في العادة، عندما يُسأل عن مركز الثقل في إيران، تتجه الأنظار نحو مجتبى خامنئي بوصفه المرشد الأعلى، أو إلى قادة الحرس الثوري الإيراني، حيث تُصاغ الاستراتيجيات وتُرسم خرائط النفوذ. لكن، في هذه الحرب تحديدًا، تنقلب الصورة الثقل الحقيقي لا يسكن القمة، بل يتحرك على عجلات. ليس في القصور المحصّنة، بل في شاحنة مكشوفة، يقودها جنود يعرفون أن احتمالات نجاتهم ضئيلة. هنا، في هذا المستوى الأدنى، تتحدد قيمة الترسانة كلها.عشر دقائق بين الحياة والموت: الجنود المجهولون الذين يُبقون إيران في الحرب الخروج من الظلكل شيء يبدأ من مكان لا يُفترض أن يُرى. قاذفة صواريخ تُسحب بصمت من مخبئها، وشاحنة ثقيلة تشق طريقها بحذر، كأنها تحمل سرًا أكبر من قدرتها على إخفائه.الوجهة ليست مجرد موقع إطلاق، بل مساحة مكشوفة بالكامل، حيث يمكن لأي خطأ صغير أن يتحول إلى إشارة رصد قاتلة. الطريق نفسه جزء من المعركة، وكل متر يُقطع هو اقتراب من الخطر. قبل الوصول، يدخل الطاقم في سباق مع الزمن. فريق صغير، بين خمسة وعشرة جنود، يعمل كخلية واحدة. يتم فحص الصاروخ، وتحميله، وإدخال بيانات الهدف، وتحليل الطقس، وقراءة تضاريس الأرض، وكل ذلك تحت ضغط لا يُحتمل.في هذه المرحلة، لا يوجد شيء اسمه “تفصيل صغير”. كل رقم، كل زاوية، كل معطى قد يحدد إن كان الصاروخ سيصيب هدفه، أو يتحول إلى عبء على من أطلقه. في إيران، قد لا يكون مركز الثقل في القمة، بل في جنديٍّ يقود شاحنة صواريخ، ويعرف أن كل ما يفصله عن الموت… عشر دقائق فقط تحت السماء المكشوفةعند الوصول، يبدأ أخطر فصل في القصة. تُثبَّت المنصة، ويُرفع الصاروخ عموديًا، وتتحول الحركة إلى سلسلة قرارات دقيقة. الزمن هنا عدو مباشر، وكل ثانية إضافية تزيد احتمال الرصد. عشر دقائق فقط. هذا هو الحد الأقصى. وإذا انكشف الموقع؟ يمتد الوقت، لكن بثمن أعلى: خطر شبه مؤكد. في هذه اللحظة، لا يعود الطاقم ينفذ مهمة عسكرية فقط، بل يخوض مواجهة مفتوحة مع الزمن والتكنولوجيا معًا. ثم تأتي اللحظة الحاسمة: ضغطة زر واحدة. ينطلق الصاروخ، ويترك خلفه بصمة حرارية ضخمة، كأنها توقيع واضح في الفضاء. في غضون ثوانٍ، تلتقطها الأقمار الصناعية، وتتحول إلى إحداثيات دقيقة تُرسل فورًا إلى الطائرات التي تنتظر هذه اللحظة.ما كان هجومًا قبل لحظات، يتحول الآن إلى نقطة ضعف. من مطلق نار إلى هدف حيبمجرد الإطلاق، يتغير كل شيء.الطاقم الذي نفّذ المهمة يصبح هدفًا مباشرًا. الطائرات في السماء، أميركية أو إسرائيلية، تبدأ بالمطاردة. هنا، لا مجال للبطء، ولا مساحة للخطأ.الهروب ليس خيارًا تكتيكيًا، بل مسألة بقاء.العودة إلى القاعدة، والاختباء تحت جسر، والدخول إلى نفق، كلها خيارات مؤقتة في سباق مع ضربة قد تصل خلال دقائق. كم يعيش هؤلاء؟التقديرات العسكرية لا تحمل الكثير من الأمل.فرص البقاء لهؤلاء الجنود لا تُقاس بالزمن الطويل، بل بلحظات قصيرة: أيام إن كانوا محظوظين، ساعات في كثير من الأحيان، وربما دقائق فقط في أسوأ السيناريوهات.كل مهمة قد تكون الأخيرة، وكل إطلاق قد يكون النهاية. لهذا السبب، لا تركز القوى المعادية فقط على اعتراض الصواريخ، بل على تدمير منصات الإطلاق نفسها.لأن هذه الشاحنات ليست مجرد وسيلة، بل شرط أساسي. معظم الصواريخ البالستية الإيرانية لا يمكن إطلاقها من دونها. إنها العمود الفقري لمنظومة كاملة.وبدونها، تتحول الصواريخ إلى مخزون بلا وظيفة، إلى قوة كامنة لا تجد طريقها إلى السماء. المفارقة التي تكشفها هذه الحرب قاسية بقدر ما هي واضحة. نظام يبدو شديد المركزية، يعتمد، في لحظاته الحاسمة، على أكثر عناصره هشاشة. ليس القادة فقط من يصنعون المعركة، بل أولئك الذين يقفون في العراء، تحت أعين الأقمار الصناعية. جندي يقود شاحنة، يحمل صاروخًا، ويعرف أن كل ما بينه وبين النهاية… عشر دقائق فقط. القوة ليست دائمًا في من يصدر الأمر، بل في من يرفع الصاروخ تحت السماء المكشوفة في عالم يُقاس فيه النفوذ بحجم الترسانات، تذكّر هذه الحرب بحقيقة أبسط وأكثر إزعاجًا: القوة الحقيقية… قد تكون في شخص واحد، يضغط زرًا، ثم يهرب من ظلّه.
للحظات، اعتقدت إسرائيل أنّها فاجأت إيران. لقد دكّتها بأسلحة جديدة تدخل ساحة الحرب للمرّة الأولى: صاروخ رامبيج جو-أرض الذي تطلقه مقاتلات إف 15 وإف 16 لتنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى، والطائرة المسيّرة الانتحارية لوكاس القادرة على الوصول إلى مئات الكيلومترات، والصاروخ البالستي التكتيكي الأميركي بريزم المصمَّم لتوفير ضربات دقيقة عالية الكثافة كان المشهد محسوبًا بدقّة: ضربات سريعة، أدوات مرنة، وكلفة أقل، في محاولة لفرض تفوّق ناري منذ اللحظة الأولى. لكن المفاجأة لم تبقَ طويلًا في الجانب الإسرائيلي. فإيران لم تردّ فقط، بل كشفت طبقة كاملة من قوّتها الصاروخية، وكأنها تقول إنّ ما كان يُقال نظريًا عن الردع، صار واقعًا عمليًا في السماء. عرضُ النار ردّت إيران بضرب العمق الإسرائيلي بأسلحة وصواريخ لم تكن إسرائيل تعرف الكثير عن قدراتها العملياتية الفعلية. لم يكن الأمر مجرّد إطلاق نار، بل عرضًا عمليًا لترسانة جرى تطويرها لسنوات بعيدًا عن الاختبار الحقيقي.ظهر صاروخ ذو الفقار، بمداه المتوسط الذي يصل إلى نحو 700 كيلومتر، وقدرته على إصابة أهداف بدقّة عالية مع رأس حربي ثقيل نسبيًا، ما يجعله أداة ضغط عملياتية فعّالة. تلاه صاروخ ديزفول، الأبعد مدى والأثقل تأثيرًا، بقدرة على الوصول إلى نحو 1000 كيلومتر، جامعًا بين المدى والحمولة التدميرية.لكن القفزة النوعية تمثّلت في الصاروخ الفرط صوتي فتاح 2، الذي صُمّم ليطير بسرعات هائلة مع قدرة على المناورة، ما يجعله من أصعب الأهداف على أنظمة الدفاع الجوي. وفوق هذه الطبقة، ظهر الصاروخ الاستراتيجي سجيل 2، بمدى يصل إلى ما بين 2000 و2500 كيلومتر، ورأس حربي قد يبلغ 1500 كيلوغرام، مع اعتماد على الوقود الصلب يمنحه سرعة استجابة أعلى.بهذا التشكيل، لم تعتمد الضربات الإيرانية على سلاح واحد، بل على طبقات متعددة: صواريخ متوسطة، وبعيدة، وفرط صوتية، مصمّمة لاختراق الدفاعات والوصول إلى العمق. والأهم أنّ هذه الجولة لم تُظهر فقط كثافة نيرانية، بل دقّة أعلى، ومدى أبعد، واستجابة أسرع. السِّلاحُ الذي قُدِّمَ لعقودٍ بوصفِه أداةَ “نُصرة”، تبيَّنَ أنّه أداةُ سيادةٍ تُستخدَمُ وفقَ حساباتِ الدّولة، لا وفقَ منطقِ القضيّة هندسة إسرائيلية للحرب الدقيقة في الجانب الآخر، عكست الأدوات التي استخدمتها إسرائيل فلسفة مختلفة تمامًا. صاروخ رامبيج منح المقاتلات قدرة على ضرب أهداف بعيدة نسبيًا من دون الاقتراب من مناطق الخطر، جامعًا بين السرعة والدقّة وانخفاض الكلفة. المسيّرة لوكاس أضافت طبقة هجومية مرنة، قادرة على التحليق لمسافات طويلة قبل الانقضاض بدقّة على أهداف محددة. أمّا بريزم، فرفع كثافة النيران الدقيقة ضمن المدى التكتيكي، معتمدًا على السرعة والتنظيم لا على الثقل التدميري. هكذا تبلورت مواجهة بين فلسفتين واضحتين: فلسفة الضربات الدقيقة المرنة منخفضة الكلفة، مقابل فلسفة الردع الثقيل بعيد المدى الصعب الاعتراض. أين كانت هذه الترسانة؟ وسط هذا الاستعراض العسكري الصادم، يبرز السؤال الذي لا يمكن دفنه تحت ركام التحليل العسكري: أين كانت هذه الصواريخ حين كانت غزّة تُدمَّر؟ أين كان ذو الفقار، وديزفول، وفتاح، وسجيل، عندما كانت تُرفع شعارات “نُصرة غزّة” في خطابات الحرس الثوري الإيراني وأذرعه في المنطقة؟ لماذا ظهرت هذه القوّة الكاملة فجأة، فقط عندما تعلّق الأمر بردّ مباشر بين دولتين، لا حين كان المدنيون يُقتلون تحت قصف يومي؟ من مركز القضية إلى هامش الفعل ما تكشفه هذه الحرب لا يتعلق فقط بتطوّر السلاح، بل بطبيعة القرار باستخدامه. هناك دمٌ يُستدعى له الردع فورًا، ودمٌ يُترك ليُستهلك في الخطب. هناك صواريخ تُطلق عندما تُمسّ السيادة الإيرانية، وصمتٌ طويل عندما يُسفك الدم العربي. هذا ليس خللًا عسكريًا، بل اختيار سياسي واضح. فالسلاح الذي قُدِّم لعقود بوصفه أداة “نُصرة”، تبيّن أنّه أداة سيادية تُستخدم وفق حسابات الدولة، لا وفق منطق القضية. في ضوء ذلك، تبدو غزّة وكأنها تحوّلت إلى رمز يُستخدم أكثر ممّا يُحمى.قضية تُرفع في الخطاب، لكنها لا تستدعي تفعيل الترسانة. ليس المطلوب حربًا شاملة، ولا اندفاعًا غير محسوب، لكن الحد الأدنى من الاتساق كان يفرض ألّا يكون الفارق بين استهداف إيران واستهداف غزّة هو الفارق بين الصمت والانفجار صواريخُ السّيادة… وصمتُ غزّة في هذه الجولة، لم يكن ما ظهر مجرّد أسلحة جديدة، بل إعلانًا مزدوجًا: إعلانٌ أنّ ميزان القوّة في المنطقة دخل مرحلة جديدة، وأنّ أنظمة الدفاع لم تعد مطمئنة كما كانت. وإعلانٌ أخطر، أنّ استخدام القوّة بات انتقائيًا إلى حدّ فاضح. لا تُقاس قوّة الدول فقط بما تملكه من صواريخ، بل بقرارات استخدامها. وحين يصبح هذا الاستخدام محكومًا بازدواجية الدم، فإنّ المشكلة لا تعود في السلاح نفسه… بل في المعايير التي تحدد متى يُطلق، ولأجل من.