علمت «البوست» من مصادر اقتصادية متابعة أن أصحاب معمل فرز النفايات في صيدا، (السعوديون)، قد ضاقوا ذرعًا بالطريقة التي تتعامل بها معهم السلطات اللبنانية على مختلف المستويات، ولا سيما المالية والقضائية. ونُقل عن أصحاب الشركة أسفهم للطريقة التي تتعامل بها معهم بعض الجهات اللبنانية، ولا سيما الصيداوية، على الرغم مما قدّموه للحؤول دون إقفال هذا المرفق الحيوي، الذي يؤثر بصورة مباشرة وخطيرة في حياة الناس. وعُلم، في هذا السياق، أن هناك توجّهًا وبحثًا جديًّا لدى المعنيين لنقل المعمل، كما هو، إلى سوريا، ولا سيما أن جهات سورية عدة أبدت اهتمامها بتركيبه هناك ومباشرة العمل على الأراضي السورية، في ظل حاجة البلاد، في هذا الوقت تحديدًا، إلى مثل هذه المعامل. ومن المتوقع أن يؤدي استمرار التعامل بهذه الطريقة مع المعمل والشركة المشغّلة له إلى إقفال أبوابه عاجلًا أم آجلًا، وتفجّر مشكلة عودة النفايات إلى الشوارع بصورة لا تحتملها صيدا وجوارها. أما أغرب ما في الأمر، فهو أن هناك عدد من الأشخاص الذين يصرخون منذ سنوات ضد المعمل وطريقة عمله، هم أنفسهم مَن طالبوه بعدم إقفال أبوابه، باعتباره شأنًا عامًا لا خاصًّا، في صورة أقل ما يقال فيها إنها، إن لم تكن نفاقًا سياسيًّا فارغًا، فهي “انفصام” في “شخصيات عجاف”.
يبدو أن الذاكرة الميليشياوية المريضة لا تزال حاضرة في سلوك رئيس بلدية الهلالية (بلدة واقعة شرق مدينة صيدا)، رغم مرور عقود على انتهاء الحرب الأهلية وما حملته من صور وممارسات يُفترض أن تكون قد أصبحت من الماضي. فبحسب مصادر محلية مطّلعة أكدت ل”البوست”، لا يفارق المسدّس الحربي خصر رئيس البلدية ميشال أبو زيد، الذي سبق أن انتمى إلى جماعة «النمور» في حزب الوطنيين الأحرار، بل إن احتضانه للسلاح بات أكثر لفتًا للانتباه منذ انتخابه رئيسًا للبلدية. وتشير المصادر إلى أن عددًا من المواطنين، ولا سيما من أبناء صيدا، أبدوا انزعاجهم من الظهور المتكرر العلني لهذا السلاح، بما لا ينسجم مع موقع بلدي يُفترض أن يعكس صورة الدولة والقانون والمؤسسات. وبحسب الشهادات نفسها، وصل الأمر في بعض اللقاءات إلى وضع المسدّس على الطاولة أمام الزوّار في مشهد مقيت ومستفز. فهل وزارة الداخلية والبلديات على علم بهذا الأمر؟ وكيف سيتصرف محافظ الجنوب الذي فاض قلبه بتجاوزات أبو زيد التي لا تنتهى؟
ما هكذا يكون ردّ الجميل، يا وزير الصحة. فصيدا، التي فتحت أبوابها وقلوب أهلها للنازحين ولا تزال، لا يجوز أن تُعامَل هي ومؤسساتها بهذه الطريقة السيئة. ليس المستشفى التركي في المدينة من «كوكب آخر»، بل هو صرح طبي وصحي مميّز، يحاول القائمون عليه المحافظة عليه برموش العين، فلماذا يُحرم من أبسط حقوقه ومستحقاته؟ هل تعلم أنك ستقوم خلال يومين بما عجزت إسرائيل عن القيام به بحق المرضى اللبنانيين، من خلال ممارساتك وممارسات وزير المال، وأنتما اللذان تنتميان إلى «بيئة» احتضنتها صيدا في أحلك الظروف وأصعبها؟ فتردّان لها المعروف بحرمان المستشفى من أمواله اللازمة لشراء مادة المازوت، لتتوقف ماكينات تشغيل الأكسجين للمرضى، فتقتلوهم اختناقًا، تمامًا كما فعل الإسرائيليون في مستشفيات غزة. صيدا ليست مكسَر عصا، بل تستحق التبريك والتبجيل لما قامت به، حتى على حساب أهلها. ولا يجب السكوت على معاملة صرح بدأ يشق طريقه بصعوبة وثبات بهذه الطريقة، فيُحرم موظفوه من رواتبهم منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وتضطر إدارة المستشفى إلى التسوّل للحصول على بضعة ليترات من المازوت، كي تبقى ماكينات ضخّ الحياة عاملة، وكذلك لتأمين أكياس المصل… ليس أي مستشفى في الجنوب أو البقاع أو الضاحية، أو في أي مكان، أولى من المستشفى التركي. وما ينطبق على غيره من المستشفيات الحكومية ينطبق عليه، وإلا فستكون مسؤولية الطامّة في قابل الأيام في رقاب مَن استهانوا، واستكثروا، وتعاملوا بخفّة مع حياة الناس وكرامة مدينة وتضحيات أهلها… ويبقى السؤال المتجدّد والمملّ نفسه مع كل استحقاق كهذا: أين سياسيو المدينة وفاعلياتها وقواها الفاعلة ممّا يحصل؟