ليست كل الاتفاقات تُقاس بعدد صفحاتها، ولا كل المصافحات تُترجم سلامًا. فبعض الوثائق لا تنهي الصراعات، بل تعيد ترتيبها، وتؤجّل لحظة انفجارها إلى موعد آخر. ومن هذا النوع يبدو الاتفاق الإطاري الثلاثي الذي وقّعته الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل في السادس والعشرين من يونيو/حزيران 2026؛ اتفاقٌ يحمل من الرمزية السياسية أكثر مما يحمل من القدرة التنفيذية، ويؤسس لمسار تفاوضي جديد، لكنه لا يقدّم حتى الآن ضمانة بأن هذا المسار سينتهي إلى استقرار دائم. للمرة الأولى منذ اتفاق السابع عشر من أيار عام 1983، يجلس لبنان وإسرائيل ضمن إطار تفاوضي مباشر ومعلن برعاية أميركية. إلا أن التشابه يتوقف عند الشكل، لأن السياق الإقليمي، وتوازنات القوة، وطبيعة الأطراف الفاعلة، جميعها تغيّرت بصورة جذرية. فلبنان اليوم ليس الدولة نفسها، وإسرائيل ليست في البيئة الأمنية ذاتها، والمنطقة بأكملها تتحرك على وقع إعادة رسم خرائط النفوذ بعد سنوات من الحروب المفتوحة. معادلة جديدة غير أن القراءة المتأنية لبنية الاتفاق تكشف أنه لا يشكّل معاهدة سلام، ولا حتى اتفاقًا تنفيذيًا متكاملًا، بل يمثّل إطارًا سياسيًا عامًا، ترك أهم عناصره لملحق أمني لم يُكتب بعد، وكأن الأطراف اتفقت على عنوان الكتاب، وأرجأت كتابة فصوله الأكثر حساسية. تكمن المفارقة الكبرى في أن الاتفاق يقوم على معادلة غير مألوفة في تاريخ التسويات العربية ـ الإسرائيلية. فبدلًا من القاعدة التقليدية التي قامت عليها معظم عمليات السلام، أي «الأرض مقابل السلام»، يطرح الاتفاق معادلة مختلفة تمامًا: «نزع السلاح أولًا… والانسحاب لاحقًا». skip render: ucaddon_material_block_quote هذه ليست مجرد إعادة ترتيب للأولويات، بل إعادة تعريف كاملة لمفهوم المقايضة السياسية. فإسرائيل لا تلتزم بانسحاب كامل ومحدد زمنيًا، بل تربطه بإنجاز عملية نزع سلاح حزب الله والتحقق منها ميدانيًا. أما لبنان، فيتحمّل منذ اللحظة الأولى العبء التنفيذي الأكبر عبر الجيش اللبناني، الذي يصبح مسؤولًا عن استلام المناطق، وضمان خلوّها من السلاح، وإدارة واحدة من أكثر العمليات الأمنية تعقيدًا في تاريخ الدولة اللبنانية الحديثة. المقايضة السياسية وبذلك يتحول الانسحاب الإسرائيلي من حقّ يفترض أن يكون مرتبطًا بالسيادة الوطنية، إلى نتيجة مشروطة بمسار أمني طويل، متعدد المراحل، وقابل للتوقف أو التراجع في أي لحظة. ومن هنا تحديدًا، يبرز الاختلال البنيوي في الاتفاق. فالالتزامات اللبنانية واضحة ومباشرة، بينما تبقى الالتزامات الإسرائيلية مرنة، مشروطة، وقابلة لإعادة التفسير تبعًا للظروف الأمنية كما تراها تل أبيب. ولا يقل أهمية عن ذلك الغائب الأكبر عن الاتفاق نفسه: حزب الله. فالوثيقة تناقش عمليًا مستقبل سلاح الحزب، لكنها لا تتضمن الحزب طرفًا في التفاوض، ولا توقيعًا منه، ولا التزامًا سياسيًا أو قانونيًا بتنفيذ ما ورد فيها. وهذه ليست مجرد ثغرة إجرائية، بل تمثل جوهر الأزمة. فلا يمكن لأي اتفاق يسعى إلى معالجة ملف السلاح أن ينجح إذا كان الطرف الذي يمتلك هذا السلاح خارج العملية التفاوضية، خصوصًا أن الحزب أعلن رفضه للاتفاق، واعتبره مدخلًا لإعادة إنتاج الضغوط الداخلية عليه، محذرًا من إمكانية انزلاق البلاد نحو مواجهة داخلية إذا تحول تنفيذ الاتفاق إلى صدام لبناني ـ لبناني. اتفاق بلا ضمانات… ومرحلة مفتوحة على الخطر هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن تنفيذ اتفاق لا يملك أدوات تنفيذه الذاتية؟ الإجابة الوحيدة التي يقدمها الاتفاق هي: الولايات المتحدة. فالوثيقة تجعل واشنطن الضامن الوحيد للعملية بأكملها، سياسيًا وأمنيًا. غير أن هذا الضمان، على أهميته، يحمل في داخله نقطة ضعف أساسية، لأنه يجعل الاتفاق مرتبطًا باستمرار الانخراط الأميركي، وباستمرار الأولوية التي تمنحها الإدارات الأميركية للملف اللبناني. وفي منطقة تتغير فيها الأولويات بسرعة، ويُعاد فيها توزيع الموارد الاستراتيجية بصورة مستمرة، فإن أي تراجع أميركي مستقبلي قد يحوّل الاتفاق إلى وثيقة بلا قوة دفع حقيقية. ولا يمكن فصل هذا التطور عن السياق الإقليمي الأوسع، ولا سيما توقيع مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية لمدة ستين يومًا، والتي تبدو وكأنها توفر مظلة زمنية مؤقتة تسمح للطرفين بإدارة ملفات الاشتباك دون الوصول إلى مواجهة مباشرة. من هذه الزاوية، يصبح الاتفاق اللبناني ـ الإسرائيلي جزءًا من هندسة تهدئة إقليمية أوسع، أكثر منه مبادرة مستقلة بذاتها. فإذا نجحت التفاهمات الأميركية ـ الإيرانية، قد يجد الاتفاق فرصة للتقدم. أما إذا انهارت تلك التفاهمات، فإن الوثيقة نفسها قد تتحول إلى أولى ضحايا التصعيد الجديد. لكن الاختبار الحقيقي للاتفاق لا يبدأ في قاعات التوقيع، بل على الأرض. فالوثيقة اختارت أن تبدأ بمنطقتين تجريبيتين، إحداهما شمال الليطاني والأخرى جنوبه، باعتبارهما مختبرًا عمليًا لقياس إمكانية تطبيق النموذج قبل تعميمه. وهذا الخيار يعكس إدراكًا ضمنيًا لدى جميع الأطراف بأن الاتفاق يحمل قدرًا كبيرًا من المخاطرة، وأن الانتقال مباشرة إلى تنفيذ شامل قد يؤدي إلى انهياره الكامل منذ اللحظة الأولى. غير أن نجاح التجربة المحدودة لا يعني بالضرورة نجاح المشروع بأكمله، كما أن فشلها قد ينسف الاتفاق قبل أن يغادر مرحلته الأولى. وبين هذين الاحتمالين، تتوزع السيناريوهات المستقبلية. السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تجميد تدريجي للاتفاق؛ فلا ينهار رسميًا، ولا يتقدم عمليًا، بل يبقى قائمًا شكليًا مع تنفيذ جزئي لبعض البنود وإرجاء القضايا الأكثر حساسية. أما السيناريو الثاني فيقوم على نجاح محدود داخل المنطقتين التجريبيتين، بما يسمح ببناء قدر من الثقة قد يفتح الباب أمام توسع تدريجي لاحق. ويبقى السيناريو الأخطر هو تحول عملية نزع السلاح إلى مصدر احتكاك داخلي، بما يعيد إنتاج الانقسام اللبناني في صورة أكثر حدّة، خصوصًا إذا اعتبر أي طرف أن تنفيذ الاتفاق يستهدف توازنات القوة داخل البلاد. أما السيناريو الرابع، وهو الأقل احتمالًا لكنه الأعلى كلفة، فيتمثل في انهيار الاتفاق بالكامل نتيجة تصعيد إقليمي واسع يعيد الجنوب اللبناني إلى دائرة الحرب المفتوحة، ويطيح بكل ما بُني على الورق. في المحصلة، لا يبدو الاتفاق الإطاري الثلاثي نهاية للصراع، بل بداية لمرحلة جديدة من إدارة الصراع. إنه إنجاز دبلوماسي بلا شك، لكنه لا يزال بعيدًا عن أن يكون إنجازًا استراتيجيًا. فالوثائق تستطيع أن ترسم الطريق، لكنها لا تستطيع أن تضمن السير فيه. ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لهذا الاتفاق لن تُقاس بعدد البيانات الرسمية التي ستصدر حوله، ولا بحجم الترحيب الدولي الذي سيحظى به، بل بمدى قدرة التجربة الأولى في المنطقتين النموذجيتين على الصمود أمام تعقيدات الواقع اللبناني وتشابكات الإقليم. skip render: ucaddon_box_testimonial
في الوقت الذي يواصل فيه بنيامين نتنياهو تسويق رواية الانتصار، تبدو الصورة مختلفة تمامًا داخل إسرائيل نفسها. فالمشهد الإعلامي والسياسي الإسرائيلي يشهد موجة غير مسبوقة من المراجعات والانتقادات، تجاوزت حدود المعارضة التقليدية لتشمل أصواتًا من مختلف الاتجاهات السياسية، تتحدث عن فشل استراتيجي عميق أصاب المشروع الذي قاده نتنياهو طوال سنوات حكمه. لم تعد المسألة خلافًا حول إدارة حرب أو أزمة عابرة، بل تحولت إلى نقاش وجودي حول مستقبل الدولة نفسها، وهويتها، وقدرتها على الاستمرار في ظل الحروب المفتوحة والاستنزاف المستمر. في صحيفة «هآرتس»، يلتقط الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي حالة الإحباط العامة داخل المجتمع الإسرائيلي، ساخرًا من خطاب الحداد الجماعي الذي اجتاح النخب السياسية والإعلامية، وكأن إسرائيل تواجه واحدة من أكبر أزماتها التاريخية. غير أن ليفي لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يرى فيها فرصة نادرة لإعادة التفكير في المسار الذي قاد إسرائيل إلى هذا المأزق. فبحسب رؤيته، لا يمكن لدولة تعيش في حالة حرب دائمة أن تضمن أمنها أو استقرارها، ولا يمكن لمشروع الاحتلال أن يستمر إلى ما لا نهاية من دون أن يرتد على أصحابه. ومن هنا يدعو إلى مراجعة شاملة تشمل الانسحاب من الأراضي المحتلة، وإنهاء السياسات العسكرية المفتوحة، وإطلاق الأسرى الفلسطينيين، وحسم السؤال المؤجل منذ عقود: هل تريد إسرائيل دولتين، أم دولة ديمقراطية واحدة لجميع سكانها، أم الاستمرار في نظام فصل عنصري يقودها إلى عزلة وانتحار سياسي وأخلاقي؟ skip render: ucaddon_material_block_quote انهيار مشروع نتنياهو الاستراتيجي أما الكاتب أوري مسجاف، فيذهب أبعد من ذلك عندما يعلن أن نتنياهو يقترب من نهاية مسيرته السياسية. فالرجل الذي بنى مشروعه السياسي على فكرة «الخطر الإيراني» يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف. فبعد سنوات من التحريض والتصعيد ومحاولات حشد العالم ضد طهران، انتهى المسار إلى نتائج لا تتوافق مع الوعود التي قدّمها للإسرائيليين. ويصف مسجاف ما جرى بأنه فشل جيوسياسي مدوٍّ أصاب جوهر المشروع الذي حمله نتنياهو منذ عودته إلى السلطة، مؤكدًا أن الأزمة الحالية ليست أزمة حكومة فحسب، بل أزمة قيادة فقدت قدرتها على إقناع جمهورها بأن التضحيات المتواصلة تحقق أهدافًا حقيقية. الخوف من ما بعد نتنياهو المفارقة أن القلق داخل إسرائيل لم يعد مقتصرًا على بقاء نتنياهو في السلطة، بل بات يشمل أيضًا الطريقة التي قد يتصرف بها خلال ما تبقى من عمره السياسي. فمع تزايد الضغوط القضائية والسياسية والشعبية عليه، ترتفع التحذيرات من إمكانية لجوئه إلى مزيد من التصعيد العسكري أو الأمني للهروب إلى الأمام. وفي هذا السياق، يتحدث بعض المعلقين الإسرائيليين عن احتمال توسيع دائرة المواجهات في الضفة الغربية، أو إبقاء جبهتي غزة ولبنان مشتعلة، وربما البحث عن مواجهة جديدة تعيد إنتاج حالة الطوارئ التي طالما استفاد منها سياسيًا. إنها لحظة يختلط فيها مصير الدولة بمصير الزعيم، وتصبح القرارات الاستراتيجية رهينة الحسابات الشخصية أكثر من ارتباطها بالمصلحة الوطنية. إسرائيل وحيدة أمام تحولات المشهد الدولي الأكثر دلالة في النقاش الإسرائيلي الراهن هو الشعور المتزايد بأن إسرائيل لم تعد تحظى بالدعم المطلق الذي اعتادت عليه. ففي صحيفة «يديعوت أحرونوت»، تعكس الكاتبة أريئيلا رينغل هوفمان حالة القلق من التحولات التي طرأت على الموقف الأميركي، معتبرة أن المصالح الأميركية بدأت تفرض نفسها على حساب الرغبات الإسرائيلية. وتكشف هذه القراءة عن أزمة أعمق تتمثل في اهتزاز القناعة الإسرائيلية التقليدية بأن واشنطن ستبقى دائمًا مستعدة لخوض المعارك السياسية والعسكرية نيابة عنها أو من أجلها. إن الرسالة التي يقرأها كثيرون في إسرائيل اليوم واضحة: الولايات المتحدة تدير مصالحها أولًا، وعندما تتعارض هذه المصالح مع حسابات تل أبيب، فإن الأولوية ستكون للمصلحة الأميركية لا للرغبة الإسرائيلية. ماذا تعني هذه المراجعات للفلسطينيين؟ لا ينبغي للفلسطينيين والعرب أن ينظروا إلى هذه الأصوات باعتبارها إعلانًا لانهيار إسرائيل أو نهاية الصراع، لكنها تكشف عن حقيقة مهمة لطالما حاولت المؤسسة الإسرائيلية إخفاءها: القوة العسكرية وحدها لا تصنع استقرارًا دائمًا، والتفوق التكنولوجي لا يلغي الحقائق السياسية والتاريخية. فبعد عقود من الاحتلال والحروب والحصار، يعود السؤال الفلسطيني ليحتل مركز النقاش داخل إسرائيل نفسها. وليس مصادفة أن تتزايد الأصوات التي تتحدث عن استحالة إدارة الصراع إلى الأبد، وعن الحاجة إلى حل سياسي جذري يعالج أصل المشكلة لا نتائجها فقط. لحظة مفصلية ما يجري داخل إسرائيل اليوم ليس مجرد سجال إعلامي عابر، بل مؤشر على مرحلة جديدة تتعرض فيها المسلّمات القديمة للاهتزاز. فالمشروع الذي قام على فرض الوقائع بالقوة يواجه أسئلة لم يعد بالإمكان تجاهلها، والقيادة التي وعدت بالأمن تجد نفسها أمام مجتمع أكثر قلقًا وأقل ثقة بالمستقبل. وفي خضم هذه التحولات، تبدو القضية الفلسطينية أكثر حضورًا مما أراد كثيرون الاعتقاد. فكل محاولات تجاوزها أو تهميشها أو الالتفاف عليها انتهت إلى النتيجة نفسها: لا استقرار حقيقيًا في المنطقة من دون معالجة عادلة لجوهر الصراع، ولا أمن دائمًا لدولة تقوم على إنكار حقوق شعب آخر skip render: ucaddon_box_testimonial
لا مكان لأمثالنا في هذا الزمن. ربما لا بأس برحلة قصيرة إلى الفضاء، لا هرباً من الأرض، بل بحثاً عن مسافةٍ ننظر منها إلى هذا العالم من بعيد، علّنا نفهم كيف وصل إلى كل هذا العبث والسخف والغباء. تخيّل أنك تجلس في مسبارٍ يدور حول الكوكب، تنظر من نافذة ضيّقة إلى الأرض، ماذا كنت سترى؟ كنت سترى عالماً لا تحكمه القيم التي يكثر الحديث عنها، ولا المؤسسات التي تملأ الشاشات ببياناتها، ولا مراكز الدراسات التي ترسم الخرائط وتنتج المصطلحات. كنت سترى شيئاً أبسط وأكثر فجاجة: مزاج رجل، وحقد مشروع، وعجز أمة، واحتلال يعرف كيف يستثمر في كل ذلك. أميركا من هناك، من علوٍّ بارد، ستبدو أميركا أقل شبهاً بالإمبراطورية العاقلة التي روّجت لنفسها طويلاً، وأكثر شبهاً بدولة عظمى يقودها رجل يخلط بين السياسة والاستعراض. كل ذلك الكلام عن المؤسسات العميقة، والتقاليد الديمقراطية، ومراكز التفكير، وغرف العمليات، والعقول التي تحسب دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمّاء في الليلة الظلماء، يتهاوى فجأة أمام رجل اسمه دونالد ترامب. يغفو على موقف ويصحو على نقيضه. يهدد في الصباح، يفاوض في المساء، ثم يخرج ليبيع العالم رواية انتصارٍ لا يصدّقها حتى من صاغها له. ليست المشكلة في ترامب وحده، بل في النظام الذي سمح لرجلٍ بهذه الخفّة أن يتحكّم بمصائر دول وأسواق وشعوب. هنا تسقط الأسطورة الأميركية من داخلها. لا تعود أميركا تلك القوة التي لا تُهزم، بل قوة ضخمة مرتبكة، تملك كل أدوات البطش، لكنها لا تملك دائماً حكمة استخدامها. لقد أرادت واشنطن أن تبدو كمن يفرض شروطه على العالم، فإذا بها تكشف أن القوة، حين تُدار بالغرور، تصبح نوعاً آخر من الضعف. إيران على الضفة الأخرى، لا تبدو إيران بريئة ولا مظلومة كما تحب أن تقدّم نفسها. هي ليست مجرد دولة محاصرة تدافع عن سيادتها، بل مشروع عقائدي سياسي طويل النفس، يتقن استخدام المظلومية، ويحوّل التاريخ إلى وقود دائم للنفوذ وتغذية الكراهية. في الخطاب الإيراني كثير من الدين، وكثير من الثورة، وكثير من الشعارات عن المستضعفين. لكن خلف كل ذلك، تقف دولة تعرف جيداً كيف تفاوض، كيف تصبر، كيف تستثمر في الفوضى، وكيف تجعل من جراح الآخرين أوراقاً في يدها. إيران لا تقاتل وحدها، هي تحسن اختيار ساحات الآخرين. وحين يغيب العرب، أو يترددون، أو ينشغلون بزجاج أبراجهم ومواسمهم السياحية، تملأ الفراغ. فالذئاب لا تحتاج إلى دعوة حين تكون الحظائر مفتوحة. العرب ثم تشيح بوجهك قليلاً، فترى العرب. ترى أمة تملك المال، والجغرافيا، والطاقة، والممرات، والتاريخ، واللغة، والمقدسات، لكنها تتصرف غالباً كمن لا يملك قراره. تراهم وقد أضاءوا ليل الصحراء بمدن مذهلة، وشيّدوا أبراجاً تناطح السحاب، وبنوا عواصم ذكية، وفتحوا أبواب الترفيه والتسوّق… لا عيب في العمران، ولا في الفرح، ولا في الحداثة. العيب أن يصبح كل ذلك ستاراً ناعماً فوق هشاشة سياسية وعسكرية ودينية لا يمكن إخفاؤها. مئات المليارات صُرفت على صفقات السلاح. طائرات، ومنظومات، وقواعد، وتحالفات، واستعراضات عسكرية. ثم تأتي لحظة الحقيقة، فإذا بأبرز ما يراه المواطن هو تطبيق إنذار على هاتفه يطلب منه التوجّه إلى مكان آمن، احتماءً من صاروخ أو مسيّرة رخيصة أطلقتها قوة تعرف كيف تستثمر في خوفه أكثر مما تستثمر دولته في حمايته. المشكلة ليست في العرب، فالشعوب تُرهق وتُخذل وتُدفع إلى اليأس. المشكلة في أنظمة كثيرة أتقنت إدارة الرفاه أكثر مما أتقنت إدارة السيادة، وأجادت شراء السلاح أكثر مما أجادت استخدامه، ورفعت شعارات القوة فيما كانت عاجزة عن حماية سمائها وقرارها وكرامتها. هنا يصبح الوهن أخطر من الهزيمة. فالهزيمة قد تكون عابرة، أما الوهن حين يتحول إلى نمط حكم وثقافة انتظار، فإنه يصير قدراً محتوماً من الصعب كسره. إسرائيل أما هناك، في تلك الأرض المغتصبة، فتكمن الحكاية في أصلها وخواتيمها. إسرائيل لا تحتاج إلى أن تكون الأقوى دائماً. يكفيها أن يكون الآخرون متفرقين. لا تحتاج إلى أن تنتصر وحدها، ما دام خصومها يقدّمون لها الهدايا تباعاً: أميركا مرتبكة، إيران توسّع نفوذها بما يخدم سردية الخطر، والعرب عاجزون عن بناء موقف واحد متماسك. هناك تُصنع السياسات ببرودة لا تشبه صخب المنطقة. تُدار الحروب كملفات، وتُرتّب الأولويات على قاعدة المصلحة العارية، وتُستثمر كل فجوة عربية، وكل تهوّر إيراني، وكل مزاج أميركي، لصناعة واقع جديد على الأرض. إسرائيل أصل الجرح، لكنها ليست وحدها سبب النزيف. فالجرح يكبر حين يجد جسداً ضعيف المناعة، وبيئة سياسية عاجزة عن المواجهة، ونظاماً عربياً يكثر من البيانات ويقلّ فيه الفعل. عالم لا يُطاق من نافذة ذلك المسبار، سيبدو العالم أكثر وضوحاً، وربما أكثر قسوة. لا أسف على عالمٍ كهذا. عالمٌ تتقدّم فيه الغريزة على الحكمة، والثأر على الدولة، والاستعراض على السيادة، والاحتلال على العدالة. لكن الأسف الحقيقي ليس على العالم. الأسف علينا، نحن الذين نرى كل شيء، ونفهم كثيراً مما يجري، ثم نعود كل مرة إلى الأرض نفسها، وإلى العجز نفسه، وإلى انتظار معجزة لا تأتي. فالفضاء يمنحك المسافة، لكنه لا يمنحك الخلاص. الخلاص يبدأ حين تكفّ الأمم عن تبرير ضعفها، وحين تدرك أن من لا يملك قراره، سيبقى دائماً مجرد تفصيل صغير في خرائط الآخرين.