لم يَعُد الجدلُ الدائرُ حول وكالةِ غوثِ وتشغيلِ اللاجئينَ الفلسطينيّين (الأونروا) محصورًا في أرقامِ العجزِ الماليّ أو كفاءةِ الإدارة، بل بات يعكسُ تحوّلًا أعمقَ في المقاربةِ الدوليّةِ للقضيّةِ الفلسطينيّةِ نفسها. ما يجري اليوم داخلَ الوكالة لا يبدو مجرّدَ إعادةِ تنظيمٍ بيروقراطيّة، بل أقربَ إلى عمليّةِ إعادةِ هندسةٍ سياسيّة، تنتهي عمليًّا بتقليصِ دورِها، ثم تفكيكِها تدريجيًّا، ثم تذويبِ وظيفتِها التاريخيّة ضمن ترتيباتٍ بديلةٍ أقلَّ ارتباطًا بالحقوقِ السياسيّةِ للاجئين. إيان مارتن في خلفيّةِ هذا المسار يبرزُ اسمُ الخبيرِ الأمميّ البريطانيّ إيان مارتن، الذي ارتبط في تجاربَ سابقةٍ بصياغةِ استراتيجيّاتِ انتقالٍ مؤسّسيّ في دولٍ ومناطقَ خارجةٍ من النزاعات، مثل ليبيا ونيبال وتيمور الشرقيّة.مارتن ليس مجرّدَ إداريٍّ تقنيّ، بل مهندسٌ لتحوّلاتٍ مؤسّسيّة غالبًا ما تبدأُ بشعارِ «الإصلاح»، وتنتهي بإعادةِ توزيعِ الصلاحيّات على سلطاتٍ محليّة أو ائتلافاتٍ دوليّةٍ بديلة، بما يُقلّل من حضورِ المؤسّساتِ الأمميّةِ المركزيّة. جوهرُ المقاربةِ التي يُعتقد أنّها تُطبَّق في حالةِ الأونروا يتمثّل في الانتقال من نموذجِ التشغيلِ المباشرِ للخدمات إلى نموذجِ الإشرافِ والتنسيق. في هذا الإطار، لم تَعُد الوكالةُ مطالَبةً بإدارةِ المدارسِ والمستشفياتِ والمراكزِ الصحيّة بنفسها، بل تتحوّلُ تدريجيًّا إلى جهةٍ تُنسّقُ بين أطرافٍ أخرى تتولّى التنفيذ، سواء كانت حكوماتٍ مضيفة، أو منظّماتٍ دوليّة، أو جهاتٍ غير حكوميّة، أو حتّى شركاتٍ خاصّة. هذا التحوّل لا يمسُّ البنيةَ الإداريّة فقط، بل يطالُ جوهرَ التفويضِ السياسيّ للأونروا. فالوكالةُ لم تُنشأ أصلًا كمجرّدِ مؤسّسةِ خدماتٍ اجتماعيّة، بل ككيانٍ دوليٍّ يُجسِّدُ اعترافًا مستمرًّا بمسؤوليّةِ المجتمعِ الدوليّ تجاه قضيّةِ اللاجئينَ الفلسطينيّين وحقّهم غيرَ القابلِ للتصرّف. تقليصُ دورِها إلى مجرّدِ «مُنسّق» يعني عمليًّا تفريغَها من ثقلِها السياسيّ والرمزيّ، وتحويلَها من شاهدٍ على قضيّةٍ تاريخيّة إلى مكتبٍ إداريٍّ محدودِ التأثير. لن يُحسَمَ مستقبلُ هذا المسار في مكاتبِ الخبراء أو غرفِ المانحين، بل في موقفِ الشارعِ الفلسطينيّ نفسه. فإذا جرى فهمُ هذه التحوّلات على أنّها جزءٌ من مشروعٍ أوسع لتصفيةِ القضيّة تحت غطاءٍ إنسانيّ خصخصةٌ مُقنَّعة على الأرض، تتجسّدُ هذه التحوّلات عبر سلسلةِ خطواتٍ تبدو تقنيّةً في ظاهرِها، لكنّها تحملُ آثارًا استراتيجيّةً بعيدةَ المدى. إذ يجري نقلُ إدارةِ بعضِ الخدماتِ الصحيّةِ والتعليميّة إلى منظّماتٍ غيرِ حكوميّة، في إطارِ ما يمكن وصفُه بخصخصةٍ مُقنَّعة، كما يُشجَّعُ اللاجئون على الاعتمادِ المتزايدِ على مؤسّساتِ الدولِ المضيفة أو جهاتٍ دوليّةٍ أخرى، في عمليّةِ دمجٍ خدميّ تُقلّصُ حضورَ الأونروا تدريجيًّا. وفي مراحلَ أكثرَ تقدّمًا، يُطرَحُ نقلُ الكادرِ الوظيفيّ من مظلّةِ الوكالة إلى مؤسّساتٍ بديلة، ما يُفرغُها من رأسِ مالِها البشريّ والمؤسّسيّ، ويُمهِّدُ لتقليصِ دورِها بشكلٍ شبهِ نهائيّ. القلقُ الحقيقيّ لا يرتبطُ بمستوى الخدمات وحده، بل بالمعنى السياسيّ الأوسعِ لما يحدث. فالأونروا ليست مجرّدَ مؤسّسةٍ إنسانيّة؛ إنّها أحدُ الأعمدةِ الرمزيّة التي تحفظُ البُعدَ الدوليّ لقضيّةِ اللاجئينَ الفلسطينيّين. تفكيكُها، أو تحييدُها، يعني عمليًّا نقلَ القضيّة من كونِها مسؤوليّةً دوليّةً قانونيّة إلى ملفٍّ إنسانيٍّ محلّيّ، يمكن التعاملُ معه بوصفِه أزمةَ خدماتٍ لا قضيّةَ حقوقٍ تاريخيّة. إطارٌ منزوعُ السياسة في هذا السياق، تبدو عمليّةُ تقليصِ دورِ الأونروا كخطوةٍ نحو رفعِ العبءِ عن المجتمعِ الدوليّ، وإعادةِ تعريفِ القضيّةِ الفلسطينيّة ضمن إطارٍ إنسانيٍّ منزوعِ السياسة، ما يُهدّدُ بتآكُلِ مركزيّةِ حقّ العودة وتحويلِه إلى مطلبٍ مؤجَّلٍ أو هامشيٍّ في الخطابِ الدوليّ. في المقابل، تُسوّقُ إدارةُ الوكالةِ هذه التحوّلات باعتبارِها استجابةً اضطراريّةً لأزمةِ التمويل، ووسيلةً للحفاظِ على استمراريّةِ الخدمات في ظلّ تراجعِ التزاماتِ الدولِ المانحة. غير أنّ الفارقَ بين إنقاذٍ تقنيٍّ مؤقّت وإعادةِ تموضعٍ سياسيٍّ طويلِ الأمد يظلّ سؤالًا مفتوحًا، خصوصًا في ظلّ غيابِ ضماناتٍ واضحة بأنّ هذه التغييرات لن تُمهِّدَ لإنهاءِ التفويضِ الدوليّ للوكالة مستقبلًا. ليس انهيارًا مفاجئًا تتقاطعُ هذه التحوّلات مع نماذجَ جديدةٍ لإدارةِ العملِ الإنسانيّ في غزّة، حيث تُقرأُ المبادراتُ الإماراتيّة في مجالي التعليم والصحّة، بما في ذلك المستشفياتُ الميدانيّة والبرامجُ التعليميّة البديلة، بوصفِها تجربةً عمليّةً لما قد يكون عليه «اليوم التالي» بعد تراجعِ دورِ الأونروا. ورغم الطابعِ الإنسانيّ لهذه المبادرات، فإنّها تُفهَمُ سياسيًّا على أنّها تدريبٌ على إدارةِ الخدمات خارجَ إطارِ الأممِ المتّحدة، وإعدادُ بدائلَ مؤسّسيّةٍ يمكن أن تحلَّ محلَّ الوكالة في حال جرى تقليصُ دورِها رسميًّا. بهذا المعنى، فإنّ ما يحدث ليس انهيارًا مفاجئًا للأونروا، بل تفكيكًا ناعمًا لمركزيّتِها، واستبدالَها بشبكةٍ متعدّدةِ الأطراف تُخرجُها من موقعِ المنفّذِ الرئيسيّ إلى موقعِ المراقب أو المُنسّقِ الهامشيّ، وهو ما يتقاطعُ بشكلٍ لافتٍ مع التصوّرات التي نظّر لها إيان مارتن حول «المرونةِ المؤسّسيّة» في البيئاتِ المأزومة. في النهاية، لن يُحسَمَ مستقبلُ هذا المسار في مكاتبِ الخبراء أو غرفِ المانحين، بل في موقفِ الشارعِ الفلسطينيّ نفسه. فإذا جرى فهمُ هذه التحوّلات على أنّها جزءٌ من مشروعٍ أوسع لتصفيةِ القضيّة تحت غطاءٍ إنسانيّ، فإنّ أيَّ تحسّنٍ في كفاءةِ الخدمات لن يكون كافيًا لكسبِ الشرعيّةِ الشعبيّة. أمّا إذا طُرحت البدائلُ ضمن إطارٍ يحفظُ الحقوقَ السياسيّة والرمزيّة للاجئين، فقد يُفتحُ بابٌ لنقاشٍ مختلف. لكنّ المؤشّراتِ الحاليّة توحي بأنّ المعركةَ ليست إداريّةً بقدرِ ما هي سياسيّةٌ ورمزيّة، وأنّ السؤالَ الحقيقيّ لم يَعُد كيف ستُدارُ الخدمات، بل ما إذا كانت القضيّةُ الفلسطينيّة ستظلُّ قضيّةَ حقوقٍ دوليّة، أم ستُعادُ صياغتُها كملفٍّ إنسانيٍّ منزوعِ البُعدِ السياسيّ.
وكأنَّه باتَ قدرًا محتومًا أن يعيشَ «علماؤنا» فاقةً مستدامةً منذ أن يقرِّر أحدُهم أن يكونَ رجلَ دين.وكأنَّه حكمٌ مُبرمٌ لا مفرَّ منه أن يعيشَ «الشيخ» حياتَه متحايِلًا على أيّامها، كيف يسدُّ فيها رمقَ عيشه ويكفي نفسَه ومن يعول، حتّى بالحدِّ الأدنى من مقوِّمات عيشٍ لا ترقى إلى راتبِ سائقٍ عند زوجةِ سياسيٍّ فاسد أو مسؤول تافه. إن كان الدِّينُ أغلى مخلوقاتِ الله، كما يُفترض أن يُقِرَّ كلُّ المسلمين ضمنًا وجهرًا، فمن المعيب أن يكونَ حاملُ هذا «المنتَج» العظيم والغالي فقيرًا، بالمعنى المادّي للحياة. بحسب عارفين وخبراء، ومن دون كثيرِ بحثٍ وتدقيق، تكفي عوائد أوقافُ المسلمين السُّنّة لسدِّ حاجةِ كلِّ العاملين المتفرِّغين للشأن الديني والدعوي، بل وأكثر من ذلك، محوُ الفقر عن أكثر من 60٪ من العائلات القابعة تحت خطِّ الفقر في لبنان اليوم. لكنَّ الواقع عكسُ ذلك تمامًا، والسؤال الكبير: لماذا ذلك؟ ولماذا يبقى الحالُ هكذا منذ سنينَ طوال؟ هل يُعقَل، في هذا الزمن الصعب، أن تكون مخصَّصات «إمام مسجد» أقلَّ من سعر وجبة إفطار رمضاني في مطعمٍ في العاصمة؟هل يُعقَل أن يعيشَ من هو مؤتمنٌ على أعظم الأشياء بأقلَّ من شهريّة عاملٍ في محلّ ألبسة في كمبوديا؟ هل صار لزامًا على الشيخ أن يُنظِّم رحلات الحجّ والعمرة كي يختزن بعضًا من الأموال لإدخال أولاده المدرسة، أو معالجة أحدهم إن أصابته وعكةٌ صحيّة أو ألمَّ به طارئ؟ كيف ننتظر من شيخٍ يحمل أمانة الدِّين والدنيا أن يعيش عزيزًا، حرًّا، مرفوع الجبين، وهو ينتظر أن يمنّ عليه الصرّاف الآلي بمكرماتٍ ومعوناتٍ من دول النفط، بشكلٍ موسميّ؟أوقافُنا ملكٌ لنا، وكفى بذلك شهيدًا… لا نحتاج منّةً من خارجٍ ولا من داخل، فعلماؤنا أغلى ما نملك. إن أحسَنّا الظنَّ وألغينا أفكارًا سوداء عن سرقاتٍ ونهبٍ واختلاسات، فإنَّه لا يمكن أن نُفسِّر سببَ الفقرِ المدقع للمؤسَّسات الوقفية السُّنّية في البلد إلّا بسوء الإدارة، وغياب الإبداع، والافتقار إلى الموهبة، والبيروقراطية القاتلة، معطوفةً على لا مسؤوليّةٍ من قبل القيّمين على مال الوقف، وقلّة الدِّين… حين يكونُ الخبيرُ مُعقِّبَ معاملات في صيدا، ومع دخول قانون الإيجارات الجديد حيِّزَ التنفيذ، برزت فرصةٌ نادرة لإعادة النظر في مئات العقود القديمة التي استنزفت أموال الوقف لعقودٍ طويلة. فرصةٌ كان يُفترض أن تُدار بعقلية إصلاحيّة صارمة، وباستعانةٍ بخبرات قانونيّة وشرعيّة وماليّة، وبإشرافٍ مؤسّسيٍّ واضح. ما كان سائدًا من إجحافٍ وإهمالٍ بحقِّ عقودٍ بالمئات، أكلَ عليها الدهرُ وشرب، بات اليوم أمام فرصةِ «حركةٍ تصحيحيّة» تُعيد لأصحاب الحقِّ بعضًا من حقوقهم، أي دائرة الأوقاف، وآلاف المسلمين من خلفها… غير أنّ المعلومات التي حصلت عليها جريدة «البوست» تكشف مسارًا مغايرا كلياً. فبدل إعلان خطّةٍ علميّة، عصرية وشفّافة، أو تشكيل هيئة اختصاصيّة مستقلّة تقوم بتحرير عقود الإيجار القديمة وفق مبدأ المزايدات العلنيّة لتحصيل الأقصى من مال الوقف (دون أن يكون ذلك مُلزِمًا)، جرى تشكيل لجنة من قبل مدير الأوقاف، الذي يُصادف أن يكون هو نفسه مفتيَها، الشيخ سليم سوسان، لإعادة إعداد عقود الإيجار، وُصفت من داخلها بأنّها تفتقر إلى الكفاءة المهنيّة المطلوبة، وتُدار بعقليّة فرديّة أقرب إلى «تسيير الملفات» منها إلى حماية مالٍ عامٍّ ذي طبيعة دينيّة وشرعيّة. فبدل تصحيحِ اعوجاجٍ في مسارٍ طويل، قد نكون أمام تكريسِ «قاعدةٍ شاذّةٍ» قد لا تستقيم في العقود والسنين المقبلة. الأخطر، بحسب المعطيات، أنّ خبير التقييم والبتّ في هذه اللجنة أُنيط بشخصٍ يعمل مُعقِّب معاملات ومرشح “للمخترة”، في وقتٍ تتقاطع فيه مصالحه العمليّة مع الدور التقييمي الذي يؤدّيه داخل دائرة الأوقاف. هذا التداخل لا يطرح فقط سؤال الكفاءة، بل يفتح الباب على مصراعيه أمام شبهة تضارب المصالح، في ملفٍّ يُفترض أن يكون من أكثر الملفات تحصينًا وحساسيّة. في مدينة تعجّ بالمحامين والقضاة وأصحاب الاختصاص، لا يبدو تجاوز هذه الكفاءات صدفةً بريئة. بل يُعيد إلى الواجهة نمطًا مألوفًا في إدارة المرافق العامّة: شخصنة القرار، تهميش الاختصاص، وإفراغ المؤسّسات من أي مضمون رقابيٍّ فعليّ. فأين هم نوّاب المدينة وقواها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة أمام هذا التخلّف والترهّل في عمل الأوقاف المتواصل منذ سنين، ويبدو مكمِّلًا؟ فهل معضلة النفايات أهمّ من ضياع الدِّين في مدينة المساجد والعلماء؟ قانون الإيجارات يكشف المستور: من يفرّط بأوقاف صيدا؟ لم يعد الحديث عن فقر المؤسّسات الدينيّة السُّنّية في لبنان مجرّد توصيفٍ اجتماعيٍّ أو قدرٍ تاريخيٍّ ملازمٍ لـ«حياة الزهد». ما يتكشّف اليوم، بالأرقام والمعطيات، يُشير إلى خللٍ بنيويٍّ عميق في إدارة واحدٍ من أكبر القطاعات الماليّة، العقاريّة غير الخاضعة فعليًا لأي رقابة فعليّة… الأوقاف. أمرٌ لا يمكن السكوت عن الاستمرار به بهذه الخفّة. أسئلة تطلب إجابات من يحمي أموال الأوقاف فعليًا؟ ومن يقرّر كيف تُدار، وبأي منطق، ولمصلحة من؟هل الأوقاف ملكٌ عامٌّ للأمّة، أم دفترُ عقودٍ يُدار بمنطق العلاقات والمحسوبيّات والعلاقات؟ ومن يُحاسب من، حين يكون القرار والرقابة في اليد نفسها؟ الأوقاف ليست «صدقةً جارية» للإدارة، ولا مساحةً رماديّة للهروب من المحاسبة. هي مالٌ عامٌّ محصَّن دينيًا، وأي تفريطٍ به، سواء بسوء إدارة أو بتواطؤٍ صامت، ليس خطأً إداريًا، بل خيانةٌ للأمانة. السؤال لم يعد: لماذا الفقر؟ بل: من المستفيد من بقائه؟ إنّ هذا المالَ دِين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم… في العدد المقبل: عقارات الأوقاف بالمساحات وأسماء الشاغرين
تنظرُ إلى المشهد من بعيد.تخالُ أنّ الجدالَ «المستعر» اليوم يدور في ضواحي فرانكفورت أو طوكيو أو بيرنيهات الهندية. تحزنُ حين تعلم أنّها صيدا. باتت هذه المدينة وموضوعُ النفايات كتوأمٍ سياميٍّ يصعب فصلهما من دون دم. هل يُعقل أن يقبع على طرف المدينة لغزٌ وجوديٌّ لم يستطع أحدٌ من القوى السياسية والأمنية والقضائية والنقابية والجمعيات الأهلية، وحتى العوام، حلَّه منذ أكثر من 20 سنة؟ ماذا نعرف عن المعمل، وأزمات النفايات والكنس والجمع والفرز والعوادم، والكبّ في البحر، وجبال النفايات، و«النكيشة»؟ لا شيء علميًّا أو موثّقًا.كلامٌ للشعبوية، وبناءُ معارك وهمية، واستغلالٌ سياسيّ وماليّ. هل المعمل نعمة أم نقمة؟ ما مدى الصعوبة المتوقَّعة، في عصر الذكاء الاصطناعي، أن نُجيب على هذا السؤال مرّة واحدة وحاسمة؟ أن نعلم ما يجري هناك فعليًّا؟أن نُشخّص المشكلات، ونضع الاستراتيجيات والحلول، ونبدأ بالمعالجة تدريجيًّا للوصول إلى وضعٍ طبيعيٍّ بالحدّ الأدنى؟ كلامٌ، ولو بدا تنظيرًا، إلّا أنّه الحقيقة المُبسّطة. إن وُجدت الإرادة، والقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه ومتابعته بشفافية، وتقديم مصلحة صيدا على ما عداها من حساباتٍ ضيّقة، ومنافع مادية، وأهواء شخصية. حليب سبَاع في المدينة اليوم مشكلةٌ إضافية تنضمّ إلى مجموع المشكلات الكثيرة التي تعانيها أصلًا، والتي تدخل في نطاق العمل المركزي لمجلسها البلدي، وما أكثرها.قبل أيام، اتخذ رئيس البلدية مصطفى حجازي قرارًا «كبيرًا» لم نعهده على هذا النحو سابقًا، بطلبه من معمل النفايات في المدينة التوقّف عن استقبال «زبالة» قرى وبلدات منطقة جزين، بذريعة أنّه يكفي صيدا مشكلاتها مع نفاياتها التي تتكدّس جبالًا على الحوض الشرقي للمتوسط. في الظاهر، يبدو القرار عظيمًا لصالح المدينة وأهلها، بذريعة أنّ صيدا لا يجب أن تكون مكبَّ نفاياتٍ لمحيطها، إلّا أنّه في الحقيقة قرارٌ مجتزأ لا يقدّم حلًّا بقدر ما يُثير مشكلات. بحسب معلومات جريدة «البوست»، فإنّه لا خلفية سياسية للقرار المتّخذ من قبل حجازي، وأنّه لم يُتخذ بشكلٍ مفاجئ كما يُقال، بل جرى إبلاغ البلديات المعنية بهذا التوجّه قبل نحو شهر من نهاية العام الماضي للتحضير، لكنهم لم يحرّكوا ساكنًا حياله.ويُذكَر أنّ رئيس البلدية السابق حازم بديع كان قد اتخذ قرارًا مشابهًا في عام 2024، لكنّه لم يحظَ بهذا اللغط والضجيج اللذين رافقا هذا القرار المستغرَب في التوقيت والمضمون. السؤال الأساسي اليوم لا يكمن في القرار نفسه، بل إلى أيّ مدى يمكن الاستمرار به، وكيف سيتمّ توظيفه سياسيًّا قبيل موسم الانتخابات النيابية بين صيدا وجزين وهل من «المُحرِز» اتخاذ خطوة كهذه لإثارة البلبلة بين صيدا وتوسّعها الجزيني؟ ليست جزين المشكلة فحسب من المؤكّد أنّ صيدا، كمدينةٍ عظيمة، لا يجب أن تكون مزبلةً لأحد، وليس جزين فحسب.المشكلة اليوم ليست في نفايات جزين، التي لا يتعدّى حجمها، بحسب عارفين، ما بين 14 و17 طنًّا يوميًّا، تختلف بحسب المواسم صيفًا وشتاءً، وهي لا تشكّل أكثر من 10% من أصل نحو 240 طنًّا من النفايات التي يعالجها المعمل يوميًّا. فإن كانت لغةُ الأرقام لا تكذب، حتى ولو ندرَت حين يتمّ التعاطي مع أداء هذا المعمل، فإنّ معالجةً حقيقية، بعيدًا عن «الشعبوية» التي لا يُجيدها حتى المجلس البلدي على أصولها، تفترض منع إدخال نفايات بلدات وقرى قضاء الزهراني، الممتدّة من حارة صيدا وصولًا إلى ما بعد مصيلح. عندها فقط يمكن القول إنّ بداية حلّ كثرة أحجام النفايات المعالجة من «الخارج» قد وُضعت على السكة الصحيحة. من دون أن نغفل أنّ مخيّم عين الحلوة وحده يُنتج أكثر من 50 طنًّا من النفايات يوميًّا، ومن واجب «غوتشيرز» (أمين عام الأمم المتحدة) وأثرياء فلسطين المستجدّين معالجتها، لا من واجب حجازي أن يقلق وحده في هذا المجال. جبال من النفايات تتكدس على واجهة المدينة البحرية ما يجري في صيدا ليس أزمة نفايات، بل أزمة قرار مزمنة. المشكلة لا تكمن في أطنانٍ تدخل أو تُمنع، بل في عقلٍ اعتاد إدارة الكارثة بالتجزئة والارتجال، وتقطيع المسؤوليات، والذهاب إلى قرارات سهلة قابلة للتسويق بدل حلول صعبة قابلة للحياة. قرار وقف نفايات جزين، مهما بدا جذّابًا في العنوان، لا يقترب من جوهر المأساة القائمة على شاطئ المدينة، ولا يمسّ شبكة المصالح والترضيات التي حوّلت معمل النفايات إلى «صندوقٍ أسود» محميّ سياسيًّا، لا تُفتح دفاتره ولا تُمسّ إدارته.هو قرار منخفض الكلفة سياسيًّا، لأن عبئه يُرمى على «الآخر»، لا على مراكز النفوذ الفعلية المرتبطة بالمعمل وبامتداداته الجغرافية والمالية. الأخطر أنّ هذا النوع من القرارات يُنتج وهْمَ فعلٍ عامّ، بينما يراكم العجز الحقيقي. يدغدغ الشارع مؤقتًا، ويؤجّج انقسامًا مناطقيًّا بلا جدوى، ثم يُعاد تدويره انتخابيًّا كإنجاز، فيما الجبال نفسها من النفايات تبقى في مكانها، تكبر بصمت، وتتعفّن مع المدينة وأهلها. تؤكّد مصادرُ مطّلعة لـ«البوست» أنّ المفارقة فيما يُثار اليوم تكمن في أنّ معمل النفايات يعمل حاليًّا في أفضل حالاته منذ إنشائه، من حيث الفرز والمعالجة وتحديث الآلات والمكننة المطلوبة لاستمراريته، ومع ذلك يعيش أزمةً جديدة كان في غنى عنها. كما تؤكّد مصادر سياسية مطّلعة أنّ عمر هذه الأزمة المستجدّة لن يتجاوز شهرين كحدٍّ أقصى، ليُصار بعدها إلى معاودة استقبال النفايات، فتعود الأمور إلى سابق عهدها. وتوقّفت مصادر صيداوية مخضرمة عند السؤال عن سبب عدم إقدام أيٍّ من فاعليات جزين على إنشاء معمل معالجة أو مطمر بيئي، على الرغم من أنّ بلدات وقرى المنطقة لا ينقصها رجالُ أعمالٍ أثرياء قادرون على استثمار بضعة ملايين من الدولارات لحلّ أزمات ومشكلات أهلهم ومنطقتهم، ولا سيّما أشخاصًا كأمل أبو زيد، إلّا في حال كان يُنظر إلى صيدا باعتبارها ممرًّا للحلويات ومستقرًّا للنفايات؟ صيدا لا تحتاج إلى بطولات انتقائية ولا إلى قرارات موسمية. تحتاج إلى مواجهة كاملة: كشف الأرقام الحقيقية، فتح العقود، تحديد المسؤوليات، وامتلاك الجرأة السياسية لكسر الحلقة التي تحمي هذا الملف منذ أكثر من عشرين عامًا. ما دون ذلك ليس حلًّا، بل إدارة وقت، وتأجيل انفجار، وتدوير أزمات.