رُبعي بن عامر… علِّموا أولادكم أن يحفظوا هذا الاسم جيدًا.هكذا يُعامَل الفرس، وأحفادهم من الصفويين. وليس غير ذلك البتة. في زمنٍ يختلّ فيه ميزان المعنى، قبل موازين القوة، لا يعود التاريخ ترفًا ثقافيًا ورواياتِ استئناس، بل يتحوّل إلى محكمةٍ قاسيةٍ للحاضر والمستقبل.حين تتراكم الإهانات على خرائط العرب ووجدانهم، وتتمدّد الأخطار في الجغرافيا والسيادة والقرار، لا يغدو استحضار بعض الشخصيات المؤسسة فعلَ حنينٍ إلى الماضي، بل محاولةً لقياس الواقع والقادم. في مثل هذه الأيام، يطلّ ربعي بن عامر لا بوصفه بطلًا منسيًّا من كتب الفتوح، بل كرمزٍ مكثّفٍ للثقة الحضارية حين تكون الأمة على وعيٍ بذاتها، وعلى يقينٍ بدورها، وعلى استعدادٍ لتحويل الفكرة إلى موقف، والموقف إلى فعل.الرجل الذي وقف أمام رستم، قائد جيوش فارس، لم يكن مجرّد مبعوثٍ عسكري، بل كان تعبيرًا مكثّفًا عن أمةٍ تعرف ماذا تريد، وكيف تتحرك، وما الذي ترفضه وتقبل به. هل نعرف اليوم حقيقة ما نريد؟ كلنا؟ أضعنا أنفسنا قبل ديننا وأمتنا وأوطاننا، فصرنا قواربَ في بحارٍ تتقاذفها الأمواج، وتسيّرها رياحٌ بلا وجهة، لاهثةً وراء سراب، يتبدّد في كل منعطفٍ تاريخي ولحظةِ حقيقة. لم يدخل ذلك الجندي الذي لم يذكره التاريخ إلا في هذا الموضع فقط، مجلسَ القوة مبهورًا ببهرج إمبراطورية، ولا مأخوذًا بعظمة الذهب والتيجان والسلاح ووهج السلطة، بل دخل من موقع الندّية النفسية الكاملة، حيث لا يعلو سلطان الزخرف على سلطان المعنى. لو قُدّر لذلك الرجل أن يُبعث اليوم، ثم ينظر في أحوال العرب، لرأى مشهدًا بالغ القسوة. دولًا تملك من عناصر القوة ما يكفي كي لا تُهان، لكنها تُهان كل يوم، وفي كل لحظة.عواصم تعرف حجم الخطر المحدق بها، لكنها تتصرف حياله ببرودة من اعتاد تأجيل الأسئلة الكبرى. حكّامًا يبدون، في لحظات الاختبار التاريخي، أقلّ من مستوى الجغرافيا التي يحكمونها، وأضعف من ذاكرة الشعوب التي ما زالت، رغم كل شيء، تعرف في قراراتها أن الكرامة ليست بندًا تفصيليًا في إدارة الإنسان والدولة، بل أصل وجودها السياسي والأخلاقي. كان ربعي ليقول لكم: ألم يخطر ببالكم، وأنتم تحلمون بمدن المستقبل ومشاريع الغد وحاضنات الاقتصاد الحديث والذكاء الاصطناعي، أن دولةً بعقيدةٍ قادرةٌ على هزّ عروشكم ببضع مئاتٍ من الدولارات، يا من تنفقون المليارات على أوهام؟ ليس أخطر ما في الاعتداءات الإيرانية أنها تقع، بل أنكم تتلقّونها كأنها قدرٌ إداري يمكن احتواؤه، لا تحدٍّ وجوديٍّ يستوجب موقفًا يرقى إلى مستوى الدولة، والتاريخ والأمة.ليست الكارثة في أن مشروعًا إقليميًا يتمدّد على حسابكم، بل في أن كثيرًا منكم تعامل مع هذا التمدد طويلًا بمنطق التكيّف، لا بمنطق الردع، بمنطق شراء الوقت، لا بمنطق صناعة التوازن، بمنطق تفادي الكلفة الآنية، ولو كانت النتيجة دفع أثمانٍ استراتيجيةً مضاعفةً في المستقبل. لم تكن المشكلة يومًا في إيران وحدها، على خطورة مشروعها ووضوح أطماعها وأدواتها، بل في هذا الفراغ العربي الذي يسمح لكل طامعٍ أن يجرّب، ولكل متربّصٍ أن يتقدّم، ولكل وكيلٍ أن ينتفخ حتى يكاد يعلو على الأصل.فالمشاريع الخارجية لا تنجح فقط لأنها محكمة التنظيم، بل لأنها تجد في الداخل هشاشةً بنيوية، وتردّدًا سياسيًا، وخللًا عميقًا في تعريف معنى الدين والوطن والمواطن. كان سيقول لكم إن السيادة ليست بيانًا يُتلى عند الطوارئ، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات الرسمية، بل هي فعلٌ يوميٌّ متراكم، عنوانه الوضوح والحسم وبناء المناعة.عالمٌ عربي يفيض بالإمكانات، يقابله عجزٌ فادحٌ في الإرادة. ثروات، جيوش، مواقع استراتيجية، عمق بشري، ومخزون هائل، لكنّ الحصيلة النهائية تبدو، في كثيرٍ من اللحظات، أقلّ من مجموع عناصرها بكثير.ليس العطب الحقيقي في نقص الأدوات، بل في انهيار المعنى الذي يربطها بهدفها. وكأنّ السؤال الحاضر دومًا: كيف نمرّر اللحظة بأقلّ خسائر آنية ممكنة؟ وكيف نؤجّل الاستحقاقات الحقيقية إلى ما بعد؟ لقد أخطأتم حين ظننتم أن الخطر يمكن تدجينه بالمساكنة، أو أن الأطماع يمكن تهدئتها بالخنوع و”الحامي الأبيض” القادم من وراء البحار لتكريسكم على كراسيكم.أخطر ما فعلتموه ليس التقصير في ردع الخصم فحسب، بل السماح لعوامل الضعف أن تتراكم داخل البيت نفسه. إنها مأساة المشهد العربي صبيحة هذا اليوم. في انتظار أن يدخل عليهم ربعي من جديد، ليس كروايةٍ تاريخية، بل كرجلٍ من رجالٍ ونساءٍ كثر…
كشفت مصادر دبلوماسية مطّلعة في بيروت لصحيفة “البوست” عن مخاوف جدّية من دخول الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مرحلة أكثر خطورة خلال الأيام المقبلة، مؤكدةً أن لا مؤشرات فعلية حتى الآن إلى أفق قريب للحل، خلافًا لما قد توحي به بعض القراءات المتفائلة. وبحسب المصادر، فإن الحديث المتداول عن مفاوضات بين الجانبين لا يكفي للرهان على تهدئة وشيكة، إذ إن المسار الميداني والسياسي المفتوح يوحي بمزيد من التأزّم والتصعيد، لا بتراجع حدّة المواجهة أو احتوائها في المدى المنظور. ولفتت المصادر إلى أن الساحة اللبنانية لن تكون بمنأى عن هذا المسار، مرجّحةً أن تشهد بدورها مزيدًا من التصعيد لا الانحسار، بصرف النظر عمّا قد تفضي إليه المفاوضات الأميركية – الإيرانية، إن حصلت، أو عن طبيعة النتائج التي يمكن أن تخرج بها.
في مدينةٍ تبيعُ أوهامها بالتقسيط، لم يَعُدِ السؤالُ عن الحبّ هو ما يفتح الأبواب، بل السؤال عن الخرائط: من مع مَن؟ ومن ضدّ مَن؟ ومن يضع قلبه في جيب أيّ محور. كأنّ العاطفة نفسها صارت بحاجة إلى تصريح عبور، أو إلى ختمٍ أيديولوجي قبل أن يُسمح لها بأن تنبض هذا الصباح، في موعدي اليومي مع القهوة، جلستُ كعادتي أراقب العالم وهو يمرّ من أمامي على شكل وجوهٍ مستعجلة وأحاديثٍ مقطوعة. كنت أظنّ أن القهوة لا تزال ملاذًا صغيرًا من ضجيج هذا الكوكب، تلك السلعة التي يُقال إنّها ثاني أكبر تجارة في العالم بعد النفط، وتجارة المزاج والأحلام المؤجّلة. فنجانٌ صغير يشتري لك هدنةً قصيرة من كل شيء… أو هكذا كنّا نظنّ. جلستُ، وجاءت هي. تشبه هذا الزمن أكثر ممّا تشبه نفسها. تعرف الأغاني نفسها التي أعرفها، وتضحك في الأماكن نفسها، وتحمل تلك الخفّة التي توحي لك أنّ العالم لا يزال قابلًا للاحتمال. حتى إنّها، في لحظةٍ غير متوقّعة، غنّت. نعم، غنّت في منتصف الموعد، وكأنّها تريد أن تُقنعني أنّ الحياة لا تزال تحتفظ ببعض البراءة. تحدّثنا عن أشياء كثيرة: عن الفن، عن التفاصيل الصغيرة، عن المستقبل الذي نؤجّله كما نؤجّل دفع الفواتير. كل شيء كان يسير بسلاسة مريبة، كأنّنا نكتب مشهدًا مثاليًا أكثر ممّا نعيشه. لكن هذا الزمن لا يترك مشهدًا يكتمل. الخوف من حرب أهلية لم يعد فكرة بعيدة، بل هاجسًا يوميًا يتسرّب إلى أبسط التفاصيل هناك دائمًا سؤالٌ يقف في الزاوية، ينتظر لحظته ليفسد كل شيء. سؤالٌ صار اليوم بطاقة التعريف الحقيقية لأي إنسان في هذه البلاد. شعرتُ به يقترب، يكبر، يضغط على صدري، حتى لم يَعُد ممكنًا تجاهله. شبكتُ يديّ، رفعتُ رأسي، وخشّنتُ صوتي أكثر ممّا يجب، وسألتها: أنتِ… مع إيران أم مع إسرائيل؟ لم يكن السؤال فضولًا، بل كان خوفًا متنكرًا. خوفٌ من أن أستيقظ في يومٍ ما فأكتشف أنّني أحبّ شخصًا يقف على الضفة الأخرى من حربٍ قد تبدأ في أي لحظة. في لبنان، لا يُطرح هذا السؤال بدافع المعرفة، بل بدافع النجاة. توقّعتُ جوابًا دبلوماسيًا، تلك الجملة الجاهزة التي نحتمي بها جميعًا: “ما إلي بالسياسة”. لكنّها سكتت. ثوانٍ طويلة، ثقيلة، كأنّها استدعاء لذاكرة كاملة من الانقسامات. ثم بدأت تتكلّم، لا كإنسانةٍ في موعد، بل كمن يقرأ بيانًا غير مكتوب. سردية جاهزة، مصقولة، مليئة بالمقارنات والشعارات، كأنّها إعلان طويل لدولةٍ أو مشروعٍ أو خوفٍ أكبر منها ومنّي. عندها، لم أَعُد أسمع الكلمات. كنت أسمع شيئًا آخر: صدى هذا البلد وهو يتشقّق. في لبنان، الانقسام ليس رأيًا، بل قدرٌ معلّق فوق رؤوسنا. سياسي، مذهبي، طائفي، وعنصري أحيانًا. خطوط تماسّ غير مرئية، لكنّها حاضرة في كل مكان: في الشارع، في البيت، في الحبّ نفسه. والخوف الحقيقي ليس من الاختلاف، بل من اللحظة التي يتحوّل فيها هذا الاختلاف إلى شرارة. إلى شيء يشبه ما عرفناه من قبل… أو ما نخشى أن نعرفه مجددًا. الخوف من حربٍ أهلية لم يَعُد فكرة بعيدة، بل هاجسًا يوميًا يتسرّب إلى أبسط التفاصيل. حتى إلى موعدٍ على فنجان قهوة. أوقفتُها. ليس لأنّني امتلكت جوابًا، بل لأنّني لم أَعُد أحتمل السؤال. طلبتُ الحساب. دفعتُ ثمن القهوة، وثمن الوهم القصير الذي عشته، وسلّمتُ عليها وغادرت. مشهدٌ يبدو عاديًا، لكنّه في داخلي كان إعلان انسحاب من شيءٍ أكبر من هذا اللقاء. في الطريق، أدركتُ أنّ المشكلة لم تكن فيها. كانت في هذا الزمن الذي حوّلنا إلى كائنات تبحث عن الأمان في مواقف الآخرين، لا في إنسانيتهم. زمنٌ صارت فيه العلاقات صفقات، والمشاعر استثمارات عالية المخاطر. والأغرب أنّ العالم كله يسير بهذا الاتجاه. سوقٌ ضخم لتجارة الأحلام، حيث تُباع القناعات كما تُباع العقارات. هناك من يؤجّر لك هوية، ويضعك في بيتٍ فكري جاهز، ويتركك تدفع الإيجار من عمرك. بيوت الأجر هذه، في السياسة والفكر، أرباحها تفوق بكثير بيوت الإيجار التقليدية. تُسكنك موقفًا، وتمنحك شعورًا زائفًا بالانتماء، ثم تكتشف أنّك لم تَعُد تملك نفسك. حتى القهوة، تلك التي كانت حيادية كصمت الصباح، لم تسلم. صارت تُشرب على إيقاع الاصطفافات. فنجانك لم يَعُد لك بالكامل؛ هناك دائمًا من يسألك: مع مَن تحتسيه؟ والمفارقة الأكثر مرارة أنّني، ككاتب، أبحث كل يوم عن قصة. لكنّني اليوم لم أجد قصة أكتبها… بل وجدتُ نفسي داخلها. موعدٌ عادي تحوّل إلى مرآة لوطنٍ كامل، وطنٍ يخاف من نفسه أكثر ممّا يخاف من أعدائه. ربّما الدرس الذي خرجتُ به ليس أن أسأل مبكرًا: “أنتِ مع مَن؟”، بل أن أفهم لماذا صرنا عاجزين عن أن نكون مع بعض، ولو للحظة، خارج هذه الخرائط القاسية. لأنّ أخطر ما نعيشه اليوم في لبنان ليس الانقسام بحدّ ذاته، بل اعتيادنا عليه… حتى صار شرطًا لأي علاقة، وأي حلم، وأي فنجان قهوة.