تقفُ مدينةُ صَيْدا على ساحلِ البحرِ الأبيضِ المُتوسِّطِ كشاهدةٍ حيّةٍ على آلافِ السنينِ من الحضارةِ الإنسانيّة. فهذه المدينةُ اللبنانيّة، التي يعودُ تاريخُها إلى أكثرَ من ستّةِ آلافِ سنة، كانت في يومٍ من الأيّامِ عاصمةَ الحضارةِ الفينيقيّة ومركزًا تجاريًّا عالميًّا لا مثيلَ له. غيرَ أنَّ المُفارقةَ المُؤلِمةَ تكمنُ في أنَّه، وحتى يومِنا هذا، تفتقرُ المدينةُ العريقةُ إلى مُتحفٍ أثريٍّ يليقُ بتاريخِها ويروي قصّصها صيدا عبر التاريخ تُعتَبَرُ صَيْدا من أقدمِ المدنِ الفينيقيّة التي أسّسها الكنعانيّون حوالي عامَ 2800 قبلَ الميلاد، وَفقًا للمؤرّخِ الفرنسيّ جاك نانتي. وقد سُمِّيَت المدينةُ باسمِ صِيدون، ابنِ كنعانَ البِكر، وأصبحت مع مرورِ الزمنِ مركزًا حضاريًّا وتجارِيًّا بارزًا على البحرِ المتوسِّط. كان موقعُها الساحليُّ الاستراتيجيُّ السببَ الأساسِيَّ في ازدهارِها، إذ وفَّرَ لها ميناءً طبيعيًّا مثاليًّا للتجارةِ البحريّةِ والملاحة.خلالَ العصرِ الحديديّ، برزت صَيْدا كواحدةٍ من أهمِّ المدنِ الفينيقيّة، بل لعلّها كانت الأقدمَ والأكثرَ أهمّيّة. وقد اشتهرت بصناعاتٍ أسطوريّةٍ في ذلكَ الزمان: صناعةِ الزجاجِ التي كانت تمثّل أهمَّ مشروعٍ اقتصاديٍّ في المدينة، وصناعةِ الصبغةِ الأرجوانيّةِ الفاخرةِ المُستخرَجةِ من صدفِ الموريكس، وفنِّ التطريزِ الرقيقِ الذي اشتهرت به نساءُ صَيْدا. وكان هوميروس نفسُه يشيدُ بمهارةِ حرفيّيها وإبداعِهم. لا تزال هناك تحدّياتٌ كبيرةٌ تعترضُ إنجازَ المتحف بالكامل، فقد كشف وزيرُ الثقافةِ غسان سلامة بأنَّ 50% من أعمالِ البناء قد أُنجِزت، وأنَّ هناك حاجةً إلى نحوِ 5 ملايينَ دولارٍ إضافيّةٍ لاستكمالِ المشروع نشأة المشروع والرؤية في 27 يونيو 2009، وُضِعَ حجرُ الأساسِ لمشروعِ “متحفِ صَيْدا التاريخيّ” في موقعِ الفرير، وهو موقعٌ أثريٌّ استثنائيّ يقعُ في قلبِ المدينةِ القديمة. كان هذا الحدثُ بمثابةِ نقطةِ تحوُّلٍ في تاريخِ المدينة، إذ أعطى الأملَ في أن تحظى صَيْدا أخيرًا بالمعلمِ الثقافيِّ الذي تستحقّه.الموقعُ الأثريُّ نفسُه يحكي قصةً حضاريّةً غنيّة. فقد كشفت الحفريّاتُ التي أجرتها بعثةُ المتحفِ البريطانيّ، بإشرافِ المديريّةِ العامّةِ للآثارِ اللبنانيّة، عن طبقاتٍ حضاريّةٍ متعدّدةٍ تعودُ إلى أكثرَ من 6000 عام. وقد تمَّ استخراجُ ما يقرُبُ من 1400 قطعةٍ أثريّةٍ من الموقع، تُغطّي فتراتٍ زمنيّةً تمتدُّ من الألفِ الثالثِ قبل الميلادِ وحتى العصورِ الوسطى. وتمثّل هذه القطعُ شهاداتٍ حيّةً على التنوّعِ الحضاريِّ الذي عاشَتْه المدينةُ عبرَ العصور. التمويل والشركاء الدوليون كان تمويلُ المشروعِ يعتمدُ على دعمٍ دوليٍّ سخيّ؛ فقد قدّم الصندوقُ الكويتيُّ للتنميةِ الاقتصاديّةِ العربيّة، والصندوقُ العربيُّ للإنماءِ الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ، هباتٍ كبيرةً لإنجازِ هذا المشروع. وكان الرئيسُ الأسبقُ فؤادُ السنيورة، الذي كان رئيسًا للحكومةِ في ذلكَ الوقت، له دورٌ أساسيٌّ في تأمينِ هذا التمويلِ والعملِ على إطلاقِ المشروع.تولّت “الشركةُ العربيّةُ للأعمالِ المدنيّة” مسؤوليةَ تنفيذِ الأعمالِ الإنشائيّة، بينما قدّمت شركةُ “خطيب وعلمي” الاستشاراتِ الهندسيّة. وكان المشروعُ مُقسّمًا إلى عدّةِ مراحلٍ تتضمّن المرحلةُ الأولى منها بناءَ القاعاتِ الرئيسيّةِ والمساحاتِ المخصّصةِ للقطعِ الأثريّة.للأسف، لم يسرِ المشروعُ وَفقًا للخطةِ الموضوعة؛ فقد شهد توقُّفًا طويلًا استمرَّ سنواتٍ عديدة، ما أدّى إلى تأخيرٍ كبيرٍ في إنجازِه. ويعود السببُ الرئيسيُّ لهذا التأخيرِ إلى الأزمةِ الاقتصاديّةِ والماليّةِ الحادّةِ التي ضربت لبنان منذ عام 2019.لم يقتصر تأثيرُ الأزمةِ على القطاعِ الخاصّ، بل امتدَّ إلى كافّةِ جوانبِ الحياةِ العامّة، بما فيها المشاريعُ الحكوميّةُ والبلديّة، وبينها المشاريعُ الثقافيّةُ والأثريّةُ التي تراجعت أولويّاتُها في ظلِّ الانهيار.وفي هذا السياق، توقّف مشروعُ متحفِ صَيْدا عن الحركةِ بشكلٍ فعليّ، رغم الحاجَةِ الملِحّة إليه كمعلمٍ قادرٍ على تنشيطِ الاقتصادِ المحلّي وجذبِ السيّاح. رسم متخيل لصيدا في الحقبة الفينيقية التحديات المتبقية والتمويل الناقصفي أكتوبر 2025، أعلن السنيورة، خلال زيارةٍ تفقديّةٍ لموقعِ المتحف، عن استئنافِ العملِ في المشروعِ بعد توقّفٍ قسريٍّ استمرَّ سنوات. وقال إنّ المرحلةَ الأولى من المشروعِ على وشكِ الانتهاء، ما يفتح البابَ أمام إمكانيةِ افتتاحٍ جزئيٍّ للمتحفِ في المستقبلِ القريب.خلال الزيارة، اطّلع السنيورة والوفدُ المرافقُ على تقدّمِ الأعمالِ في القاعاتِ الكبرى والباحاتِ المُطلّةِ على الطبقاتِ الأثريّة، كما جرى التأكيدُ على استمرارِ الدعمِ من الصندوقِ الكويتيّ والصندوقِ العربيّ.رغم الأخبارِ الإيجابيّة، لا تزال هناك تحدّياتٌ كبيرةٌ تعترضُ إنجازَ المشروعِ بالكامل. فقد صرّح وزيرُ الثقافةِ غسّان سلامة في سبتمبر 2025 بأنَّ 50% من أعمالِ البناء قد أُنجِزت، وأنَّ هناك حاجةً إلى نحوِ 5 ملايينَ دولارٍ إضافيّةٍ لاستكمالِ المشروع.ورغمَ أنَّ هذا المبلغَ يبدو كبيرًا في ظلِّ الأزمةِ الراهنة، إلّا أنّه استثمارٌ ضروريٌّ في الهويةِ الثقافيّةِ للمدينةِ والبلد. ويتطلّب تأمينُه تضافرَ جهودِ الحكومةِ والجهاتِ المانحةِ والمجتمعِ المحليّ.يمثّل متحفُ صَيْدا أكثرَ من مجرّدِ مبنى يحتوي على قطعٍ أثريّة؛ إنَّه رسالةٌ حضاريّةٌ إلى العالمِ بأنّ صَيْدا، رغم التحدّيات، لا تزال تفتخرُ بإرثِها وتسعى للحفاظِ عليه. فالمتحفُ سيقدّم منصّةً لروايةِ قصّةِ 6000 سنةٍ من التاريخِ الإنسانيّ، من الحضارةِ الفينيقيّةِ إلى العصورِ الوسطى، بما يُعزِّز الهويّةَ الثقافيّةَ لصَيْدا وجنوبِ لبنان.كما سيمنحُ الأجيالَ الحاليّةَ والقادمةَ فرصةً لفهمِ جذورِهم الحضاريّةِ والتعرّفِ إلى إنجازاتِ أسلافِهم.الفوائد الاقتصادية والسياحيةاقتصاديًّا، يمكن لمتحفِ صَيْدا أن يتحوّل إلى عاملِ جذبٍ سياحيٍّ رئيسيّ، إذ تُظهر التجاربُ العالميّةُ أنَّ المتاحفَ الكبرى تستقطبُ السيّاحَ وتُنشّطُ الاقتصادَ المحليّ وتخلقُ فُرصَ عمل. وفي ظلِّ الأزمةِ الراهنة، يحتاج لبنان بشدّةٍ إلى مشاريعَ كهذه تُعيد الحيويّةَ إلى القطاعِ السياحيّ.وصَيْدا، بموقعِها وتاريخِها، تمتلكُ كلَّ المقوّماتِ لتصبحَ وجهةً عالميّةً إذا ما اكتملت بنيتُها الثقافيّة. مَن يتحمّل المسؤولية؟ تأخيرُ المشروعِ لأكثرَ من 15 سنة يطرحُ أسئلةً حولَ المسؤوليّة: هل الحكومةُ مسؤولةٌ عن عدمِ تأمينِ التمويلِ؟ هل بلديّةُ صَيْدا قصّرت في الإشراف؟ هل كان يجب على الجهاتِ الدوليّةِ الضغطُ أكثر؟ الإجابةُ معقّدةٌ، لكنّ الواضحَ أنّ جميعَ الأطرافِ تتحمّل جزءًا من المسؤوليّة، وأنَّ الأزمةَ الاقتصاديّةَ، رغم حدّتِها، لا تُبرِّر التأخيرَ بالكامل. ويجبُ أن يكون هذا التأخيرُ درسًا للحكومةِ والبلديّاتِ حولَ أهميّةِ الاستثمارِ في الثقافةِ والتراث، فالثقافةُ ليست رفاهيّةً، بل عنصرًا أساسيًّا لبناءِ الهُويّةِ وجذبِ الاستثمارِ والسياحة. وعلى الرغمِ من التأخيرات، يبقى الأملُ قائمًا في أن يرى المتحفُ النورَ قريبًا؛ فاستئنافُ العملِ، ولو جزئيًّا، خطوةٌ إيجابيّةٌ على الطريقِ الصحيح. وصَيْدا، التي تمتدُّ أسطورتُها عبرَ آلافِ السنين، تستحقُّ متحفًا يروي قصّتَها بفخرٍ وعظمة، ويُضيفُ لَمعةً جديدةً إلى خريطةِ المتاحفِ العالميّة.
كانت يومًا رمزًا للحداثةِ والازدهارِ الاقتصادي، ومقصدًا للعائلاتِ الباحثةِ عن الترفيهِ والتسوّق. أمّا اليوم، تقِفُ المراكزُ التجاريّةُ الكبرى في مدينةِ صيدا، عاصمةِ الجنوبِ اللبناني، شواهدَ صامتةً على انهيارٍ اقتصاديٍّ غيرِ مسبوق، حوَّل أضواءَها البراقةَ إلى ظلالٍ باهتة، وممرّاتِها المزدحمةَ إلى مساحاتٍ تسكنُها الوحشة. لم تعُد هذه الصروحُ التجاريّةُ “إهراءاتِ روما” الحديثة، بل أصبحت أطلالًا لنموذجٍ استهلاكيٍّ لم يَعُد له مكانٌ في بلدٍ يُكافحُ لتأمينِ أبسطِ مقوّماتِ الحياة.لا يمكن فهمُ ما يحدثُ في صيدا بمعزلٍ عن السياق الوطني. فمنذ أواخر عام 2019، يمرّ لبنان بإحدى أسوأ الأزماتِ الاقتصاديّةِ والماليّةِ في التاريخِ الحديث، والتي صنّفها البنكُ الدوليّ ضمن أشدِّ ثلاثِ أزماتٍ عالميّةٍ منذ منتصف القرن التاسع عشر. انهيارٌ ومؤشّراتٌ سلبيّة هذا الانهيارُ الماليُّ الشاملُ كان له تأثيرٌ مباشرٌ وكارثيٌّ على قطاعِ التجزئة، الذي يعتمدُ بشكلٍ أساسيٍّ على الاستيراد. وجدت المراكزُ التجاريّةُ الكبرى نفسَها في قلبِ العاصفة، حيث تواجهُ معادلةً صعبة: تكاليفُ استيرادٍ باهظة، فمع تسعيرِ جميع السلعِ المستوردةِ بالدولارِ الأميركي، أصبحت تكلفةُ ملءِ الرفوفِ بالبضائعِ الجديدةِ فلكيّة، ما انعكس على أسعارِ البيعِ للمستهلك. تراجعُ القدرةِ الشرائيّة، إذ تَبَخَّرَت رواتبُ الموظّفينَ بالليرةِ اللبنانيّة، وتحوّلت السلعُ التي كانت تُعتبَر أساسيّة إلى كماليّاتٍ بعيدةِ المنال. لم يَعُد المواطنُ قادرًا على تحمّلِ تكاليفِ التسوّقِ في المراكزِ التجاريّة التي كانت تستهدفُ الطبقتين الوسطى والعليا. تكاليفُ تشغيلٍ عالية، بعدما تفاقمت الأزمةُ مع انقطاعٍ شبهِ تامٍّ للتيار الكهربائيّ الرسمي، ما أجبر المتاجرَ على الاعتمادِ على المولّداتِ الخاصّة العاملةِ بالديزل، والتي ارتفعت أسعارُها بشكلٍ جنوني، لتُضيف عبئًا ماليًّا هائلًا على كاهلِ التجار. نتيجةً لهذه العواملِ مجتمعة، شهد لبنان موجةَ إغلاقاتٍ واسعة. فبحلول عام 2022، أفادت تقاريرُ بإغلاق ما يقارب 35% من المتاجرِ في البلاد، كما انسحبت العديدُ من العلاماتِ التجاريّةِ العالميّة الكبرى، مُعلِنةً نهايةَ حقبةٍ من الاستهلاكِ المُترف. مدينةٌ تُكافحُ للبقاء في صيدا، لم تكن الصورةُ مختلفةً، بل ربما أكثر قتامة. فقد وصفت تقاريرٌ الوضعَ الاقتصاديَّ في المدينة بأنه “مشلولٌ وشبهُ معدوم”، حيث يعاني التجّارُ من انعدامِ الحركةِ التجاريّةِ والقدرةِ على تأمينِ البضائع. المراكزُ التجاريّةُ التي كانت تعُجُّ بالحياة، مثل Le Mall وThe Spot Saida، باتت تُكافحُ من أجل البقاء. صرّح أحدُ أصحابِ المراكزِ التجاريّة الكبرى، الذي اضطرّ لإغلاق خمسةٍ من فروعه الممتدةِ من الشمال إلى صيدا، بأن “الاستمرارَ بالعمل أصبح صعبًا لأن الخسائرَ تتزايد، ومدّخراتِ التجارِ تَبَدَّدت خلال العامِ ونصفِ العام الماضيين”. المفارقةُ تكمن في أنّ السوقَ التجاريَّ التقليديَّ القديمَ في صيدا، على الرغم من معاناتِه الشديدة، أظهر قدرةً أكبر على الصمودِ مقارنةً بالمراكزِ الحديثة. ويعود ذلك إلى مرونته وقدرتِه على التكيّفِ مع الواقع الجديد، حيث يعتمدُ على البيعِ بالدَّيْن، وتلبيةِ احتياجاتِ الطبقاتِ الشعبيّة التي لا تزال تبحثُ عن السلعِ الأساسيّة، بعيدًا عن رفاهيّة الماركات العالمية. ما بعد إطفاءِ الأضواء ليس تراجعُ المراكزِ التجاريّةِ ظاهرةً اقتصاديّةً فحسب، بل له تداعياتٌ اجتماعيةٌ عميقةٌ على مدينةِ صيدا، تتمثّل في: البطالة والهجرة: إذ كان هذا القطاعُ يُوظّف مئاتِ الشباب. ومع الإغلاقاتِ وتسريحِ الموظّفين، ارتفعت معدّلاتُ البطالة بشكلٍ حادّ، وتشير الإحصاءاتُ الوطنيّةُ إلى أن بطالةَ الشباب تجاوزت 47%، ما يدفع بجيلٍ كاملٍ إلى اليأس أو الهجرة، فيما يُعرَف بـ”نزيفِ الأدمغة”. تراجع إيرادات البلدية: شكّلت المراكزُ التجاريّة مصدرًا مهمًّا للرسومِ والضرائبِ البلديّة. ومع تراجع نشاطها، فقدت بلديةُ صيدا جزءًا من إيراداتِها، ما يحدّ من قدرتها على تقديم الخدماتِ الأساسيّة وصيانة البنية التحتية. تدهور الأمن الاجتماعي: ترافق الانهيارُ الاقتصادي مع تزايدٍ في معدّلات الجريمةِ والسرقاتِ في المدينة نتيجة الفقرِ واليأس، ما يهدد النسيجَ الاجتماعي ويُعمّق شعورَ السكانِ بانعدامِ الأمان. على مفترقِ طرق يقف قطاعُ المراكزِ التجاريّةِ في صيدا، ومعه المدينةُ بأكملها، على مفترقِ طرق. فضعفُ أدائه ليس مجردَ إحصائيّةٍ في تقريرٍ اقتصادي، بل هو قصةٌ إنسانيّةٌ عن أحلامٍ تبخّرت، ووظائفَ ضاعت، ومستقبلٍ بات غامضًا. إن استمرار هذا النزيف، دون حلولٍ جذريّةٍ للأزمةِ السياسيّة والاقتصاديّة الوطنيّة، يعني أنّ المزيدَ من الأضواء سيُطفأ، والمزيدَ من الأبواب سيُغلَق. إن إعادةَ إحياءِ الدور التجاري لصيدا يتطلّب أكثر من حلولٍ ترقيعيّة؛ إنه يتطلّب إعادةَ بناءِ الثقةِ بالاقتصاد، واستقرارَ سعر الصرف، ووضعَ خطةِ إنقاذٍ وطنيّةٍ شاملة. وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى المراكزُ التجاريةُ الكبرى في صيدا رمزًا لاقتصادٍ مُنهك، وصروحًا بُنيت للاستهلاك في زمنٍ لم يَعُد فيه المواطنُ يملك هذا الترف.
بعيدًا عن الأضواءِ والأعيُن، هناك بعضُ «الخِفاف» في المدينة، ممّن يمكنُ تسميتُهُم «مَشاريعَ نُوّابٍ حالمين» ومَوهومين، مُقتنِعون بأنَّ الجلوسَ على كُرسيٍّ نيابيٍّ يُمثِّلُ مدينةً عريقةً كصيدا، لا بُدَّ وأن يمرَّ مِن خلالِ مكتبِ مُقاوِلٍ تَفوحُ منه روائحُ الفسادِ والتبعيّةِ لِمَن هو أكبرُ منه في سُلَّمِ التراتبيّةِ لأمراءِ الحرب.حَتّى ولو كان قانونُ الانتخابِ الحالي غيرَ مُنصِفٍ بحقِّ صيدا، لكنَّ الزعامةَ والنِّيابةَ لا تَسقُطانِ بالبَاراشوت، أقَلَّهُ بالحدِّ الأدنى، وتِلكَ المبالغُ المطروحةُ للبازارِ السياسيّ كان مِن الأوْلى أن تُصرَفَ على تَنميةِ صيدا وتحسينِ أحوالِ أهلِها وحَلِّ مُشكلاتِهِم الكثيرة.المدينةُ اليومَ بينَ سِمسارٍ ومُقاوِل، لكنّها تبقى صيدا التي تُفاجِئُكَ حتّى في أصعَبِ مَراحِلِها لِتَلفِظَ المُستَجدّين، لا سيّما التّافِهينَ منهم.