لم يبدأ يوم السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى أمس من القاعات الرسمية ولا من البيانات الدبلوماسية، بل من ذاكرة شخصية عند “سنسول” مرفأ بيروت. هناك، وأثناء جولته التفقدية في المرفأ أمس، توقّف لحظة ليقول لمدير عام المرفأ مروان نفّي: «هنا، في مطلع شبابي عام 1970، كنت أقف قبل سفري إلى الولايات المتحدة، أمضي ساعات طويلة في صيد السمك». لقطة قصيرة، لكنها كاشفة. في مكان يُختزل غالبًا بلغة الأرقام والسيادة والملفات الحساسة، عاد المرفأ ليظهر كمساحة ذاكرة قبل أن يكون منشأة استراتيجية. من هذه اللحظة الإنسانية، انطلقت زيارة السفير، التي حملت في جدولها عناوين سياسية واقتصادية وأمنية، لكنها افتُتحت بحكاية شخصية تختصر علاقة قديمة ببيروت، سبقت المنصب والدبلوماسية والتمثيل الرسمي.
علمت جريدة «البوست» من مصادر محلية مطّلعة أنّ شخصية سياسية–اقتصادية نافذة في منطقة جزين دخلت في اتصالات غير معلنة مع شخصية صيداوية ذات طابع تقني، في مسعى لبحث إمكانية تحويل كسارة أحجار متوقفة عن العمل منذ فترة إلى مطمر لنفايات بلدات قضاء جزين، في خطوة توصف بأنها حلّ اضطراري لمعالجة أزمة النفايات المستجدّة. وبحسب المعلومات، يأتي هذا التحرّك على وقع التصعيد البلدي الأخير بعد قرار بلدية صيدا رفض استقبال نفايات قضاء جزين في معمل معالجة النفايات في المدينة، ما أدخل الملف في مرحلة توتر سياسي–مناطقي، وفتح الباب أمام خيارات ميدانية سريعة قد تتجاوز الاعتبارات البيئية. وتشير المصادر إلى أنّ إعادة طرح الكسارات كمطامر محتملة يعكس حالة إرباك رسمي وعجز حكومي عن تقديم حلول مركزية، في مقابل اندفاع قوى سياسية–اقتصادية للبحث عن مخارج عملية تُخفّف الضغط الآني، ولو على حساب السلامة البيئية أو اعتراضات المجتمعات المحلية. في موازاة هذه التحرّكات، عُقد اجتماع قبل يومين ضمّ وزيرة البيئة تمارا الزين ورئيس بلدية صيدا وعددًا من رؤساء بلديات قضاء جزين، انتهى إلى وعد من الوزيرة بإدراج بند إيجاد مطمر لنفايات القضاء على جدول أعمال مجلس الوزراء، تفاديًا لانفجار الأزمة وتداعياتها السياسية والشعبية. غير أنّ مصادر «البوست» حذّرت في ظل حساسية ملف المطامر وسوابق الاعتراضات الشعبية عليه، تُطرح تساؤلات جدّية حول ما إذا كانت أزمة نفايات جزين تتّجه نحو حلّ منظّم وشفاف، أم نحو تسوية موضعية عالية المخاطر قد تنقل الأزمة من بعدٍ خدمي إلى اشتباك بيئي–سياسي مفتوح.