حالُ الانتخاباتِ النيابيةِ المرتقبةِ في لبنان بات يُشبِهُ حالَ “الحملِ السِّريّ”. لا أحدَ يعلمُ إنْ كان حاصلًا أم لا، على الرغمِ من شعورِ الجميعِ به. يبتسمُ مصدرٌ دبلوماسيٌّ رفيعٌ في حديثِه لصحيفةِ “البوست” عند سؤالِه عن الانتخاباتِ النيابيةِ المقبلة، ويقول “هل أنتَ فعلًا مُقتنعٌ أنَّ الانتخاباتِ ستُجرى في موعدِها؟ لقد طارتِ الانتخابات. الحدثُ الإقليميُّ متقدّمٌ اليوم على أيّ حدثٍ محلّي لبناني. الأمورُ صعبةٌ ومعقّدةٌ مع الجانبِ الإسرائيليِّ، وحتّى الأميركيِّ، حيالَ لبنانَ وإيرانَ على حدٍّ سواء”، ويتابع “لا تُغفِلْ ما يجري في اليمن أبدًا”. وبحسبِ المصدرِ المُطَّلع، فإنّه لا يُسجَّل “أيُّ نشاطٍ سعوديٍّ أساسيٍّ لافتٍ حيالَ الحدث الانتخابيِّ اللبنانيِّ المُفترض”، وأنّه “حتّى القوى السياسية اللبنانية بأغلبيّتِها باتت شبهَ مُقتنِعةٍ بأنّه لا انتخاباتٍ نيابيةً في المدى المنظور. وعلى الرغم من تأكيدِ بعضِ هذه القوى والشخصياتِ في كل مناسبةٍ تتاح لهم على أنَّ الانتخاباتِ ستُجرى في موعدِها، إلّا أنّ ذلك ما هو إلّا دليلٌ إضافيٌّ على أنَّ الانتخاباتِ لن تُجرى، أقَلَّه في موعدِها”. وهكذا، تبدو الانتخاباتُ في لبنان أشبهَ بموعدٍ يُحدَّد على الورق ويُلغى في الواقع. كلُّ المؤشّرات تُشير إلى أنَّ القرارَ لم يعُد في بيروت، ولا في أحزابها، ولا في بياناتها اليومية، بل في مكانٍ آخر تمامًا؛ في غرفٍ إقليميةٍ مغلقة، تتقاطع فيها حساباتُ الحرب والسلم، وتُرسم فيها خرائطُ النفوذ قبل خرائطِ الدوائر الانتخابية.وإلى أن يرسو ميزانُ القوى الخارجيّة على اتّجاهٍ واضح، ستبقى البلادُ معلّقةً على حبلٍ رفيع، تُراقب استحقاقًا انتخابيًّا تلاشى قبل أن يولد… واستحقاقًا وطنيًّا أكبر يترنّح معها.
أبدى أحدُ المرشّحينَ “المغمورين” والمحتملين لخوضِ غمارِ الانتخاباتِ النيابيّةِ المقبلة في صيدا، استعدادَهُ لدفعِ مبلغِ مليون دولار أميركيّ بدايةً، و”بالأكياسِ السوداء” التي تُشبهُ تجارتَهُ المريبة، لإحدى القوى السياسيّة النافذة من خارج المدينة، لقاءَ حصولِه على دعمٍ ومباركةٍ تُمهِّدان لتبنّيه مرشّحًا مدعومًا من قِبلها. وأعلنَ الطامحُ “الموهوم” كما علمت صحيفة “البوست” أنّهُ مستعدٌّ لدفعِ مثلِ هذا المبلغ داخل المدينة أيضًا لقوى محلّيّة، إذا ما تمَّ الاتفاقُ معها على تجييرِ أصواتِها لصالحه في حالِ ترشّحه عن المقعدِ السُّنّي في صيدا. ولهذه الغاية، يستخدمُ شبكةً من الوسطاءِ الذين لم يلقَوا حتى الآن أيَّ تجاوبٍ إيجابيٍّ من القوى والمفاتيح الانتخابية التي تمّ استطلاعُ آرائِها، وذلك لعدمِ جدِّيّته وافتقاره لأدنى مقوّمات الخوض في اللعبة السياسيّة بجدارة.
يوماً بعد يوم، تُثبت صيدا أنّها مدينة لا تُشبه أحدًا، لكنها في الوقت نفسه مدينة لا يصنع قرارها من أبنائها فحسب. هنا، السياسة تُدار بالانتظار… انتظار الداخل وانتظار الخارج، وانتظار ما قد يهبط من فوق الطاولة أو من تحتها. يقول مرجع سياسي لبناني “عتيق” لصحيفة “البوست” عندما سُئل عن قراءته للانتخابات النيابية المقبلة في صيدا “لكل المناطق اللبنانية خصوصيتها، لكن في صيدا الأمر مختلف كليًا. الكل ينتظر بعضه… والكل ينتظر الخارج فعليًا، وتحديدا إسرائيل.” ويشرح الرجل”بهية تنتظر سعد، وسعد ينتظر بن زايد، وبن زايد ينتظر بن سلمان… أما أسامة سعد وعبد الرحمن البزري فينتظران بهية، ما يجعل كليهما في نهاية المطاف أسيرًا لانتظار الخارج أيضًا. حتى المرشحون الجدد لا يملكون رفاهية الحركة: ترشّح بهية أو عزوفها قد يُحيي حظوظهم أو يدفنها قبل أن تولد.” ثم يتابع “أضِف إلى ذلك أنّ الجماعة الإسلامية، بما تمثّله في صيدا، باتت تنتظر قرار ترامب التنفيذي بتصنيفها منظمة إرهابية، وما سيخلّفه ذلك من ارتباك على ترشيحاتها وتحالفاتها وخريطتها الانتخابية.” مدينةٌ كاملة تقف على رصيف الانتظار…تنتظر كلمة من الرياض، ونظرة من أبوظبي، وإشارة من واشنطن. أمّا صناديق الاقتراع فليست سوى محطةٍ أخيرة في سباقٍ يحدّد مساره الخارج قبل الداخل.