يتجدّد في كل عام، مع حلول شهر ربيع الأول، الجدل حول مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف؛ بين من يراه تعبيرًا عن محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا لمكانته، وبين من يرى أن المحبة الشرعية لا تُقاس بالمواسم والاحتفالات، وإنما بصدق الاتباع والاقتداء والتمسك بسنته. غير أن الإشكالية لا تقف عند أصل الاحتفال فحسب، بل تتجاوزها إلى جملة من المظاهر والممارسات التي أُلحقت به عبر التاريخ، واتخذ بعضها طابعًا تعبديًا لم يُعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا عن القرون الإسلامية الأولى. يقين الوفاة وظنّية الولادة من أبرز المسائل التي تستحق التوقف عندها أن تحديد يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت بصورة قطعية، بل اختلفت فيه الروايات وأقوال أهل السِّيَر والتاريخ. فقد قيل إنه وُلد في الثاني عشر من ربيع الأول، وقيل في غيره من أيام الشهر، فيما رجّح عدد من الباحثين وأهل التحقيق، استنادًا إلى الحسابات التاريخية والفلكية، أن مولده كان في التاسع من ربيع الأول. في المقابل، اشتهر في كتب السيرة أن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقعت في شهر ربيع الأول أيضًا، ويرجّح جمهور واسع من المؤرخين أنها كانت في الثاني عشر منه. وهنا تبرز المفارقة: كيف يتحول يوم مختلف أصلًا في ثبوت كونه يوم الميلاد إلى مناسبة احتفالية ثابتة، بينما ارتبط اليوم نفسه، في الرواية التاريخية الأشهر، بواحدة من أعظم مصائب الأمة، وهي وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ skip render: ucaddon_material_block_quote احتفال لم تعرفه القرون الأولى الثابت تاريخيًا أن الاحتفال بالمولد النبوي بالصورة الموسمية المعروفة اليوم لم يكن من شعائر المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد الصحابة والتابعين، ولا في القرون الأولى التي شهد لها النبي بالخيرية. وإنما ظهرت أشكال الاحتفال المنظمة في عصور لاحقة، ثم توسعت بمرور الزمن، وتداخل فيها الديني بالشعبي، حتى تحولت في بعض البيئات إلى طقوس موسمية تترافق مع الأناشيد والموالد، وتوزيع الحلوى، واستخدام المساجد ومآذنها في ممارسات مخصوصة يُراد بها التقرب إلى الله. وهنا تكمن الإشكالية الشرعية الأساسية: فالمباحات والعادات شيء، وتحويلها إلى شعائر دينية مرتبطة بزمان مخصوص، يُتقرب بها إلى الله، شيء آخر يحتاج إلى دليل. شبهة «البدعة الحسنة» من أكثر ما يُستدل به لتسويغ بعض المحدثات قول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما جمع الناس على صلاة التراويح خلف إمام واحد: «نعمت البدعة هذه». لكن الاستدلال بهذه العبارة يحتاج إلى وضعها في سياقها الصحيح. فصلاة التراويح جماعة لم يبتكرها عمر رضي الله عنه، بل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها بأصحابه عدة ليالٍ، ثم امتنع عن الاستمرار في الخروج إليهم خشية أن تُفرض عليهم. وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي وزوال سبب الخشية من فرضها، جمع عمر الناس على إمام واحد، فأحيا سنة ثابتة الأصل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن هنا، كان استعمال كلمة «البدعة» في كلام عمر بمعناها اللغوي؛ أي إعادة الأمر وإظهاره بصورة لم تكن قائمة في ذلك الوقت، لا بمعنى اختراع عبادة جديدة لا أصل لها في الشريعة. بين الإحياء والابتداع الفارق هنا جوهري. عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم ينشئ عبادة من عنده، ولم يخصّص زمانًا أو هيئة تعبّدية بلا دليل، وإنما أعاد إحياء سنة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم. أما إحداث عبادة أو موسم ديني أو تخصيص يوم بعينه بشعائر مخصوصة لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها أو أمر بها، ولم يفعلها أصحابه من بعده، فهو محل الإشكال والبحث الشرعي. ولهذا لا يستقيم أن يُجعل قول عمر رضي الله عنه بابًا مفتوحًا لإحداث عبادات جديدة؛ لأن فعل الخليفة الراشد نفسه كان مستندًا إلى أصل نبوي ثابت. بل إن السنة النبوية أمرت بالتمسك بسنة النبي وسنة خلفائه الراشدين، كما جاء في الحديث: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». ومن ثم، فإن القياس بين اجتهاد عمر بن الخطاب في إحياء سنة نبوية ثابتة، وبين ممارسات تعبّدية ظهرت بعد القرون الأولى من دون أصل صريح، هو قياس يفتقد إلى مناطه الشرعي الصحيح. الاستدلال في غير موضعه إذا احتجّ أحد بفعل عمر رضي الله عنه لإقرار أي بدعة تعبّدية مستحدثة، فإن الجواب أن عمر لم يشرّع من عنده، ولم يأتِ بما لم يكن له أصل، بل تحرك داخل إطار السنة نفسها. فمن أحدث اليوم عبادة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه، ولا الخلفاء الراشدون، ثم استند إلى قول عمر «نعمت البدعة»، فقد حمّل الأثر ما لا يحتمل، ووضع الدليل في غير موضعه. المحبة اتباع لا موسم الخلاصة أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست محل خلاف بين المسلمين، وإنما الخلاف في الكيفية التي تُترجم بها هذه المحبة، والمعيار الأوثق للمحبة هو الاتباع. فتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم يكون بإحياء سنته، وتعلّم سيرته، وتعليمها للأجيال، والاقتداء بأخلاقه، والتمسك بأوامره، واجتناب نواهيه، والدفاع عن رسالته وقيمها طوال أيام العام. أما اختزال محبته في يوم واحد، أو في مظاهر موسمية وشعائر لم يثبت تشريعها، فلا يرقى إلى معنى المحبة التي أرادها الإسلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بحاجة إلى موسم ليبقى حاضرًا في حياة المسلمين؛ بل المطلوب أن تكون سنته حاضرة في عباداتهم، وأخلاقهم، ومعاملاتهم، وبيوتهم ومجتمعاتهم. skip render: ucaddon_box_testimonial
مات أبو حنيفة أسيرًا مسمومًا.ومات الشافعي بسبب الضرب المبرح بالهراوات.ومات سعيد بن جبير مقطوع الرأس.ومات البخاري مهجورًا.ومات سفيان الثوري فارًّا.ومات الطبري محاصَرًا.ومات النسائي مقتولًا.ومات ابن حزم مطارَدًا.ومات شيخ الإسلام ابن تيمية مسجونًا.ومات الإمام أبو بكر النابلسي مسلوخًا وهو حيّ.ومات الفقيه عياض مقتولًا، قُطِّع أشلاء، وجُمِع ودُفن بجوار كنيسة، من دون جنازة ولا غسل.ومات نعيم بن حماد مقيَّدًا، جُرَّ في قيوده، وأُلقي في حفرة، ولم يُغسَّل ولم يُصلَّ عليه. هؤلاء هم علماؤنا.بعضٌ من “مشايخ” الإسلام، وبعضٌ ممّا بذلوه في سبيل الدين والعقيدة وكلمة الحق، ونصرة المظلوم، وتحدّي الظالم، حتى ولو كان “مؤسّسة” وشكلَ حكمٍ قويًّا، طاغيًا، متجذّرًا، وفتّاكًا. الطريق شاقٌّ لأصحاب الحق، والجنة سلعةٌ غالية.هكذا كان علماء الأمس، وهكذا هم عراميط اليوم. كما تعرفونهم جيّدًا، لكنكم تصمتون. ضجّ البلد، ولا يزال، بفضيحة الاحتيال السياسي والمالي لأبو عمر و“مشغّله” الشيخ خلدون عريمط، كما يُقال..ومع أنّ أكثر اللبنانيين فرحون، في الداخل، بما يكون قد حصل لهؤلاء السياسيين الطامحين للتزحلق نحو المناصب والكراسي بشتّى الأثمان، إلّا أنّه من المريب، حتى الآن، ألّا يصدر توضيح من قبل أكبر مؤسّسة دينية سنّية لتبيان حقيقة ما جرى، أي دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية. فعريمط شيخٌ من هذه المؤسّسة، وواجهةٌ بارزة لها لسنواتٍ طوال على الشاشات والموائد والمناسبات.أيُعقل أن يُترك اليوم وحيدًا، يدافع عن نفسه من مكتبٍ خاص، بروايةٍ إن صحّت، فهي اتهامٌ صريح بوجود منظومة فساد، معروفة الجهة والدوافع، تصول وتجول في البلد بلا حسيبٍ ولا رقيب وصلت حتى رجال الدين أنفسهم. فإن كان بريئًا كما يقول، فواجب دار الفتوى أن تدافع عنه، لأن الضرر الذي يتشظّى اليوم أكبر من عريمط كشخص، إذ يطال كل ما ترمز إليه المشيخة السنّية، والتي – للأمانة – “مش ناقصها” في زمن الإمّعة. أمّا إن كان الشيخ خلدون مذنبًا بما نُسب إليه، فالقصاص واجبٌ بحقّه، لأن الإسلام قام على فكرة أنّ “العدل أساس الملك”، وهو لا يعرف “ذقنًا ممشّطة”، مهما طالت أو قصرت. أمّا أن يسود هذا الصمت المريب من قبل المؤسّسة الدينية الإسلامية الأم حيال موضوع بهذا الحجم، وبهذا التأثير وبهذه التداعيات، فذلك ضررٌ يتعاظم ليطال كل “جبّة” بيضاء، والدين بحدّ ذاته، وهو أمرٌ لا يجوز السكوت عليه. إن النهج الذي تنتهجه دار الفتوى اليوم يُشبه طريقة تعامل دوائر الفاتيكان مع فضائح الاعتداء على الأطفال من قبل بعض رجال الدين، التي تتفجّر بين الحين والآخر، لتترك ندوبًا في النظرة إلى المسيحية، أدّت، بالتراكم، إلى “موت الإله” في الغرب تدريجيًّا. تُغلق عينيك، وتتأمّل، بلحظة صدقٍ وتجَلٍّ: يا الله، ما أعظمك وما أحكمك، وما أضعف عقولنا عن إدراك حقائق الأمور بكليتّها.نعجز عن الفهم، لكن لله تقديره، فهو يعلم ونحن الجاهلون.تستذكر كوكبة الأسماء التي مرّت في البداية، لتتأكّد أنّ لكلّ زمانٍ رجاله… وعراميطه.
في أحد أهمّ أفلام الممثل الأمريكي ويل سميث “Concussion” أو “ارتجاجُ المُخّ”، حيث يلعب سميث دورَ طبيبٍ إفريقيٍّ متفوّق، هاجر إلى الولايات المتحدة ليبدأ حياةً علميةً أكاديمية هناك، ليكتشف بالمصادفة أنَّ كرةَ القدم الأمريكية تُسبِّبُ الجنونَ ثم الموتَ لِلاعبيها بعد تقاعدهم، فقرَّر أن يتصادم مع مسؤولي هذه اللعبة الشهيرة التي تُعَدّ من الأركان الأساسية للثقافة الأمريكية. في أحد الحوارات بين الطبيب ومديره في العمل، ذلك المدير الأمريكي الأصيل الذي يعرف الثقافة الأمريكية أكثر مما يعرفها الطبيب الإفريقي المهاجر، وبينما يُعرِبُ الأخير عن نيته البطولية في مواجهة اتحاد كرة القدم الأمريكية، يُحذِّره المدير من تلك المواجهة فيقول له جملةً عابرةً ولكنها قد تكون واحدةً من أقوى الجمل الثقافية في تاريخ السينما، إذ إنّها — رغم قِصَرها — تختصر انقلابًا ثقافيًا عميقًا أو تغيّرًا حضاريًا جذريًا:“إنهم يمتلكون يومًا من أيام الأسبوع! اليوم الذي كانت تمتلكه الكنيسة… صار لهم.” من القداسة إلى الترفيهأن تمتلكَ يومًا من أيام الأسبوع يعني أن تمتلكَ الزمنَ، فالجزءُ يرمز إلى الكل. وأن تمتلكَ الزمن يعني أن تمتلكَ إيقاعَ الناس الاجتماعي، برنامجهم اليومي أو الأسبوعي، لحظات سكونهم وانفعالهم، وما يجتمعون من أجله.في الغرب، كان الأحد يومَ الكنيسة، يومَ الربّ، يومَ العائلة والسكينة. لكن عندما تبدّلت السلطةُ الثقافية، ولم تَعُد الكنيسةُ تمتلك سلطةَ إنتاج الحياة، حلّ التلفزيون محلّ الأجراس، والمعلِّق الرياضي محلّ القسّ، تحوَّل الملعب إلى المعبد الجديد، وانتقل المركز من القداسة إلى التسلية، ومن الجماعة إلى الفُرقة.هكذا يحتلُّ المُدنَّسُ مكانَ المُقدَّس. والمُدنَّس هنا لا يعني بالضرورة النجسَ أو الملوَّث، إنما هو الدنيويُّ العاديّ بحسب تعريف عالم الأديان الشهير ميرسيا إلياده. ولكن في الحقيقة، ما تغيّر ليس المضمون (اللعب بدل الصلاة)، بل الفضاء نفسه؛ اليوم، والوقت، والمكان، والوسيلة. هنا يمكن القول إن الإسلام، من خلال هندسته للزمن، خلق فضاءً عامًا متجدّدًا يضمن استمرارية الجماعة حتى في غياب الدولة أو المؤسسة الوسيط لا المحتوى هذا هو جوهر مقولة مارشال ماكلوهان الشهيرة:“The medium is the message”.فالوسيط — لا المحتوى — هو الذي يحدد شكلَ التفكير وذهنيةَ الإنسان، وبالتالي يشكّل الوعيَ الجمعيَّ والحياةَ العامة.مثال بسيط على مقولة ماكلوهان: التلفزيون وتأثيره على الحياة، لا من ناحية المحتوى الذي يقدّمه، بل من ناحية كونه الوسيط والوسيلة.فبعد دخول التلفزيون إلى المنزل تغيّر شكلُ العلاقات العائلية، وأصبح الاجتماعُ العائلي الأهم هو ذلك الذي يكون حول الشاشة التي تحدّد شكلَ غرفة الجلوس الجديدة!قبل التلفزيون كانت الحياة اليومية تعتمد على الزمن الطبيعي، حركة الشمس وبرامج العمل والطعام. ومع التلفزيون دخل زمنٌ جديد يتحدد بحسب البرامج التي يتناوب أفرادُ العائلة على حضورها.أذكر جيّدًا أن وقت نومنا أنا وأختي الصغرى كان عندما تبدأ نشرةُ الأخبار تمامًا، فهذا يؤذن بانتهاء وقت برامجنا وبدء برامج الكبار.كلُّ هذا لا علاقة له بالمحتوى، بل بالوسيلة نفسها التي أحدثت هذه التغييرات، أو ربما استحدثت عاداتٍ أو إيقاعات جديدة تمامًا.وأهمُّ ما في هذا الأمر مسألةُ السلطة التي أصبح التلفزيون يتمتع بها وتُنتَج على أساسها الحياة.وإنتاج الحياة يكون وفق آليات سلطوية عديدة، منها الآليات التي تتحكم بالوقت وتنظيم إيقاع الحياة الذي من شأنه تحديدُ المعنى الجمعي للوجود. الإسلام… سلطةُ إنتاجِ الحياة لقد أدرك التقويمُ الإسلامي منذ بداياته أنَّ الزمنَ بُنيةٌ حضارية تُنظّم الجماعة التي تُنتج وقتها الخاص، عبر طقوسها وأعيادها وإيقاعِ العمل والراحة فيها. وعندما تقوم بذلك فهي لا تنظّم الوقت فحسب، بل تحتفظ بسلطة إنتاج الحياة؛ فما تُقدِّسه الجماعة يُقفل الباب في وجه أي سلطة أو مؤسسة خارجية تسعى لامتلاك الوقت والزمن.فللناس خمسُ صلواتٍ في اليوم، وجُمعةٌ في الأسبوع، ورمضان في كل عام، وعِيدان بينهما موسمُ الحج السنوي.هذا التكرارُ الطقسيُّ في ظاهره يحمل في باطنه نظامًا زمنيًا عامًا متكاملًا ينتج ما يُسمّى “الإيقاع الجمعي“ ويخلق تزامنًا مشتركًا بين ملايين الأفراد في أمكنة مختلفة.فالصلواتُ الخمس، المنتشرةُ في اليوم كله، هي ما يمنح المدينةَ الإسلامية هويتَها المكانية والزمنية. إنّها خريطةُ الحياة اليومية. والجمعة ليست مجرد صلاة، بل إعادةُ ضبطٍ أسبوعية للإيقاع، وهكذا…ورمضان، في الحقيقة، قد يكون النموذج الأوضح للزمن الاجتماعي في الإسلام.فالشهر لا يُعرَّف بالعبادة فقط، بل بتحوّل الإيقاع الجمعي للمجتمع ككل؛ أوقات العمل، السوق، الإعلام، اللقاءات والتجمعات، وحتى المزاج العام يصبح رمضانيَّ النكهة!وهذه السيادة الرمضانية على الزمن لا تتجلّى في التراويح وقيام الليل فقط؛ فالعبادة هنا هي المحتوى، أمّا الوسيط فهو الزمن الرمضاني نفسه.فحتى إذا تغيّر المحتوى ليكون سهراتٍ اجتماعيةً تُقدَّم فيها بعضُ محتويات التسلية — التي قد تكون منافية لروح الشهر أحيانًا — إلا أنّ الفضاء العام ما زال ملكَ رمضان، مهما تغيّر المحتوى أو تبدّل. الوسيط لا المحتوى هو الذي يحدد شكلَ التفكير وذهنيةَ الإنسان، وبالتالي يشكّل الوعيَ الجمعيَّ والحياةَ العامة وسيلةٌ للوجود إنَّ هذا التنظيمَ الزمنيّ هو ما يحفظ وحدة المجتمع عبر التاريخ؛ إذ يُبقي الناسَ في حالة تزامن رمزيٍّ مستمرّ، ويمنحهم شعورًا بالانتماء يتجاوز السلطةَ والحدود، ويخلق فضاءً للحوار الجماعي وشعورًا بوحدة الزمن والمصير.الزمن هنا ليس ملكًا لمؤسسة، بل للمجتمع. ليس مجرد وسيلة للتنظيم، بل وسيلة للوجود. لذلك، فالمسألة ليست في ما نفعله في هذه الأوقات، بل في مَن الذي يملكها.حين تقرر المراجعُ الرسمية الالتحاقَ بجدول السوق العالمية لتغيير شكل يوم الجمعة، نفقد شيئًا أعمق من الطقس نفسه.إذ إن هذا التغيير لا يمسُّ الشريعة — التي قد تدعم البرنامج الجديد طالما أن هناك فسحةً لأداء الصلاة والعودة للعمل — ولكننا في الحقيقة نفقد الإيقاعَ الذي تمتلكه الجماعة.وحين يُفقد الإيقاع، تتحول الجماعة من مالكةٍ للزمن إلى متلقّيةٍ له؛ فالسوق هي التي تحدد متى يصمت الناس ومتى يتحدثون، وهذا ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بورديو بـ”العنف الرمزي”، حين تفرض السلطةُ إيقاعَها بحيث يبدو طبيعيًا وغير قابل للنقاش.فعندما يُرفع الأذان، أو تتوقف المدينة كلها قبيل الإفطار في رمضان، أو يجتمع الناس في المسجد يوم الجمعة، فإن ما يحدث ليس فقط فعلَ عبادة، بل توليدٌ لحيّز اجتماعي مشترك.هي آلياتُ ضبطٍ اجتماعيٍّ تنظم المجال العام دون سلطة قسرية، بل سلطةٌ ناعمةٌ يُنتجها تفاعلُ الجماعة مع المقدّس دون تدخل السلطات القمعية.وهنا يمكن القول إن الإسلام، من خلال هندسته للزمن، خلق فضاءً عامًا متجدّدًا يضمن استمرارية الجماعة حتى في غياب الدولة أو المؤسسة.فكل هذه الطقوس المرتبطة بالوقت بشكل دقيق ليست طقوسَ عبادة فحسب، بل مواسم اجتماعية تحتل الحيّز العام كل عام، ومساحةً زمنيةً تتسع للجماعة كلها.حتى في البيئات التي ضعُف فيها المضمونُ الديني، يبقى الإيقاعُ واحدًا، لأنه يملك الفضاءَ العام ويعيد تشكيل الحياة على أساسه. إنَّ امتلاكَ الزمن هو أعمقُ أشكالِ السلطة، ومن يحتفظ بإيقاعه يحتفظ بثقافته وهويته وذاكرته. فالزمن المشترك ليس ترفًا ولا طقسًا، بل البنيةُ الخفية التي تحفظ السلطةَ الجماعية للناس وتجمع وحدتهم رغم اتساعهم، واستمرارهم رغم ضعفهم. فإذا كان الاتحادُ العام لكرة القدم الأمريكية يمتلك يومًا في الأسبوع، فإنَّ النسيجَ الإسلاميَّ العجيب يمتلك الزمنَ كلَّه… أستاذٌ في "جامعةِ جورجتاون"- قطر باحثٌ في الدراساتِ الإسلاميةِ والتاريخِ الإسلاميّ