في سنة 1887، وفي زيارة عابرة لمجلة «المقتطف» في القاهرة، اقترح يعقوب صروف على صديقه سليمان البستاني أن يترجم الإلياذة إلى العربية. أخذ الاقتراح من البستاني خمس عشرة سنة تقريبًا. بدأ ثم توقف، ثم عاد إليه حين استقر في القاهرة سنة 1896، ولم يفرغ منه إلا سنة 1902، ثم استغرقت الطباعة سنتين أخريين. وحين صدرت الترجمة أخيرًا عن دار الهلال سنة 1904، جاءت في أحد عشر ألف بيت، بقوافٍ متنوعة، وهوامش شارحة تكاد تكون كتابًا ثانيًا – أقام له حينها أدباء مصر حفل تكريم في فندق شبرد. وأنا أفكر في هذه الحادثة، لا يشغلني الجهد الأسطوري فيها فقط، تشغلني نتيجته أيضًا. فما وصل إلى العربية لم يكن هوميروس. كان هوميروس منظومًا على عمود الشعر العربي، بمعجم وإيقاع وذاكرة ليست له. البستاني لم ينقل الملحمة، بل صنع لها نسخة عربية لم تكن موجودة قبله، ثم صارت هي الملحمة عندنا. وهذا، في رأيي، هو موضوع فيلم كريستوفر نولان بالضبط، ما نتسلمه بوصفه أصلًا هو دائمًا شيء أُنتج، وغالبًا أُنتج بثمن لا يُذكر في الحفل. الاكتمال والنقصان قيل عن أوديسة نولان إنها مرثية لعصر بطولي أفل. والمرثية تفترض اكتمالًا سابقًا وخسارة لاحقة، وتفترض بالتالي أن ما جاء بعد هو نقصان. لكن الفيلم لا يشتغل هكذا. إنه لا يروي أفول نظام، بل يروي اللحظة التي يصير فيها نظام آخر ممكنًا، واللحظة التي تصير فيها الجريمة شرطًا لهذا الإمكان لا عارضًا فيه. والفارق ليس تفصيلًا في التأويل، بل هو ما يحدد ما يمكن أن نراه في الفيلم أصلًا. أعترف أن رد فعلي الأول كان الاستغراب. كنت قد قرأت مراجعات كثيرة مأخوذة بالضخامة الاستعراضية وبخشونة القتال، ثم جلست أمام فيلم هو نقيض هذا الوصف تقريبًا: دراما مغلقة تكاد تكون دراما حجرة. لا نرى الشاطئ المقابل لطروادة وقد احتشد عليه آلاف الجنود، ولا مئات السفن خلفهم، ولا معركة جماعية يتقاتل فيها المئات. اليونانيون على الشاطئ مجموعة صغيرة تائهة فوق رمال مقفرة في طقس رديء، وطروادة ليست مدينة هائلة بل تجمع مبانٍ تفصل بينها شوارع ضيقة ومتعرجة. وحتى كاريبديس ليست دوامة تبتلع العالم، بل دائرة مائية متواضعة لا تكاد تهدد أحدًا. skip render: ucaddon_material_block_quote انتزاع المبالغة ثم فهمت أن هذا التقشف ليس عجزًا في الإخراج ولا اقتصادًا في الإنتاج، بل هو الأطروحة نفسها معروضة بالصورة. البطولة، حين تنزع عنها المبالغة، تعود إلى حجمها الفعلي، وهو حجم صغير ومتسخ. ما ظننته ضعفًا في الفيلم هو أدق ما فيه. ولنتفق على أمر لاحظه القراء منذ زمن بعيد: الإلياذة تنظم نفسها حول مآثر الرجال، وتترك النساء رموزًا في الخلفية. تبدأ القصيدة بغضب أخيل حين يأخذ منه أغاممنون الجارية بريسيس، وليس في هذا الغضب أثر لتعلق عاطفي، بل جرح في الكبرياء وحده، وهذا وحده هو المهم. أما الأوديسة فتزيح المنظور، ونولان يذهب في هذه الإزاحة أبعد مما توقعت: النجمات اللواتي يؤدين أدوار النساء لا يخضعن للتجميل، والتصوير يظهر أعمارهن كاملة، بمباشرة تكاد تكون محرجة أحيانًا. وهن في الغالب منزوعات الطابع الجنسي؛ فكاليبسو التي احتفظت بأوديسيوس عشيقًا لها سنوات لا يقوم بينها وبينه أي توتر إيروتيكي يُذكر. ويبلغ هذا ذروته في سيرسي. في القصيدة، هي الفاتنة التي تغوي الرجال وتمسخ من يرفض إغراءها خنازير، وتحتفظ بأوديسيوس عامًا كاملًا. في الفيلم، هي ببساطة امرأة يثير اشمئزازها نهم الرجال، فتمسخهم خنازير حين يعجزون عن الكف عن الأكل. لاحظوا الفرق: المسخ لم يعد عقابًا على مقاومة الإغراء، بل صار توصيفًا دقيقًا لما هم عليه أصلًا. ويعمل الفيلم في الاتجاه المقابل مع الرجال. فأغاممنون، وهو أرفع الشخصيات الذكورية مقامًا، لا يكاد يملك ملامح: خوذته الضخمة تحجب وجهه في معظم المشاهد. وجنود طروادة مجهولون ومنزوعو الفردية بدورهم. ولهذا، فحين يصور الفيلم جرائم اليونانيين وخداعهم، فإنه لا يفعل ذلك بوضعهم في مواجهة طرواديين أنبل وأجدر بالتعاطف. لا يوجد طرف نظيف يقاس عليه. وهذا بالضبط ما يمنعنا من قراءة الفيلم بوصفه إدانة أخلاقية مريحة. وحصان طروادة هو الموضع النموذجي لكل هذا. وهنا مفارقة تستحق التوقف: الحصان لا يرد في الإلياذة، وهي القصيدة التي تتناول حرب طروادة، ولا يُذكر في الأوديسة إلا عرضًا. أما وصفه التفصيلي، ذاك الذي نعرفه جميعًا، فلا يظهر إلا في الإنيادة، أي بعد قرون، حين صار سقوط طروادة حكاية تأسيسية لشعب آخر. الصورة الأكثر رسوخًا في ذاكرتنا عن الحرب هي إضافة لاحقة كتبها الطرف الذي احتاج إليها. البستاني مرة أخرى، بصيغة أخرى. البطولة، حين تُنزع عنها المبالغة، تعود إلى حجمها الحقيقي: صغيرًا، متسخًا، وإنسانيًا البطولة الاستهلاكية ولا يعرض نولان قفزة المحاربين من بطن الحصان. يعرض الانتظار. أيامًا يقضيها الأبطال في الداخل، متلاصقين، يتبولون ويتغوطون بعضهم فوق بعض، تحت جوع حيواني إلى الحسم. المشهد طويل وخانق ومقصود الطول، وقد خرج بعض المشاهدين من الصالة عنده. وهو يعمل بمنطق التغريب البريختي: لا ينفي الحدث البطولي، بل يمنع استهلاكه بوصفه بطوليًا، ويجبرك على رؤية المادة التي صُنع منها. أما الجريمة المؤسسة فتقع في أول الفيلم، قبل أن ننتبه إليها. سينون، جندي يوناني شاب، مدفون نصفه في الرمل إلى جانب الحصان، تُرك ليخبر الطرواديين بأن اليونانيين رحلوا، وأن الحصان هدية مصالحة يجدر جرها إلى داخل المدينة. ولم يخبره أوديسيوس بأن نخبة المقاتلين مختبئة في بطنه. كان يعلم أن دورية طروادة ستقتله، وكان يريد أن يصدق الطرواديون الوصف الذي سيقدمه لهم. والسبب دقيق، لو عرف سينون حقيقة الحصان لما استطاع تمريره. الوصف الكاذب لا يشتغل إلا إذا كان حامله يظنه صادقًا. وهذا ما يجعل الخدعة أكثر من كذبة، لأنها إنتاج لصنف. الحصان ليس شيئًا أُخفيت حقيقته، بل شيء أُدرج في فئة، هي «هدية طقسية»، وصار يفعل فعله بوصفه عضوًا في تلك الفئة. والثمن الذي يقتضيه هذا الإدراج هو أن يكون هناك من يحمله دون أن يعرفه، ويدفع حياته ثمن جهله. كان دانتي محقًا حين وضع أوديسيوس في الدائرة الثامنة في جحيمه. يقول أوديسيوس في الفيلم إنهم يعيشون نهاية العصر البرونزي. والعبارة، على قصرها، مستحيلة. فالعصر البرونزي تسمية لاحقة لا يملكها من هو بداخله، والوعي بأنك تقف على حد حقبة وعي لا يتاح إلا لمن جاء بعد. أوديسيوس لا يرثي عالمه لأنه يعرف أنه ينتهي، يرثيه لأن الرثاء يعفيه من معرفة أن ما يفعله هو ما يؤسس ما سيأتي. وهذه، بالمناسبة، ليست خطيئة قديمة وحدها. نشوء حضارة وهنا يصبح جيمسون ضروريًا. فهو يقترح ألا نقرأ أنتيغونا بوصفها مسرحية عن أزمة المدينة اليونانية أو عن تفكك وحدتها العضوية، بل بوصفها مسرحية عن نشوء الدولة عبر الانقسام بين المجال العائلي الخاص والمجال العام للدولة؛ فالدولة التي لا تقوم على هذه الفجوة ليست دولة. وبالمنطق نفسه: ماذا لو لم تكن الأوديسة قصة اختفاء المحاربين وصعود روح جديدة قائمة على الكذب، بل كانت في الوقت نفسه
من المؤسف أن يقع مثقف واسع الاطلاع ضحية آلية اقتطاع دعائي مبتذل، وأن تختزل جملة قيلت في سياق الاستشهاد إلى عبارة مبتورة توحي بتبن مباشر لمقولة لم تقل. ولا خلاف على أن هذا الأسلوب في صيد الاستفزاز صار جزءا من اقتصاد المشاهدات، وأن القنوات تعرف تماما أين تضع السكين، في بداية الجملة أو نهايتها. وقد بيّن وسام سعادة أكثر من مرة أن ما حدث جرى بغير علمه، وقد شكا ضعف المهنية والاحتراف لدى هذه القناة. والجملة التي أثارت جدلا هي اقتباس من ساطع الحصري، إذ اعتبر أن العصر الذهبي للعرب هو عصر الجاهلية، لكن القناة عند الإعلان عن الحلقة اقتطعت ذكر ساطع الحصري، فظهر وسام سعادة كأنه يقول رأيه.وبما أن الموضوع أثار جدلا، فربما تكون هذه مناسبة لشرح بعض المسائل المعروفة في مجال الدراسات الإسلامية، والتي قد لا تكون واضحة للقارئ غير المتخصص، وقد وردت ضمن النقاط التي أثيرت. الجاهلية كمفهوم إن التفكير في مفهوم الجاهلية ذاته أمر مشروع ومهم دون شك. فمن الممكن قراءة النص القرآني على أن الجاهلية ليست توصيفا زمنيا فحسب، بل حالة سلوكية وقيمية قد تتجاوز التحقيب التاريخي الضيق. والتفريق بين الجاهلية كمفهوم أخلاقي، والجاهلية كمرحلة تاريخية في شبه الجزيرة العربية، مسألة تستحق الدراسة الهادئة بعيدا عن التوظيف السياسي أو الشعاراتي. والبحث في هذا الباب يمكن أن يكون إضافة معرفية حقيقية. وفي التراث الإسلامي ما يوضح هذه الدلالة بجلاء، كما في الحديث المعروف حين عيّر الصحابي أبو ذر رجلا بأمه لأنها كانت أعجمية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية. هذا السياق يبين أن المسألة ليست مسألة تحقيب زمني فقط، بل سلوك وقيم. طه حسين وحدود المنهج أما قضية الأديب العربي الكبير طه حسين فهي محطة مهمة في تاريخ الفكر العربي الحديث. كان منهجه قائما على الشك التاريخي في مصادر الرواية العربية المبكرة، وهو توجه تأثر فيه بجو نقدي شائع في دراسات ذلك الزمن. ورأى أن كثيرا مما نسب إلى العصر الجاهلي صيغ في عصور لاحقة لخدمة اعتبارات لغوية أو قبلية أو سياسية. غير أن الإشكال ظهر عندما انتقل هذا المنهج من التشكيك في نصوص أدبية إلى مساءلة البنية التاريخية التي تتصل، مباشرة أو غير مباشرة، ببعض الروايات الإيمانية. ففي بعض المواضع بدت قراءته وكأنها تفصل بين المعطى الديني بوصفه إيمانا، وبين المعطى التاريخي بوصفه مادة قابلة للفحص والنقد، وهو ما فُهم عند كثيرين على أنه يمس شخصيات دينية مذكورة في القرآن، مثل إبراهيم وإسماعيل، لا من باب الإنكار العقدي المباشر، بل من باب مساءلة السرد التاريخي المرتبط بهما. هنا كان جوهر الإشكال، أي حدود النقد التاريخي حين يلامس الذاكرة الدينية الجماعية. وهذه مسألة فكرية معقدة تتعلق بعلاقة المنهج التاريخي بالنصوص المؤسسة، وليست مسألة دفاع عن الجاهلية بوصفها عصرا ذهبيا. باتريشيا كرون ودور مكة التجاري أما في ما يخص باتريشيا كرون، فقد ناقشت في كتابها الصادر عام 1987 الصورة الاقتصادية التي رسمت لمكة في بعض الدراسات الكلاسيكية، خاصة تلك التي اعتبرتها مركزا رئيسيا في شبكة تجارة عالمية بين اليمن والشام. اعتمدت كرون على تحليل مسارات التجارة المعروفة في المصادر الكلاسيكية، وخلصت إلى أن الدور التجاري المنسوب إلى مكة قد يكون أقل مما صورته السيرة التقليدية أو بعض المستشرقين السابقين، مثل مونتغمري وات. غير أن أطروحتها لم تُستقبل كحقيقة نهائية، بل واجهت نقدا منهجيا واسعا من حيث قراءة الأدلة، ومن حيث الاستنتاجات الجغرافية. أي أننا أمام فرضية جريئة ضمن حقل بحثي حي، لا أمام نتيجة محسومة. والبحث في نشأة الإسلام اليوم شديد التنوع والتعقيد، ويصعب اختزاله في أطروحة واحدة. حرية النقاش وفي النهاية تبقى حرية التفكير والنقاش شرطا أساسيا لأي تقدم معرفي. ليس من الضروري أن يتحول كل طرح فكري إلى معركة، ولا أن يواجه كل رأي بنبرة هجومية. الاختلاف جزء من طبيعة البحث الإنساني، والإيمان، بحسب النص القرآني نفسه، لا يقوم على الإكراه، بل على الاقتناع. أستاذ محاضر في جامعة جورج تاون (الدوحة – قطر)