لم تكن قلعة الشقيف، في جنوب لبنان، مجرّد أثر حجري يطلّ على وادي الليطاني، ولا بقايا حصنٍ من زمن الحروب الصليبية. هي، في الذاكرة الجنوبية واللبنانية، واحدة من تلك النقاط التي تختصر علاقة الأرض بالقوة، والجغرافيا بالسياسة، والتاريخ بالحروب المفتوحة… لذلك، فإن إعلان القوات الإسرائيلية السيطرة عليها مجددًا لا يمكن قراءته كحدث عسكري معزول، بل كعودةٍ رمزية إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في تاريخ الصراع على جنوب لبنان. بحسب تقارير نُشرت اليوم، قالت القوات الإسرائيلية إنها سيطرت على قلعة الشقيف، المعروفة أيضًا باسم Beaufort Castle، وعلى المرتفع الاستراتيجي المحيط بها، فيما وصف بأنه أعمق توغل إسرائيلي داخل لبنان منذ 26 عامًا، رغم وقف إطلاق نار اسمي قائم منذ 17 نيسان 2026. الصخرة العالية اسم القلعة ليس تفصيلًا لغويًا. فـ“الشقيف” كلمة آرامية تُحيل إلى معنى الصخرة العالية أو الجرف المرتفع، وهذا المعنى يكاد يكون الوصف الأكثر دقة لموقعها. فالقلعة تقوم فوق كتلة صخرية شاهقة قرب بلدة أرنون في قضاء النبطية، وتشرف على مجرى نهر الليطاني وعلى مساحات واسعة من جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة. وتُعرف في المصادر الأجنبية باسم Beaufort أو Belfort، أي “الحصن الجميل” أو “القلعة الجميلة”، وهي تسمية فرنجية/صليبية ارتبطت بمظهرها الحصين وموقعها المهيب. لكن الاسم العربي بقي أكثر التصاقًا بجغرافيتها وروحها: قلعة الشقيف، أو شقيف أرنون. ليست قلعة في سهل، ولا حصنًا على طريق عابر، بل عينٌ حجرية مفتوحة على الجنوب كله. ومن هنا جاءت أهميتها، لا من حجارتها وحدها، بل من قدرتها على تحويل الارتفاع إلى سلطة، والموقع إلى أداة مراقبة وتحكم. skip render: ucaddon_material_block_quote الصور ل: عباس سلمان من بناها؟ تختلف الروايات حول البدايات الأولى للقلعة. بعض المصادر تشير إلى وجود تحصين سابق في الموقع قبل العهد الصليبي، وربما كانت له جذور أقدم، لكن الشكل العسكري المعروف للقلعة ارتبط أساسًا بالقرن الثاني عشر. وتشير لائحة اليونيسكو الخاصة بـ“قلاع جبل عامل” إلى أن قلعة الشقيف بُنيت أصلًا على يد ملك القدس نحو عام 1137، ثم شهدت توسعات وتعديلات في عهود الأيوبيين والمماليك والحكام المحليين من آل الصعبي. أما الرواية التاريخية المتداولة في الدراسات الصليبية فتقول إن فولك، ملك مملكة القدس الصليبية، استولى على تحصين الشقيف عام 1139، ثم سلّمه إلى أمراء صيدا، ويرجّح مؤرخون أن بناء القلعة الصليبية بصيغتها العسكرية بدأ بعد ذلك بوقت قصير. لاحقًا، دخلت القلعة في صراع طويل بين الصليبيين والقوى الإسلامية، إذ سيطر عليها صلاح الدين الأيوبي عام 1190 بعد معركة حطين وما تبعها من سقوط معظم المواقع الصليبية، ثم عاد الصليبيون وسيطروا عليها بعد نحو 60 عامًا، قبل أن ينتزعها السلطان المملوكي الظاهر بيبرس عام 1268. هكذا، منذ بداياتها، لم تكن الشقيف مجرد بناء دفاعي، بل جزءًا من خط صراع إقليمي واسع: بين الساحل والداخل، بين دمشق والقدس، بين صور وصيدا والجليل، وبين القوى التي أرادت التحكم بممرات العبور في بلاد الشام. موقع يحكم ما حوله سرّ الشقيف في موقعها. فالقلعة تقوم على مرتفع صخري يشرف على الليطاني وواديه، وعلى طرق وممرات طبيعية تربط الداخل اللبناني بالساحل، كما تمنح من يسيطر عليها قدرة مراقبة واسعة باتجاه الجنوب والبقاع الغربي والجليل. لذلك، كانت القلعة عبر التاريخ عينًا عسكرية أكثر منها مجرد حصن. من فوقها لا تُرى القرى فقط، بل تُقرأ الحركة: طرق الإمداد، مسارات الجيوش، خطوط الانسحاب، ومداخل الهجوم. لهذا السبب تحديدًا احتفظت القلعة بقيمتها العسكرية حتى العصر الحديث. فبخلاف كثير من القلاع التي تحولت مع الزمن إلى آثار سياحية فاقدة لوظيفتها الدفاعية، بقيت الشقيف ذات منفعة استراتيجية في حروب القرن العشرين. وتشير موسوعات ومراجع تاريخية إلى أن قلعة بوفور/الشقيف تمثل حالة نادرة لقلعة من القرون الوسطى ظلّت ذات قيمة عسكرية في الحروب الحديثة، خصوصًا خلال حرب لبنان عام 1982. الشقيف في الذاكرة الحديثة دخلت قلعة الشقيف الذاكرة السياسية والعسكرية الحديثة من باب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. يومها تحولت القلعة إلى واحدة من ساحات المواجهة القاسية، وارتبط اسمها بمعركة الشقيف، التي عادت في الروايات الفلسطينية واللبنانية والإسرائيلية بوصفها واحدة من المعارك الرمزية في بداية الاجتياح. ومنذ ذلك الوقت، لم تعد القلعة أثرًا صليبيًا أو مملوكيًا فقط، بل صارت جزءًا من سردية جنوب لبنان: الاحتلال، المقاومة، الانسحاب، والذاكرة المفتوحة على الدم والرماد.بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، تحولت القلعة إلى شاهد على مرحلة كاملة. حجارتها لم تكن صامتة تمامًا؛ آثار الحرب، الذخائر، التحصينات، الدمار والترميم، كلها جعلت منها سجلًا ماديًا للصراع. السيطرة الخطيرة السيطرة الإسرائيلية الحالية على قلعة الشقيف، تتجاوز معناها الميداني المباشر. عسكريًا، تعني السيطرة على نقطة مرتفعة تمنح قدرة مراقبة ونيران ورصد على مساحة واسعة من الجنوب. وسياسيًا، تعني أن إسرائيل لا تكتفي بعمليات حدودية أو ضربات جوية، بل تنتقل إلى تثبيت حضور داخل عمق جنوبي شديد الحساسية، قرب النبطية، وفي منطقة لها وزن رمزي وعسكري في آن واحد.الأخطر أن التقارير تحدثت عن عبور إسرائيلي لنهر الليطاني، وعن توسيع منطقة العمليات بين الليطاني والزهراني، بما يبدّل قواعد الاشتباك القديمة ويعيد طرح سؤال الحدود الفعلية للمواجهة. فإذا كان الليطاني، منذ قرارات دولية وتسويات سابقة، حاضرًا كخط أمني وسياسي في النقاش حول جنوب لبنان، فإن تجاوزه ميدانيًا يفتح الباب أمام واقع جديد، تحويل الجنوب من منطقة اشتباك حدودية إلى مسرح توغل أعمق. رفع العلم فوق الذاكرة في الحروب، لا تُحتل المرتفعات فقط لأنها تكشف الأرض، بل لأنها تكسر المعنى. قلعة الشقيف، بالنسبة إلى الذاكرة اللبنانية الجنوبية، ليست مجرد موقع حجري، بل عنوان من عناوين التحرير عام 2000، ورمز لمنطقة خرجت من الاحتلال بعد عقود من الدم والتحولات. لذلك فإن رفع العلم الإسرائيلي فوقها، لا يحمل رسالة عسكرية فقط، بل رسالة نفسية وسياسية، العودة إلى موقع كان جزءًا من ذاكرة الانسحاب الإسرائيلي، ومحاولة تحويله مجددًا إلى منصة حضور وقوة.هنا تكمن خطورة الرمزية. فالاحتلال حين يختار موقعًا أثريًا وتاريخيًا بهذا الوزن، فهو لا يحتل الأرض وحدها، بل يضغط على الذاكرة العامة. كأن الرسالة تقول إن ما اعتُبر منجزًا نهائيًا في عام 2000 لم يعد محصّنًا، وإن الجنوب يمكن أن يُعاد فتحه جغرافيًا وسياسيًا ونفسيًا. هناك بعد آخر لا يقل خطورة: البعد التراثي. فقلعة الشقيف ليست موقعًا عسكريًا فقط، بل معلم تاريخي يعود إلى نحو 900 عام، ومدرجة ضمن لائحة اليونيسكو، وقد تحدثت تقارير خلال الأيام الأخيرة عن قصف وعمليات قرب مواقع أثرية في الجنوب، بينها قلعة الشقيف، وسط مخاوف على التراث اللبناني من التدمير أو التشويه. ماذا يعني ذلك للمستقبل؟ مستقبليًا، يمكن قراءة السيطرة الإسرائيلية على قلعة الشقيف في ثلاثة اتجاهات. الأول، عسكري: قد تكون القلعة جزءًا من محاولة إسرائيلية لفرض حزام أعمق من الحزام الحدودي التقليدي، عبر السيطرة على مرتفعات وممرات تسمح بمراقبة مناطق واسعة وإبعاد قدرة حزب الله عن
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial ماذا لو صار العبور إلى غزة، أو الجنوب اللبناني، أو الجولان، أو الشمال السوري، يحتاج إلى تذكرة مشجّع… لا إلى تصريح أمني أو تقرير أممي؟ ربما كان العالم سيكتشف أخيرًا أنّ هذه البلاد لم تُخلق لتكون نشرات حرب دائمة، ولا لتتحوّل إلى مختبر مفتوح للدمار الإقليمي والدولي.ربما كان سيكتشف أنّ في هذه الأرض ما يكفي من الحياة لصناعة أعظم احتفال كروي في التاريخ، لو أنّ القوى الكبرى تركتها تتنفّس فقط. كنا سنرى الناس يدخلون فلسطين بالكاميرات… لا بالخوذات. يتجوّلون في القدس وغزة وصيدا وحلب ودمشق كما يتجوّل السائح في أي مدينة طبيعية، لا كمن يدخل منطقة منكوبة تحت بند “التغطية الإنسانية”. كانت غزة، ربما، ستتعب من الزحمة… لا من المقابر. وكان الجنوب اللبناني سيشتكي من اختناق السير حول الملاعب، لا من أصوات الطائرات. وكان الشمال السوري سيبحث عن فنادق إضافية للمشجعين، لا عن خيام إضافية للنازحين. أيّ مفارقة قاسية هذه؟ أن بلادًا تمتلك أقدم حضارات الأرض، وأكثر شعوبها عشقًا للحياة، تُدفع قسرًا لتعيش داخل قفص الحروب، بينما العالم نفسه، الذي يتحدث عن السلام، لا يتقن سوى إدارة الخراب في الشرق. كان الأطفال سيحفظون أسماء اللاعبين أكثر من أسماء الشهداء. وكانت دفاتر المدارس تمتلئ بصور المنتخبات، لا بصور الدمار. وكان الطفل يحمل كرة تحت إبطه… لا كيس ثيابه هاربًا من النزوح. في بلاد الشام، صار الطفل يتعلّم الاتجاهات عبر أصوات القصف، لا عبر خرائط الجغرافيا.يعرف أين يختبئ قبل أن يعرف أين يلعب.ويحفظ أسماء البنادق قبل أسماء الأندية. ولو جاء كأس العالم إلى هنا، ربما، وللمرة الأولى منذ عقود، كانت كلمة “احتلال المدرجات” تعني شيئًا مفرحًا.احتلالًا بالأغاني والأعلام والضحكات، لا بالدبابات والحواجز والجدران. كنا سنسمع الهتافات في الليل… لا الانفجارات.وكان سائق التاكسي يتجادل حول فرص المنتخب، لا حول احتمالات الحرب المقبلة.وكانت نشرات الأخبار تبدأ بنتائج المباريات، لا بعدد الضحايا. لكنّ المأساة الحقيقية ليست في أنّ هذا الحلم لم يحدث.المأساة أنّ العالم جعل شعوب المنطقة تعتقد أنّ الحياة الطبيعية نفسها أصبحت رفاهية مستحيلة. فحين تصبح فكرة ملعب كرة قدم أكثر خيالية من فكرة دبابة، ندرك حجم التشوّه الذي أصاب السياسة الدولية. وحين يبدو تنظيم بطولة رياضية في غزة، أو جنوب لبنان، أو سوريا أمرًا مستحيلًا، بينما تبدو الحروب المتكررة “أمرًا اعتياديًا”، فهذه ليست مشكلة جغرافيا… بل مشكلة نظام عالمي أدمن إدارة المآسي. العالم يأتي إلى بلادنا عادةً ليلتقط صور الركام، ثم يغادر محمّلًا بالخطب الأخلاقية.أما نحن، فما زلنا ننتظر اليوم الذي يأتي فيه العالم ليصفّق لنا… لا ليديننا أو يتباكى علينا. ربما لم تستضف بلاد الشام كأس العالم يومًا. لكن الحقيقة الأعمق أنّ هذه البلاد، رغم كل شيء، ما زالت تمتلك جمهور الحياة الأكبر على الأرض. جمهورًا يخرج من تحت الركام ليغنّي، ومن بين الدخان ليحلم، ومن قلب الخسارة ليقترح على العالم فكرة بسيطة جدًا: أنّ الشعوب خُلقت لتعيش… لا لتتحوّل إلى ملاعب مفتوحة للحروب.
في لحظة وطنية دقيقة، وعلى وقع تصاعد تداعيات العدوان الإسرائيلي على لبنان وما يرافقه من تهجير ودمار وضغوط اجتماعية واقتصادية، انعقدت في دار طائفة الموحدين الدروز في بيروت، الثلاثاء 2 حزيران 2026، القمة الروحية الإسلامية – المسيحية، بدعوة وضيافة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، وبمشاركة واسعة لرؤساء الطوائف والمرجعيات الروحية في لبنان. وشكّلت القمة محطة وطنية وروحية بارزة، تجاوزت حدود التضامن الرمزي، لتؤكد أن مواجهة الأخطار لا تكون إلا بوحدة اللبنانيين، والالتفاف حول الدولة ومؤسساتها الشرعية، وحماية السلم الأهلي من أي محاولة لإثارة الفتنة أو الانقسام. واستُهلّ اللقاء بصلاة مشتركة على نية لبنان والشهداء والجرحى والمصابين والمهجرين، عكست روحية القمة القائمة على الرحمة والتضامن والمحبة وصون كرامة الإنسان والوطن. religious summit 1