ليس السؤال اليوم ما الذي يجري في بلديّة صيدا، بل ما الذي يُراد لها أن تكونه. فبين ضجيج المداهمات، وتسريبات التحقيقات، والعروض الأمنيّة التي بدت أقرب إلى مشهدٍ استعراضيٍّ منها إلى إجراءٍ روتيني، وجدت المدينة نفسها فجأةً في قلب روايةٍ بوليسيّةٍ بنهايةٍ باهتة، لا تليق بمكانتها ولا بحجمها. في الظاهر، قد تبدو القضيّة مجرّد مخالفةٍ ماليّةٍ محدودة، لا يتجاوز سقفها 10 آلاف دولار. أمّا في العمق، فالمسألة تتجاوز الأرقام بكثير، لتطال صورة المؤسّسات وهيبتها، وحدود التوازن بين تطبيق القانون وتحويله إلى مشهد قوّة. فالمدن لا تُحرجها الأخطاء بقدر ما يُحرجها الإخراج. ليس ما حدث تفصيلًا إداريًا عابرًا يمكن احتواؤه ببيانٍ توضيحي، ولا هو حدثٌ بريءٌ تُفسّره صدف العمل العام. فحين تُداهم إدارةٌ عامّةٌ في وضح النهار بهذا القدر من الاستنفار، بسبب موظّفةٍ واحدةٍ وفارقٍ ماليٍّ محدود، يصبح السؤال مشروعًا: هل كان الهدف تصويب الخلل… أم صناعة المشهد؟ الأخطر أنّ هذا المشهد جاء في بلدٍ اعتاد مواطنوه رؤية ملفاتٍ أكبر بكثير تنام في الأدراج، وفسادٍ أفدح لا تُفتح له الأبواب الموصدة، ومرتكبين لا تُكسر عليهم الأقفال. عندها، لا يعود الشكل تفصيلًا؛ لأنّ العدالة، لكي تُقنع، لا يكفي أن تكون عادلة، بل يجب أن تبدو كذلك أيضًا. التحقيق، الذي انطلق قبل أشهر بطلبٍ من رئيس البلديّة نفسه، كان يفترض أن يسلك مساره الطبيعي بهدوء المؤسّسات. لكنّ “الاستفاقة المفاجئة” قبل ساعات من إغلاف الملف، على إيقاع المداهمة طرحت أكثر من علامة استفهام حول التوقيت والدوافع، خصوصًا أنّ تحويل ملفٍ إداريٍّ إلى حدثٍ أمنيٍّ صاخب لا يمرّ عادةً بلا رسائل. ليست المسألة مجرّد فسادٍ تتمّ محاربته، بل المسألة استخفافٌ تامٌّ بفريقٍ لم يُثبت حضوره والمكانة التي يحتلّها، يُضاف إليها “نسناتٌ” ولاديّةٌ رخيصة تُظهر بأنّ “دود الخلّ منّو وفيه”. ليست المقارنة هنا ترفًا. فمنذ أسابيع قليلة فقط، سمع اللبنانيّون بتوقيف مختار بلدة الهلاليّة وعددٍ من أعضاء مجلسها البلدي السابق بتهم فسادٍ ورشى تراكمت لسنوات. ومع ذلك، لم تُسجَّل مشاهد استنفارٍ مماثلة، ولم تتحوّل البلديّة هناك إلى مسرحٍ للسيّارات الداكنة والزجاج المظلّل. لماذا هنا إذًا؟ السؤال ليس دفاعًا عن خطأ، ولا تبريرًا لمخالفة، بل دفاعٌ عن معيارٍ واحد لا يتبدّل بتبدّل الجغرافيا أو الأحجام. فانتقائيّة المشهد تُضعف القانون أكثر ممّا تحميه، وتزرع في الوعي العامّ شكًّا لا تحتاجه أيّ دولةٍ تحترم مؤسّساتها. المشكلة، في جوهرها، ليست في شبهة فسادٍ يُفترض أن تُواجَه بلا تردّد، بل في هشاشة الهيبة التي تسمح بتحويل مدينةٍ بحجم صيدا إلى منصّة استعراض. فالهيبة لا تُداهم… الهيبة تُمارَس. وهي لا تُبنى بتحالفاتٍ ظرفيّةٍ ولا بصناديق اقتراعٍ مُروَّضة، بل بقدرة المؤسّسة على فرض احترامها قبل المطالبة به. حين تغيب هذه القدرة، تتكاثر محاولات “التمرجل”، ويصبح الكلام الحقّ مادّةً لرسائل يراد بها ما هو أبعد من الحقيقة نفسها. صيدا، التي قُدِّمت طويلًا بوصفها عاصمة الاعتدال وواجهة الجنوب، أكبر من أن تُختزل في حادثة، وأثقل وزنًا من أن تتحمّل عبء رسائل أمنيّة أو حساباتٍ سياسيّة عابرة. فالمدن الكبرى لا تُقاس بحجم الضوضاء التي تدور فيها، بل بقدرتها على حماية صورتها من الاهتزاز. ما جرى، لا يجب أن يُقرأ كواقعةٍ إداريّةٍ فحسب، بل كاختبارٍ دقيق لميزان السلطة: أين ينتهي تطبيق القانون، وأين يبدأ استعراضه؟ فحين يسبق المشهدُ المؤسّسة، ويعلو الضجيجُ على الحقيقة، يصبح الخلل أعمق من ملفٍّ أو موظّف، يصبح خللًا في طريقة إدارة الوزن العام. السؤال الذي سيبقى مفتوحًا، هل شهدت صيدا تطبيقًا صارمًا للقانون فعلًا… أم عرضَ قوّةٍ في المكان الخطأ؟ الأكثر لفتًا لم يكن ما جرى فحسب، بل الصمت الذي أعقبه. فلا بيانات صدرت عن نائب أو فاعليات وقوى سياسية واجتماعية وفكرية، ولا مواقف سُمعت، ولا اعتراضات كُسرت بها رتابة المشهد. كأنّ ما حدث مرّ بلا وزنٍ سياسي، أو كأنّ المدينة تُركت وحيدةً تفسّر لنفسها ما جرى فيها.
لم يعد ملفّ «الفارق» المالي في بلديّة صيدا تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل تحوّل إلى اختبارٍ مباشر لشفافيّة الإدارة البلديّة وقدرتها على تحمّل المسؤوليّة السياسيّة والرقابيّة. فمنذ أكثر من شهرين، أوعز رئيسُ بلديّةِ صيدا مصطفى حجازي إلى الجهاتِ المعنيّة بتوسيعِ التدقيقِ والتحقيق، على خلفيّةِ اكتشاف فارقٍ غيرِ مطابق في الصندوقِ الماليّ للبلديّة بين المبالغِ والجبايات، في واحدةٍ من أكثرِ الدوائر حساسيّةً وخطورة. بحسب ما أظهرته التحقيقات، جرى تحميلُ إحدى الموظّفات مسؤوليّةَ هذا الفارق. وخلال المواجهة معها، عرضتِ الموظّفةُ بيعَ سيّارتها لتعويضِ المبلغِ المفقود، في خطوةٍ تعكس حجمَ الإرباكِ الذي أصاب الملف، ما استدعى توقيفَها إثرَ مداهمةٍ “عاديّةٍ” لمبنى البلديّة حصلت أمس، بعلمِ رئيسِ البلديّة وتنسيقٍ معه من قبلِ الجهازِ الأمنيّ المولجِ بالمهمّة. مع الإشارة إلى أنّه جرى تخلية سبيلها بعد ساعاتٍ قليلةٍ من توقيفها، ومنعِها من السفر. الخطيرَ في القضيّة، لا يكمن فقط في قيمةِ المبلغِ المفقود، الذي لا يزيد على 10,000 دولار (950 مليون ليرة)، بل في الأسئلةِ التي يفتحها هذا الملف حول آليّاتِ الرقابةِ الداخليّة، ومن يتحمّلُ المسؤوليّةَ السياسيّةَ والإداريّةَ قبل تحميلها لموظّفٍ واحد. تشير معلوماتُ صحيفةِ «البوست» إلى أنّ رئيسَ البلديّة حاول، بعد شيوعِ الخبر وحصولِ المداهمة، لملمةَ الملف واحتواءَ تداعياته، وسط تداولٍ بإحتمال لفلفته في القادم من الأيام تحت عناوين «الأسبابِ الصحيّةِ والنفسيّةِ المخفّفة»، في مقاربةٍ تطرح علاماتِ استفهامٍ كبرى حول ما إذا كانت القضيّة ستُعالج كخطأٍ فرديّ، أم كخللٍ بنيويٍّ في إدارةِ المالِ العامّ يستوجب محاسبةً أوسعَ وأوضح.
لم يَعُد الجدلُ الدائرُ حول وكالةِ غوثِ وتشغيلِ اللاجئينَ الفلسطينيّين (الأونروا) محصورًا في أرقامِ العجزِ الماليّ أو كفاءةِ الإدارة، بل بات يعكسُ تحوّلًا أعمقَ في المقاربةِ الدوليّةِ للقضيّةِ الفلسطينيّةِ نفسها. ما يجري اليوم داخلَ الوكالة لا يبدو مجرّدَ إعادةِ تنظيمٍ بيروقراطيّة، بل أقربَ إلى عمليّةِ إعادةِ هندسةٍ سياسيّة، تنتهي عمليًّا بتقليصِ دورِها، ثم تفكيكِها تدريجيًّا، ثم تذويبِ وظيفتِها التاريخيّة ضمن ترتيباتٍ بديلةٍ أقلَّ ارتباطًا بالحقوقِ السياسيّةِ للاجئين. إيان مارتن في خلفيّةِ هذا المسار يبرزُ اسمُ الخبيرِ الأمميّ البريطانيّ إيان مارتن، الذي ارتبط في تجاربَ سابقةٍ بصياغةِ استراتيجيّاتِ انتقالٍ مؤسّسيّ في دولٍ ومناطقَ خارجةٍ من النزاعات، مثل ليبيا ونيبال وتيمور الشرقيّة.مارتن ليس مجرّدَ إداريٍّ تقنيّ، بل مهندسٌ لتحوّلاتٍ مؤسّسيّة غالبًا ما تبدأُ بشعارِ «الإصلاح»، وتنتهي بإعادةِ توزيعِ الصلاحيّات على سلطاتٍ محليّة أو ائتلافاتٍ دوليّةٍ بديلة، بما يُقلّل من حضورِ المؤسّساتِ الأمميّةِ المركزيّة. جوهرُ المقاربةِ التي يُعتقد أنّها تُطبَّق في حالةِ الأونروا يتمثّل في الانتقال من نموذجِ التشغيلِ المباشرِ للخدمات إلى نموذجِ الإشرافِ والتنسيق. في هذا الإطار، لم تَعُد الوكالةُ مطالَبةً بإدارةِ المدارسِ والمستشفياتِ والمراكزِ الصحيّة بنفسها، بل تتحوّلُ تدريجيًّا إلى جهةٍ تُنسّقُ بين أطرافٍ أخرى تتولّى التنفيذ، سواء كانت حكوماتٍ مضيفة، أو منظّماتٍ دوليّة، أو جهاتٍ غير حكوميّة، أو حتّى شركاتٍ خاصّة. هذا التحوّل لا يمسُّ البنيةَ الإداريّة فقط، بل يطالُ جوهرَ التفويضِ السياسيّ للأونروا. فالوكالةُ لم تُنشأ أصلًا كمجرّدِ مؤسّسةِ خدماتٍ اجتماعيّة، بل ككيانٍ دوليٍّ يُجسِّدُ اعترافًا مستمرًّا بمسؤوليّةِ المجتمعِ الدوليّ تجاه قضيّةِ اللاجئينَ الفلسطينيّين وحقّهم غيرَ القابلِ للتصرّف. تقليصُ دورِها إلى مجرّدِ «مُنسّق» يعني عمليًّا تفريغَها من ثقلِها السياسيّ والرمزيّ، وتحويلَها من شاهدٍ على قضيّةٍ تاريخيّة إلى مكتبٍ إداريٍّ محدودِ التأثير. لن يُحسَمَ مستقبلُ هذا المسار في مكاتبِ الخبراء أو غرفِ المانحين، بل في موقفِ الشارعِ الفلسطينيّ نفسه. فإذا جرى فهمُ هذه التحوّلات على أنّها جزءٌ من مشروعٍ أوسع لتصفيةِ القضيّة تحت غطاءٍ إنسانيّ خصخصةٌ مُقنَّعة على الأرض، تتجسّدُ هذه التحوّلات عبر سلسلةِ خطواتٍ تبدو تقنيّةً في ظاهرِها، لكنّها تحملُ آثارًا استراتيجيّةً بعيدةَ المدى. إذ يجري نقلُ إدارةِ بعضِ الخدماتِ الصحيّةِ والتعليميّة إلى منظّماتٍ غيرِ حكوميّة، في إطارِ ما يمكن وصفُه بخصخصةٍ مُقنَّعة، كما يُشجَّعُ اللاجئون على الاعتمادِ المتزايدِ على مؤسّساتِ الدولِ المضيفة أو جهاتٍ دوليّةٍ أخرى، في عمليّةِ دمجٍ خدميّ تُقلّصُ حضورَ الأونروا تدريجيًّا. وفي مراحلَ أكثرَ تقدّمًا، يُطرَحُ نقلُ الكادرِ الوظيفيّ من مظلّةِ الوكالة إلى مؤسّساتٍ بديلة، ما يُفرغُها من رأسِ مالِها البشريّ والمؤسّسيّ، ويُمهِّدُ لتقليصِ دورِها بشكلٍ شبهِ نهائيّ. القلقُ الحقيقيّ لا يرتبطُ بمستوى الخدمات وحده، بل بالمعنى السياسيّ الأوسعِ لما يحدث. فالأونروا ليست مجرّدَ مؤسّسةٍ إنسانيّة؛ إنّها أحدُ الأعمدةِ الرمزيّة التي تحفظُ البُعدَ الدوليّ لقضيّةِ اللاجئينَ الفلسطينيّين. تفكيكُها، أو تحييدُها، يعني عمليًّا نقلَ القضيّة من كونِها مسؤوليّةً دوليّةً قانونيّة إلى ملفٍّ إنسانيٍّ محلّيّ، يمكن التعاملُ معه بوصفِه أزمةَ خدماتٍ لا قضيّةَ حقوقٍ تاريخيّة. إطارٌ منزوعُ السياسة في هذا السياق، تبدو عمليّةُ تقليصِ دورِ الأونروا كخطوةٍ نحو رفعِ العبءِ عن المجتمعِ الدوليّ، وإعادةِ تعريفِ القضيّةِ الفلسطينيّة ضمن إطارٍ إنسانيٍّ منزوعِ السياسة، ما يُهدّدُ بتآكُلِ مركزيّةِ حقّ العودة وتحويلِه إلى مطلبٍ مؤجَّلٍ أو هامشيٍّ في الخطابِ الدوليّ. في المقابل، تُسوّقُ إدارةُ الوكالةِ هذه التحوّلات باعتبارِها استجابةً اضطراريّةً لأزمةِ التمويل، ووسيلةً للحفاظِ على استمراريّةِ الخدمات في ظلّ تراجعِ التزاماتِ الدولِ المانحة. غير أنّ الفارقَ بين إنقاذٍ تقنيٍّ مؤقّت وإعادةِ تموضعٍ سياسيٍّ طويلِ الأمد يظلّ سؤالًا مفتوحًا، خصوصًا في ظلّ غيابِ ضماناتٍ واضحة بأنّ هذه التغييرات لن تُمهِّدَ لإنهاءِ التفويضِ الدوليّ للوكالة مستقبلًا. ليس انهيارًا مفاجئًا تتقاطعُ هذه التحوّلات مع نماذجَ جديدةٍ لإدارةِ العملِ الإنسانيّ في غزّة، حيث تُقرأُ المبادراتُ الإماراتيّة في مجالي التعليم والصحّة، بما في ذلك المستشفياتُ الميدانيّة والبرامجُ التعليميّة البديلة، بوصفِها تجربةً عمليّةً لما قد يكون عليه «اليوم التالي» بعد تراجعِ دورِ الأونروا. ورغم الطابعِ الإنسانيّ لهذه المبادرات، فإنّها تُفهَمُ سياسيًّا على أنّها تدريبٌ على إدارةِ الخدمات خارجَ إطارِ الأممِ المتّحدة، وإعدادُ بدائلَ مؤسّسيّةٍ يمكن أن تحلَّ محلَّ الوكالة في حال جرى تقليصُ دورِها رسميًّا. بهذا المعنى، فإنّ ما يحدث ليس انهيارًا مفاجئًا للأونروا، بل تفكيكًا ناعمًا لمركزيّتِها، واستبدالَها بشبكةٍ متعدّدةِ الأطراف تُخرجُها من موقعِ المنفّذِ الرئيسيّ إلى موقعِ المراقب أو المُنسّقِ الهامشيّ، وهو ما يتقاطعُ بشكلٍ لافتٍ مع التصوّرات التي نظّر لها إيان مارتن حول «المرونةِ المؤسّسيّة» في البيئاتِ المأزومة. في النهاية، لن يُحسَمَ مستقبلُ هذا المسار في مكاتبِ الخبراء أو غرفِ المانحين، بل في موقفِ الشارعِ الفلسطينيّ نفسه. فإذا جرى فهمُ هذه التحوّلات على أنّها جزءٌ من مشروعٍ أوسع لتصفيةِ القضيّة تحت غطاءٍ إنسانيّ، فإنّ أيَّ تحسّنٍ في كفاءةِ الخدمات لن يكون كافيًا لكسبِ الشرعيّةِ الشعبيّة. أمّا إذا طُرحت البدائلُ ضمن إطارٍ يحفظُ الحقوقَ السياسيّة والرمزيّة للاجئين، فقد يُفتحُ بابٌ لنقاشٍ مختلف. لكنّ المؤشّراتِ الحاليّة توحي بأنّ المعركةَ ليست إداريّةً بقدرِ ما هي سياسيّةٌ ورمزيّة، وأنّ السؤالَ الحقيقيّ لم يَعُد كيف ستُدارُ الخدمات، بل ما إذا كانت القضيّةُ الفلسطينيّة ستظلُّ قضيّةَ حقوقٍ دوليّة، أم ستُعادُ صياغتُها كملفٍّ إنسانيٍّ منزوعِ البُعدِ السياسيّ.