهنا، وسط هذه الحكاية الصغيرة والسخيفة في ظاهرها، تختبئ واحدة من أكبر التحولات الاقتصادية التي طرأت على حياتنا المعاصرة: لقد توقفنا عن شراء الأشياء، وبدأنا نشتري حق استخدامها. زمن الملكية أتذكر زمنًا كان فيه برنامج الكمبيوتر يأتي داخل علبة صغيرة، وفي داخلها قرص مدمج. تدفع ثمنه مرة واحدة، تأخذه إلى منزلك، تثبّته على جهازك، وتنتهي الحكاية. كان البرنامج ملكك. وقد لا يكون أفضل برنامج في العالم، وربما تأتي بعد سنة نسخة أحدث وأسرع وأكثر ذكاءً، لكن النسخة التي اشتريتها كانت لك، ولا تحتاج إلى بطاقة ائتمانية كي تسمح لك بفتحها في صباح اليوم التالي. كان ذلك، على ما يبدو، زمنًا ساذجًا اقتصاديًا، لأننا كنا نرتكب الخطأ الفادح نفسه مرة بعد أخرى: كنا نبيع الأشياء مرة واحدة ونحصل على ثمنها مرة واحدة، وهو نموذج تجاري يبدو اليوم أقرب إلى العمل الخيري منه إلى الرأسمالية. أما اليوم، فقد اكتشفنا أن بيع الشيء مرة واحدة فكرة غير مربحة بما يكفي، وأن العبقرية الحقيقية تكمن في أن تبيع الإنسان الشيء نفسه مرات لا تنتهي. لماذا تبيعني برنامجًا بمئتي دولار مرة واحدة، بينما تستطيع أن تأخذ مني 35 دولارًا كل شهر؟ ولماذا تبيعني فيلمًا على قرص، بينما تستطيع أن تجعلني أدفع اشتراكًا شهريًا لمشاهدته؟ ولماذا تبيعني لعبة في علبة، بينما يمكنك أن تجعلني أحمّلها من منصتك وأبقى مرتبطًا بحسابك وخوادمك وشروطك؟ ولماذا تبيعني سيارة بكل وظائفها مرة واحدة، بينما يمكنك أن تبيعني السيارة أولًا، ثم تبدأ ببيع وظائفها واحدة تلو الأخرى؟ إنها ليست مؤامرة سرية تجتمع لها الشركات في غرفة مظلمة حول طاولة مستديرة، وإنما هي ببساطة واحدة من أذكى الأفكار التجارية في عصرنا: لماذا تبيع الإنسان شيئًا مرة واحدة إذا كان بإمكانك أن تجعله يدفع مقابل استخدامه إلى الأبد؟ عصر الاشتراكات وهكذا دخلنا عصر الاشتراكات. أصبح هناك اشتراك للبرنامج، واشتراك للموسيقى، واشتراك للأفلام، واشتراك للألعاب، واشتراك للتخزين، واشتراك لخدمة داخل السيارة، واشتراك لميزة في الهاتف، وربما اشتراك في خدمة لم نكن نعرف أصلًا أننا بحاجة إليها قبل أن تخبرنا الشركة بأنها موجودة. والأكثر طرافة أن هذه الاشتراكات لا تضمن لك دائمًا استمرار الشيء الذي تدفع من أجله. فقد تدفع لمنصة بث شهرًا بعد شهر لأن فيها فيلمًا تحبه، ثم تستيقظ ذات صباح وتبحث عنه فلا تجده. اختفى، لا لأنك توقفت عن الدفع، ولا لأنك ارتكبت مخالفة، ولا لأن الفيلم انتهت صلاحيته في منزلك، وإنما لأن الشركة قررت ببساطة أن الفيلم لم يعد موجودًا على منصتها. أنت دفعت، لكنك لم تشترِ الفيلم، بل اشتريت حقًا مؤقتًا في مشاهدته. وعندها تصبح علاقتك بالمحتوى أشبه بعلاقة المستأجر بالشقة: ادفع ما عليك، التزم بالشروط، ولا تسأل كثيرًا عما سيحدث بعد انتهاء العقد. وإذا أردت تشبيهًا سياسيًا أكثر قسوة، فإن اشتراكك في المنصة يصبح أحيانًا مثل مذكرة توقيف نتنياهو الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية: موجودة على الورق، لكن قدرتها على إجبار الواقع على الالتزام بها قصة أخرى. تملك أم تستخدم؟ والمسألة نفسها تنتقل إلى ألعاب الفيديو، حيث شهد عالم الـGamers تحوّلًا واضحًا نحو التوزيع الرقمي، وأعلنت سوني أن إنتاج الأقراص المادية للألعاب الجديدة على أجهزة PlayStation سيتوقف ابتداءً من يناير 2028. قد يبدو الأمر مجرد تطور تقني لا يستحق كل هذا التفكير، لكن القرص يحمل معه فكرة اقتصادية كاملة. كنت تشتري اللعبة، تأخذها إلى بيتك، تلعبها متى شئت، تحتفظ بها، تعيرها لصديقك، وربما تبيعها بعد سنوات. أما في العالم الرقمي، فأنت تشتري، في كثير من الحالات، حق الوصول إليها ضمن منظومة تديرها الشركة. وهنا يظهر الفرق بين أن تملك شيئًا وأن تحصل على إذن لاستخدامه. وهو فرق صغير في اللغة، لكنه هائل في الاقتصاد؛ لأن الملكية تمنحك سلطة على الشيء، بينما يمنحك الإذن حقًا مشروطًا يمكن أن يرتبط بحساب أو منصة أو خادم أو شروط استخدام قابلة للتغيير. حتى السيارة وإذا أردتم دليلًا أكثر عبثية على هذا التحول، فلنذهب إلى السيارات. كنت أظن، بسذاجة رجل يعيش في القرن العشرين، أن شراء سيارة بـ150 ألف جنيه إسترليني يعني أنني اشتريت سيارة بـ150 ألف جنيه إسترليني. لكن يبدو أنني كنت أعيش في زمن مختلف تمامًا. دخلت شركات السيارات إلى عالم الاشتراكات، ومن أشهر الأمثلة تجربة BMW المتعلقة بتدفئة المقاعد، حيث طرحت الشركة، في بعض الأسواق، نموذجًا يتيح استخدام الميزة مقابل رسوم دورية. تخيّل المشهد: أنت تشتري السيارة، تجلس في المقعد، المقعد موجود، ونظام التدفئة موجود، والأسلاك موجودة، وكل شيء موجود، لكن المقعد ينظر إليك وكأنه موظف هجرة في مطار ويسألك: «هل لديك اشتراك؟». تقول له: «لكنني اشتريت السيارة». فيجيبك: «نعم، لكنك لم تشترِ الدفء». قد تبدو المسألة نكتة ممتازة، لكنها تصبح أقل طرافة عندما ندرك أن المنطق نفسه يمكن أن يمتد إلى وظائف أخرى، بحيث لا تعود السيارة مجرد سيارة اشتريتها وانتهى الأمر، بل منصة رقمية تبيعك السيارة أولًا، ثم تبيعك إمكاناتها بالتقسيط الشهري. وسيقول لك أحدهم: إذا كنت قادرًا على دفع 150 ألف جنيه إسترليني لشراء سيارة فاخرة، فما المشكلة في أن تدفع 15 جنيهًا إضافية كل شهر مقابل تدفئة المقاعد؟ وسأقول له إن المشكلة ليست في الـ15 جنيهًا أصلًا، ولا علاقة لها بقدرتي على الدفع، وإنما هي مسألة مبدأ. والله لن أدفعها حتى لو كانت 15 جنيهًا سودانيًا لا إسترلينيًا، لأنني لا أريد أن أشتري شيئًا ثم أكتشف أن جزءًا منه لا يزال مملوكًا للشركة التي باعته لي، ولا أريد أن أشتري السيارة ثم أبدأ بالتفاوض معها كي تسمح لي باستخدام وظيفة موجودة أصلًا داخلها. أنا أريد أن أشتري السيارة، لا أن أشتري حق التفاوض معها. وهذه ربما هي النقطة التي تجعل الأمر أكثر أهمية من مجرد مبلغ صغير يظهر في كشف الحساب المصرفي ثم يختفي. المشكلة أن الرأسمالية الحديثة اكتشفت أن أفضل طريقة لجني المال ليست