في صيدا، لم يعد المشهد الصادم هو انقطاع الكهرباء، ولا تهديد النفايات بالعودة إلى الشوارع. المشهد الأكثر صدمة هو أن كل ذلك يحدث… ولا أحد يكترث بما يكفي كي يغضب. أمس، وقف نحو عشرة أشخاص فقط أمام مبنى شركة الكهرباء في المدينة احتجاجًا على واقع كهربائي مزرٍ يطال عشرات آلاف الناس، ويضرب المنازل والمؤسسات والمصالح وجيوب العائلات. عشرة أشخاص فقط، مدينة كاملة تعيش العتمة، وعشرة أشخاص يرفعون الصوت. في أي مجتمع حيّ، كان مشهد كهذا كافيًا لطرح سؤال قاسٍ لا علاقة له بالكهرباء وحدها: ماذا أصاب الناس؟ أي درجة من الاستسلام بلغناها حتى أصبح الحرمان من أبسط مقومات الحياة خبرًا عاديًا؟ المشهد الثاني لم يكن أقل إذلالًا. عمال معمل معالجة النفايات يعتصمون ويرفضون العمل بسبب عدم تقاضي رواتبهم ومستحقاتهم، ما يعني أن أزمة نفايات جديدة قد تقف على باب المدينة، وأن صيدا مهددة مجددًا بأن تدفع من صحتها وبيئتها وشوارعها ثمن عجز الآخرين. وماذا فعلت المدينة؟ لا شيء. لا غضب يوازي الخطر. لا تحرك يوازي حجم الأزمة. لا إحساس بأن ما يحدث يمس كل بيت. هنا لا تصبح الأسئلة فقط، أين البلدية؟ أين النواب؟ أين الدولة؟ أين المسؤولون؟ بل يصبح السؤال الأكثر إحراجًا: أين الصيداويون أنفسهم؟ لو نُشر إعلان على مواقع التواصل الاجتماعي عن توزيع صندوق خضار بقيمة خمسة دولارات، لرأيت الطوابير قبل الموعد، والاتصالات والرسائل والاستفسارات، وربما التدافع للحصول على الحصة. خمسة دولارات قد تحشد الناس. أما الكهرباء والمياه والنظافة والصحة والكرامة فلا تحشدهم. لقد تحوّل جزء من مجتمعنا من مجتمع يطالب بحقوقه، إلى مجتمع ينتظر حصته. من مواطن يريد دولة، إلى مواطن ينتظر مساعدة. من شخص يسأل «ما حقي؟»، إلى شخص يسأل: «ماذا سيوزعون اليوم؟». هذا التحول أخطر من انقطاع الكهرباء، وأقذر من أكياس النفايات. لأن المسؤول الفاشل يمكن تغييره، والإدارة السيئة يمكن إصلاحها. أما المجتمع الذي يفقد قدرته على الغضب، ويتعوّد الذل، ويصبح مستعدًا لتحمّل كل شيء ما دام قادرًا على تدبير يومه، فذلك مجتمع يهزم نفسه بنفسه. الأعذار جاهزة، الناس يائسة، فقدت الثقة، تعبت من الأحزاب، قرفت من السياسة، تعتقد أن الاعتراض لا يغيّر شيئًا. كل ذلك قد يكون مفهوماً، لكن ماذا فعل الصمت؟ هل أعاد الكهرباء؟ هل أصلح المياه؟ هل منع أزمة النفايات؟ هل جعل المسؤول أكثر خوفًا أو احترامًا للناس؟ على العكس تماماً، كلما صمت المواطن أكثر، اطمأن المسؤول أكثر، وكلما اعتاد الناس الإهانة، أصبح تقديم الإهانة إليهم أسهل. الحقيقة التي قد لا يحب كثيرون سماعها هي أن الصيداوي ليس دائمًا ضحية فقط. أحيانًا، هو شريك في صناعة عجزه. شريك حين يشتكي سرًا ويصمت علنًا. شريك حين يلعن المسؤول في منزله ثم يمر من أمام الاعتصام ولا يقف. شريك حين ينتظر التغيير من السياسي، والنائب، والبلدية، والدولة، والجمعيات، والدول المانحة… من الجميع إلا من نفسه. لا توجد مدينة في العالم أنقذها أهلها وهم نائمون. ولا سلطة تخاف شعبًا لا يحتج. ولا مسؤول يحسب ألف حساب لمواطن لا يفعل شيئًا سوى كتابة تعليق غاضب على «فيسبوك». قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ». صيدا اليوم بحاجة إلى أن تنظر في المرآة قبل أن تنظر إلى قصور المسؤولين. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لمدينة ليس أن تنقطع عنها الكهرباء، ولا أن تتراكم فيها النفايات، ولا حتى أن يحكمها الفاشلون والتافهون. أخطر ما يمكن أن يحدث لها هو أن يفقد أهلها القدرة على الغضب. لماذا تقبل مدينة أن تموت بهذا الصمت يا ترى؟
علمت جريدة «البوست» من مصادر محلية متابعة أنه، من تداعيات الكلام الذي أُثير مؤخرًا بحق ما يحصل من «أمور مريبة» داخل بلدية الهلالية (شرق صيدا)، أدّى ذلك إلى تطيير مشروع كان أحد تجار البناء المعروفين في تلك المحلة قد تكفّل به “كعطية” من جيبه الخاص لصالح البلدية، والمتمثل ببناء قصر بلدي جديد على قطعة أرض تحوم حولها علامات استفهام واجتهادات عديدة. فبحسب عارفين، تمكّنت شخصية صيداوية معروفة تشغل قطعة الأرض المتنازع عليها من النجاح في تعطيل “بلدوزر” المشروع بالطرق القانونية، من دون أن تتمكن من حسم الملف بشكل نهائي بعد، إلا أن “التنبيهات” التي وجّهتها وزارة الداخلية إلى تلك البلدية، والكلام الذي أُثير حول تجاوزات كثيرة في عملها، فتحا العيون على العلاقات المتداخلة بينها وبين أحد أصحاب المولدات المحظيين وتجار البناء، الأمر الذي أدّى إلى تأجيل المشروع برمته، لا إلغائه، بانتظار جلاء الصورة. ويبقى السؤال. ما الذي يدفع بتاجر بناء يصادف أنه صاحب مولد أيضا إلى تقديم “هبة بقيمة مليون دولار” لبناء قصر بلدي لبلدة، في وقت يعجز فيه “البنك الدولي” عن تخصيص مثل هذا المبلغ لمشروع كهذا، في زمن لا شيء مجانيًا فيه!
تتداول مواقع التواصل الاجتماعي تعليقًا منسوبًا إلى أحد الأميركيين، قيل إنه نشره على موقع CNN، يقوم على فكرة تبدو للوهلة الأولى ساخرة، لكنها تختزل واحدة من أكثر المغالطات انتشارًا في النقاش الغربي حول المسلمين والعالم العربي: «المسلمون ليسوا سعداء في غزة ومصر والسعودية وليبيا والمغرب والعراق وإيران وسوريا واليمن وباكستان وأفغانستان، لكنهم سعداء في أستراليا والسويد والولايات المتحدة والنرويج وهولندا والدنمارك». ثم تأتي الخلاصة الأكثر استفزازًا: إنهم لا يلومون قادتهم ولا أنفسهم، بل يلومون الدول غير الإسلامية التي وجدوا فيها السعادة، ويريدون تحويلها إلى نماذج تشبه البلدان التي هربوا منها. المشكلة ليست في أن صاحب التعليق يطرح سؤالًا يستحق النقاش، بل في أنه يقدّم إجابة جاهزة قبل السؤال، ويحوّل ملايين البشر إلى كتلة واحدة، ثم يقيس علاقة معقدة بين الإنسان والدولة والدين والاقتصاد والحرية والأمن بمسطرة واحدة اسمها «الإسلام». والأخطر أن الصيغة المتداولة لا تبدو موثقة بوصفها تصريحًا أصليًا من CNN، إذ تنتشر أساسًا عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي من دون دليل موثوق على أنها مادة صادرة عن الشبكة نفسها. وهذه ليست مسألة هامشية في زمن تتحول فيه جملة مجهولة المصدر إلى «حقيقة» لمجرد إعادة نشرها آلاف المرات. لكن، بعيدًا عن صاحب العبارة ومصدرها، ثمة سؤال أكثر قسوة ينبغي أن نطرحه نحن على أنفسنا: لماذا ينجح عدد كبير من المسلمين والعرب في بناء حياة أفضل عندما ينتقلون إلى دول ذات مؤسسات أكثر استقرارًا، فيما تعجز دولهم عن توفير الحد الأدنى من الأمان والعدالة والفرص؟ هنا يبدأ النقاش الحقيقي؛ لأن المشكلة ليست في المسلم الذي وجد فرصة أفضل خارج بلده، بل في الدولة التي جعلت تلك الفرصة مستحيلة داخله. skip render: ucaddon_material_block_quote ليست المشكلة في الإسلام لو كانت العقيدة الدينية العامل الحاسم في تحديد سعادة الإنسان، لكان من الصعب تفسير وجود دول مسلمة تتقدم في مؤشرات الرفاه والاستقرار، مثل الإمارات والسعودية، اللتين جاءتا في مراتب متقدمة عالميًا في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، بينما جاءت الولايات المتحدة في مرتبة قريبة منهما. وفي المقابل، تتقدم دول غير مسلمة كثيرة، فيما تعاني أخرى ذات غالبية مسيحية أو علمانية من الفقر والحروب والانهيار. لذلك فإن اختزال المسألة في معادلة «مسلم = تعيس» و«غير مسلم = سعيد» ليس تحليلًا، بل تبسيط أيديولوجي لا يصمد أمام الواقع. المسألة، في جوهرها، ليست «مسلمين في مواجهة غير المسلمين»، بل دولة في مواجهة دولة، ومؤسسات في مواجهة مؤسسات، وقانون في مواجهة الفوضى، ومساءلة في مواجهة الإفلات من العقاب، واقتصاد منتج في مواجهة اقتصاد ريعي، ومواطن صاحب حقوق في مواجهة مواطن لا يُراد له إلا أن يكون تابعًا. وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا للأنظمة العربية والإسلامية: لماذا يستطيع الطبيب العربي أن يجد مختبرًا أفضل في أوروبا، والمهندس وظيفة أكثر استقرارًا في أميركا، والطالب جامعة أكثر تنظيمًا في بريطانيا، والعامل حماية قانونية أكبر في أستراليا، ثم يعود إلى بلده ليجد دولة تعجز عن منحه الكهرباء والماء والدواء والعمل والعدالة؟ هل المشكلة في عقيدته، أم في الدولة التي استهلكت الدين سياسيًا ولم تتعلم كيف تبني مؤسسة؟ الغرب لم يجعل المسلمين سعداء لأنه «غير إسلامي»، بل لأن عددًا من دوله استطاع، بدرجات متفاوتة، بناء منظومات تجعل حياة الإنسان أقل اعتمادًا على مزاج الحاكم والطائفة والحزب والزعيم والوسيط. لبنان… المختبر الأكثر فجاجة لعل لبنان هو المثال الأكثر وضوحًا على سقوط هذه الحجة. فهو ليس دولة إسلامية أصلًا، بل بلد متعدد الطوائف والأديان، يعيش فيه المسلم والمسيحي والعلماني والملحد، ويتحدث الجميع عن الحداثة والديمقراطية والتعايش، فيما بقيت الدولة أسيرة نظام سياسي قائم على تقاسم النفوذ والمصالح والولاءات. ومع ذلك، انهار البلد في واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية والمالية، وخسر سعر صرف الليرة القسم الأكبر من قيمته، ودُفعت أعداد ضخمة من اللبنانيين نحو الفقر والهجرة. فهل يمكن وضع ذلك على حساب الإسلام؟ بالطبع لا. المشكلة اللبنانية لم تكن في صلاة اللبناني ولا في طائفته ولا في كتابه الديني، بل في نظام سياسي قائم على المحاصصة والزبائنية، وفي طبقة سياسية حوّلت الدولة إلى مجموعة حصص، والمؤسسات إلى ممرات للمحسوبيات، والاقتصاد إلى شبكة مصالح، والمواطن إلى زبون انتخابي. وقد خلصت تقارير دولية عديدة إلى أن جذور هشاشة لبنان مرتبطة بترتيبات تقاسم السلطة بين النخب، والولاءات الطائفية والرعاية السياسية، وما نتج منها من ضعف الخدمات العامة والفساد وغياب المساءلة وتفاقم عدم المساواة. وهنا يمكن قلب السؤال المتداول رأسًا على عقب: إذا كان المسلم اللبناني يستطيع أن يعيش في لندن أو سيدني أو ستوكهولم وفق القانون نفسه الذي يحمي المسيحي واليهودي والملحد، فلماذا يفشل النظام اللبناني في تأمين الحقوق نفسها له داخل لبنان؟ هذه ليست إدانة للإسلام، بل إدانة للدولة وللطريقة التي أُدير بها البلد، وللنخب التي جعلت الطائفة بديلًا عن المواطنة، والزعيم بديلًا عن المؤسسة، والولاء الشخصي بديلًا عن القانون. لسنا نهرب من أوطاننا بالضرورة… بل من الطريقة التي أُديرت بها أوطاننا لماذا يهاجر الناس؟ المهاجر لا يهرب بالضرورة من دينه، بل من غياب الفرصة والخوف والفساد والحرب وانهيار العملة والمحسوبية، ومن دولة تطلب منه الولاء قبل أن تقدم له حقه. والدليل أن الهجرة لا تسير على أساس ديني بسيط. الناس ينتقلون إلى حيث توجد الفرص، وحيث يستطيعون حماية أطفالهم ومستقبلهم، وحيث يشعرون أن القانون قادر على حمايتهم حتى عندما لا يكونون أصحاب نفوذ. والسؤال الأشد إحراجًا للأنظمة التي تتهم مهاجريها بعدم الولاء هو: لماذا يبقى المهاجر مرتبطًا بوطنه عاطفيًا وماليًا، ويرسل الأموال إليه، ويبني بيتًا فيه، ويموّل أسرته ويستثمر فيه، رغم أنه وجد في الخارج شروطًا أفضل للحياة؟ لأنه لم يهرب من وطنه بالضرورة، بل ربما هرب من الطريقة التي أُدير بها وطنه. السعادة ليست مالًا فقط لكن لا ينبغي الوقوع في المغالطة المعاكسة. فالغرب ليس جنة، وليس كل مسلم يصل إلى أوروبا أو أميركا يصبح سعيدًا تلقائيًا. تقرير السعادة العالمي لا يقيس السعادة بمعنى الابتسامة أو الثراء وحدهما، بل يتقاطع مع عناصر مثل الدعم الاجتماعي، والحرية في اتخاذ القرارات، ومتوسط العمر الصحي، والدخل، والنظرة إلى الفساد. كما يشير إلى تراجع ملحوظ في سعادة الشباب في عدد من الدول الغربية خلال العقود الأخيرة. أي إن النموذج الغربي نفسه ليس بلا عيوب، لكنه يمتلك في عدد من دوله شيئًا بالغ الأهمية: مؤسسات قادرة على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها. الدولة الناجحة ليست التي لا تخطئ، بل التي تسمح للمواطن بأن يقول للحاكم إنه أخطأ، ثم تملك مؤسسات قادرة على محاسبته. أما الدولة الفاشلة فهي التي تقنع المواطن بأن المشكلة دائمًا في الخارج، وفي المؤامرة، والاستعمار، والطائفة الأخرى، والغرب، وإسرائيل، وأميركا، والإعلام، و«الأعداء»؛ أي في كل شيء إلا في المرآة. لبنان لم ينهَر بسبب الغرب لننظر إلى لبنان مجددًا. عندما انهارت المصارف، لم تكن السويد أو الدنمارك من أغرقتا لبنان