في مدينةٍ اعتادت على الأزمات الثقيلة والملفات الشائكة، لم يعد ارتفاع منسوب الانتقاد السياسي حدثًا استثنائيًا بحدّ ذاته، بقدر ما بات السؤال يتعلّق بشكل هذا الانتقاد، وتوقيته، وحدوده. ففي الأسابيع الأخيرة، لوحظ تصاعد نبرة الملاحظات والانتقادات التي يوجّهها النائب أسامة سعد إلى المجلس البلدي لمدينة صيدا، لكنّها ملاحظاتٌ تُدار في معظمها عبر منصّات التواصل الاجتماعي، وتحديدًا من خلال التعليق على صور ومنشورات، أكثر ممّا تُترجم إلى مواقف سياسية مباشرة أو خطوات مساءلة فعلية. معارضة بلا مواجهة بحسب مصادر صيداوية متابعة، فإن ما يُقدَّم على أنّه تصعيد سياسي لا يتجاوز عمليًا حدود «الوقوف على الدَّقرة»، لكن هذه المرّة في الفضاء الافتراضي. فالنائب الذي يمتلك حضورًا سياسيًا طويلًا في المدينة، اختار إدارة خلافه مع البلديّة من الزاوية الأسهل: انتقاد الأداء البلدي من دون الذهاب إلى أصل المشكلة أو تسمية المسؤوليات الأوسع، وكأنّ المجلس البلدي بات الحلقة الأضعف التي يمكن شدّها انتخابيًا من دون دفع أثمان سياسية حقيقية. وتتساءل المصادر عن مغزى هذا التوقيت تحديدًا، في ظل اقتراب الاستحقاق الانتخابي النيابي، وبدء تلمّس خطوط أولية لخارطة التحالفات المقبلة. فهل ما يجري هو دفاع فعلي عن حقوق الناس، أم محاولة لشدّ العصب الشعبي عبر معركة منخفضة السقف، لا تُغضب أحدًا في مواقع القرار؟ عشرون عامًا… ماذا بعد؟ السؤال الأكثر إحراجًا، والذي يتجنّبه الخطاب الشعبوي، يتعلّق بما قُدِّم فعليًا لمدينة صيدا خلال أكثر من عقدين من العمل النيابي. فإذا كان المجلس البلدي بهذه الصورة التي تُسوَّق للرأي العام، فأين كانت المعالجات السياسية طوال هذه السنوات؟ ولماذا يُستحضر الخلل اليوم، وبهذه الصيغة تحديدًا، بدل تحويله إلى ملف مساءلة مؤسساتية واضحة؟ الأكثر إرباكًا أنّ داخل المجلس البلدي نفسه، يوجد أعضاء محسوبون سياسيًا على النائب سعد، وفي مقدّمهم أبو سلطان الدندشلي. وهنا يطرح السؤال نفسه بقسوة: إن كانت التجاوزات بهذا الحجم، لماذا يستمر هؤلاء في مواقعهم؟ ولماذا لا يبادرون إلى الاستقالة وكشف الوقائع للرأي العام، بدل الاكتفاء بمشهدية الانتقاد من الخارج؟ في الكواليس، لا تنفصل هذه الحملة عن التوتّر القائم بين النائب سعد ورئيس البلديّة مصطفى حجازي. فبحسب مطّلعين، تعود جذور الخلاف إلى الإشكال الذي حصل مع بائعي بسطات السمك، والذي شكّل نقطة تحوّل في العلاقة بين الطرفين. ومنذ ذلك الحين، يتحدّث أكثر من مصدر عن قطيعة غير معلنة، تُرجمت بتجاهل الاتصالات وبتحوّل الخلاف الإداري إلى نزاع سياسي مكتوم. ويذهب البعض أبعد من ذلك، معتبرين أنّ هذا الملف هو الورقة الأخيرة المتاحة أمام سعد في المرحلة الحالية، لشدّ عصب جمهوره التقليدي، في ظل غياب ملفات كبرى يمكن الاستثمار فيها سياسيًا، أو معارك حقيقية مع مراكز القرار الفعلي. معركة بلا كلفة يبدو أنّ صيدا أمام مشهد مألوف في السياسة اللبنانية، معارضة مرتفعة الصوت ومنخفضة السقف، تُدار حيث لا خطر، وتُخفَض حيث تصبح المواجهة مكلفة. فحين تُستبدل المحاسبة الفعلية بالتعليق تحت الصور، وتُختصر السياسة بمنشور غاضب، يتحوّل المجلس البلدي إلى ساحة تدريب انتخابي، لا أكثر. ويبقى السؤال الأهم، هل تحتاج صيدا إلى مزيد من الضجيج الافتراضي، أم إلى معارك حقيقية تُخاض حيث يجب، وبمنطق تحمّل المسؤولية لا تسويق الغضب؟
توقّفت مصادرُ سياسيّةٌ صيداويّةٌ مخضرمةٌ عند ظاهرةٍ لافتةٍ سُجِّلت هذا العام، تمثّلت بمبالغاتٍ شكليّةٍ لوحِظَت لدى معظم القوى السياسيّة التقليديّة في المدينة، إضافةً إلى عددٍ من الشخصيّات والفاعليّات والجمعيّات الاجتماعيّة، لإظهار “حفاوة الاحتفال” بعيد الميلاد، في شكلٍ لم يأخذ هذا المنحى أبدا في الأعوام السابقة. وعزت هذه المصادر هذا الأمر إلى استعداد الجميع لمرحلة الانتخابات النيابيّة على صعيد دائرة صيدا – جزّين، والسعي إلى تكريس فكرة العيش المشترك والمحبّة بين الناخبين في الدائرتين، علمًا أنّها جاءت مبالغةً من حيث الشكل والمضمون، بحيث كانت «over» إلى حدٍّ دفع بمشروع مرشّحٍ صيداويٍّ لم يكتمل بعد، إلى تحمّل تكاليف زينة شجرة الميلاد والمغارة في إحدى مناطق شرق صيدا. لم تكن شجرة الميلاد هذا العام مجرّد زينةٍ عابرة، ولا المغارة فعلَ إيمانٍ بريئًا، بل كانت صندوق اقتراعٍ مموّهًا بأضواء ملوّنة، وورقة ترشيحٍ مُغلّفة بأغاني العيد. «الجلقة» الصيداويّة خرجت من عباءة النوايا الحسنة، ودخلت بازار الانتخابات باكرًا، فيما أهل جزّين يراقبون المشهد بابتسامة العارف.بين
إضافةً إلى «عُدَّةِ الشُّغل» الاعتياديّة التي تُرافِق التَّحضيراتِ للانتخاباتِ النيابيّة في لبنان، من مالٍ سياسيّ، وزياراتٍ، ومهرجاناتٍ، وخِطاباتٍ، وتصريحاتٍ، وحملاتٍ إعلاميّة، وخارطةِ تحالفاتٍ… يبدو أنّ هناك «تعليمة» جديدًة استُحدِثَت أخيرًا على يدِ أحد «الطّامحين» لخوضِ الانتخاباتِ المقبلة في صيدا، ألا وهي: الشَّعوذة و”السِّحر الأسود”. فبحسب معلومات دقيقةِ، فإنّ شخصيّةً موهومة، لا يُسجَّل لها حضورٍ جدّيّ على الأرض، لا من حيث التقديمات ولا النشاطات، قصدت منذ فترةٍ أحد «العَرّافين»، أي «السحرة» الذين يتعاطَون أساليبَ «السِّحر الأسود»، لاستطلاعِ حظوظِها في حال قرّرت الترشُّح لخوضِ الانتخاباتِ النيابيّة في صيدا.وفي حين لم يُعرَف الجوابُ الذي أبلغه المشعوذُ لـ«النائب الحالم»، يبدو أنّ «العَصْفوريّة» بدأت تتخطّى حدودَ المدينة، لتصلَ إلى مدارك أكثر سوادًا خارجها. فعندما يُختصر المقعد النيابي بتعويذة، وتُستبدل الناس بالتمائم، نكون قد دخلنا مرحلة جديدة من الانحطاط السياسي والفكري، حيث لا مشروع ولا حضور…فقط أوهامٌ تبحث عن مقعد.