دولةٌ عاجزةٌ تبحث عن مخرج لم تعد صخرةُ الروشة مجرّد صخرةٍ تواجه البحر. في الذكرى السنويّة لوفاة حسن نصرالله، أُضيئت الصخرةُ بصورتِه العملاقة، لتتحوّل إلى منبرٍ سياسيٍّ مفتوحٍ في قلب العاصمة. لكن اللافت لم يكن الحدثَ بحدِّ ذاتِه، بل موقف الحكومة اللبنانيّة التي بدلاً من أن تواجهه كخرقٍ للقانون والنظام العام، لجأت إلى أسلوبها التقليدي: إعطاء رخصةٍ من جمعيّة واجهة تابعةٍ للحزب. هكذا حوّلت الدولةُ نفسَها إلى “مقدِّمة خدمات” لدى القوى النافذة، وباركت ما لا تستطيع منعه. التصوّفُ الحكومي… عبادةُ الأمر الواقع المشهد لم يكن بريئًا ولا فنّيًا. كان إعلانًا واضحًا عن سطوة الحزب على مفاصل القرار، وعن هشاشة الدولة التي لا تملك إلّا التصوّف والانحناء. الحكومة صارت تتصرّف كراهبٍ يبارك الأيقونات، ولو كانت أيقونةً سياسيّةً تُثير الانقسام. لم نرَ دولةً تضع معاييرَ واضحة، بل شاهدنا جهازًا بيروقراطيًا يمنح “بركةً رسميّة” لمشهدٍ سياسيٍّ يكرّس الانقسام بدل أن يوحّد اللبنانيّين. الروشة بين واشنطن والضاحية والمفارقة أنّ صخرةَ الروشة نفسَها وقفت قبل أسابيع خلف صورةٍ أخرى تمامًا: صورةِ وفدٍ أمريكيٍّ رفيعٍ يتناول العشاء في مطعمٍ مطلٍّ على البحر. خلف الوفد، الصخرةُ ذاتُها، لكن هذه المرّة كرمزٍ للسياحة والهدوء والانفتاح. الصورةُ انتشرت بسرعةٍ وكأنّها رسالة: لبنان ما زال قادرًا على استقبال الغرب بابتسامة، ولو كانت تلك الابتسامة باهتة. لكنّ التناقض صار فاضحًا: صخرةٌ واحدة تحمل وجهين، صورةَ نصرالله المضيئةَ ليلًا، وصورةَ الابتسامة الدبلوماسيّة نهارًا. هنا حزبُ الله يكرّس حضورَه الرمزي، وهناك واشنطن تلتقط خلفيّةً “إنستغراميّة” لتسوّق فكرة لبنان الجميل. سياسة “الصخرة المزدوجة” المشكلة ليست في الحزب ولا في الوفد، بل في دولةٍ جعلت من رمزٍ وطنيٍّ مثل الروشة سلعةً معروضةً للتأجير السياسي. أعطت الرخصةَ هنا، وتسامحت بالصورة هناك، وكأنّ الصخرةَ تحوّلت إلى شاشةِ عرضٍ يتناوب عليها اللاعبون المحلّيّون والدوليّون. صخرةُ الروشة اليوم تختصر مأساةَ لبنان: دولةٌ بلا قرار، تعيش بين قوّتَين متناقضتَين، وتحوّل المعالمَ الوطنيّة إلى منصّات صراعٍ رمزي. من رمزٍ للسياحة والحبّ، تحوّلت الروشةُ إلى شاهدٍ على دولةٍ عاجزةٍ تبيع “شرعيّتَها الورقيّة” مقابل تمرير المواقف. فأيُّ بيروتٍ هذه التي لم يبقَ منها سوى صخرة؟ نصفُها للضاحية ونصفُها لواشنطن، وبينهما بحرٌ يغرق فيه ما تبقّى من صورة لبنان كدولةٍ طبيعيّة.
يكثرُ السؤالُ في الأوساطِ السياسيةِ اللبنانية عمّا إذا كان النجلُ الأكبرُ للرئيسِ رفيق الحريري، بهاء، عائدًا إلى البلد بغطاءٍ دوليّ أو عربيّ، وتحديدًا سعودي، على اعتبار أنَّ هذا الأمر سيكون مؤشّرًا داعمًا لمسيرةِ الرجل والدور الذي من المفترض أن يلعبه، باعتبار أنَّه لا حَظرَ سعوديًّا عليه كما هو الحال بالنسبة لسعد وتيّار المستقبل، حتّى الآن أقَلَّه، وما سيعنيه ذلك. اللافت، بحسبِ مصادرٍ مطّلعة، أنَّ بهاء لم تتم دعوتُه من قبلِ السلطاتِ السعودية المعنيّة إلى فعاليات “اليوم الوطني السعودي” الذي أُقيم منذ يومين في فندق “فينيسيا”، على الرغم من تواجده في بيروت، ما فسر باعتباره تجاهل سعودي لكل الحركة السياسية والاجتماعية التي يقوم بها. في المقابل، سُجّل حضورٌ لافت للنائب بهية الحريري وأمين عام تيّار المستقبل أحمد الحريري. بهاء، منعًا للإحراج، قرّر مغادرةَ لبنان قبل الحدث حيث رُصِد في العاصمة الأردنيّة عمّان، يومها.
ظاهرةٌ “شاذّة” جديدة تُضافُ إلى ظواهرَ كثيرةٍ مِثلَها تُعاني منها مدينةُ صيدا على أكثرَ من صعيدٍ، وباتت مُكرَّسةً بحُكمِ قوّةِ الأمرِ الواقع، دونَ حسيبٍ ولا رقيبٍ. المكان: الكورنيش البحري الجديد في صيدا، مقابل مدرسة “المقاصد”. إنّه الشارعُ الفرعيّ العريضُ الموازي لأوتوستراد الجنوب الداخليّ، الذي حوَّله عددٌ من أصحاب المقاهي المخالفين أصلاً بطاولاتهم وكراسيهم وخيمهم، إلى موقفٍ خاصٍّ لروّادِهم دون أحد سواهم. فقد شكا عددٌ من أهالي المدينة من منعِ أصحابِ هذه البسطات غيرِ القانونيّة السيّارات من الرَّكن في هذا الشارع، إن لم يكن أصحابُها يريدون الجلوس أو الشراء من البسطات هناك. كما شكا الأهالي لـ”البوست” من تحوُّل المنطقة إلى مرآبٍ كبيرٍ للشاحنات، التي يتعامل سائقوها مع المكان والشارع باعتبارِه بيتَهم الثاني، في الليل والنهار…. من الطبيعيّ أن تتزايد هكذا ظواهرُ مع شعور المواطنين بتراخي البلديّة عن أداء دورها وتطبيق القوانين. وإذا كان الأعضاء يتقاتلون فيما بينهم على تنظيف الشوارع ، فهذا شارعٌ برسمِ جهودِكم الطيبة للتنظيف، ليس من الأوساخ فحسب!