ليست «الأرمادا» مجرد أسطولٍ يتحرّك فوق الماء.هي عقليةُ إمبراطوريةٍ حين تقرّر أن تُقنع العالم بأن الحجم وحده يكفي، وأن صفوف السفن تستطيع أن تحلّ مكان السياسة، وأن البحر، ذلك الكائن الفوضوي، يمكن تدجينه بالخرائط والسلاح والسفن في عام 1588، خرجت الأرمادا الإسبانية لتلقّن إنكلترا درسًا نهائيًا. كانت إسبانيا آنذاك الدولة الأقوى ماليًا وبحريًا، وملكها فيليب الثاني مقتنع أن ضربة واحدة كفيلة بإعادة ترتيب أوروبا. أسطولٌ هائل، صلبان على الأشرعة، ويقينٌ ديني–سياسي بأن النصر مسألة وقت. لكن ما جرى لم يكن نصرًا… بل انكسارًا تاريخيًا. لم تُهزم الأرمادا لأنها ضعيفة، بل لأنها صدّقت أسطورتها. حين تتحوّل القوة إلى عبء الأرمادا الإسبانية لم تُبَد في معركة فاصلة. جرى تفكيكها ببطء: رياح لا تُطيع، بحر لا يحترم الجداول الزمنية، وسفن ضخمة أُعدّت للاستعراض أكثر مما أُعدّت للمطاردة. الإنكليز لم يواجهوا الكتلة بالكتلة، بل واجهوها بالإزعاج، بالإطالة، وبكسر الإيقاع. ثم تركوا البحر يُكمل ما بدأوه. هنا تحديدًا وُلد الدرس الأخطر في تاريخ الإمبراطوريات: عندما تصبح القوة كبيرة أكثر من اللازم، تفقد قدرتها على المناورة. خرجت الأرمادا الإسبانية لتُقفل حسابًا مفتوحًا مع إنكلترا. أسطولٌ هائل، يقينٌ بالحسم، وخريطةٌ تُعامِل البحر كأنه طريق سريع. لكن القنال حوّل الاستعراض إلى استنزاف، ثم إلى هزيمةٍ صامتة من بحر الشمال إلى خليج العرب بعد أربعة قرون، يعود المصطلح نفسه إلى التداول، أرمادا. لكن هذه المرّة، في سياق التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران. حاملات طائرات، مدمرات، قطع بحرية تُصفّ على شاشات الأخبار كما كانت تُصفّ السفن الخشبية في لوحات القرن السادس عشر. الرسالة واضحة: نحن هنا… نحن كثيرون… نحن قادرون. غير أن السؤال الحقيقي ليس، هل تستطيع الولايات المتحدة أن تحشد أرمادا؟ بل، هل تستطيع أن تُنهي بها الصراع؟ كما لم يكن القنال الإنكليزي ساحة مريحة للأرمادا الإسبانية، فإن الخليج ليس مسرحًا حياديًا للقوة البحرية الحديثة. هو حوض ضيّق، حساس، مشبع بالرمزية والنفط والأعصاب المشدودة. خطأ صغير، احتكاك عابر، طائرة مسيّرة، زورق سريع… كل تفصيل فيه قادر على تحويل الاستعراض إلى اشتباك، والردع إلى تصعيد. الأرمادا هنا لا تعني السيطرة، بل الاحتكاك الدائم. كل سفينة إضافية هي احتمال إضافي للانفجار. وهم الحسم المشكلة في منطق الأرمادا، قديمًا وحديثًا، أنه يوحي بالحسم. والحسم أخطر الأوهام في السياسة. اعتقدت إسبانيا أن الأسطول سيُنهي التهديد الإنكليزي. فاكتشفت أنها فتحت باب أفولها البحري. واليوم، يلوّح البعض بأن الحشد البحري قد يُخضع إيران أو يدفعها إلى الاستسلام أو التراجع الكامل. لكن إيران ليست شاطئًا أعزل، ولا الصراع معها معركة سفن تقليدية. هو صراع صبر، أعصاب، ومسارات غير مباشرة. والبحر، مهما امتلأ بالسفن، لا يلغي البر ولا السماء ولا الزمن. الأخطر من السفن هو الخطاب. حين تُستعمل كلمة «أرمادا»، يصبح التراجع صعبًا. لأن من يُعلن الأسطول يَعدُ جمهوره بشيءٍ كبير، وإذا لم يتحقق، يصبح الثمن سياسيًا ومعنويًا. هكذا تتحوّل اللغة إلى فخ. كما تحوّل الإيمان المطلق بالقوة لدى فيليب الثاني إلى فخٍّ جرّ إسبانيا نحو البحر الهائج. “الأرمادا” ليست ضمانة نصر، بل اختبار حكمة. ومن يملأ البحر بالسفن دون أن يملأ خطته بمخارج سياسية، يغامر بأن يكتب فصلًا جديدًا في كتاب الهزائم البطيئة. في 1588، علّم البحر أوروبا أن الإمبراطوريات لا تسقط بضربة واحدة، بل بوهم السيطرة.وفي الخليج اليوم، يقف العالم أمام السؤال نفسه: هل الأرمادا وسيلة ضغط محسوبة؟ أم خطوة أخرى نحو صراع لا يريد أحد الاعتراف بأنه لا يعرف كيف ينهيه؟ هرمز هو القنال الإنكليزي الجديد، لا لأن التاريخ يُعيد نفسه، بل لأن الجغرافيا تُعيد طرح الأسئلة نفسها: كيف تُدار القوة في الممرّات الضيّقة؟ وأين ينتهي الردع ويبدأ الاستنزاف؟ ومتى يتحوّل البحر من ورقة ضغط إلى ساحة اختبار للأعصاب؟ بين القنال الإنكليزي بالأمس ومضيق هرمز اليوم، درسٌ واحد لا يتغيّر: القوة التي لا تُحسن قراءة الجغرافيا تُرهق نفسها قبل خصومها. والأرمادا، قديمة كانت أم حديثة، ليست ضمانة نصر. في هذا الامتحان، لا يكسب من يلوّح أكثر، بل من يعرف متى يخفض الصوت قبل أن يعلو الموج.