علمت صحيفة «البوست» من مصادر اقتصادية مطّلعة أن وفدًا من الخبراء والباحثين الأكاديميين في الجامعة الأميركية في بيروت زار مدينة صيدا خلال الأيام الماضية، بطلب وتوجيه من وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، في خطوة تهدف إلى استكشاف واقع المدينة الاقتصادي وسبل تحريك عجلتها الإنتاجية. وبحسب المعلومات، عقد الوفد، بعيدًا عن الأضواء، سلسلة لقاءات مع عدد من الشخصيات والفاعليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في صيدا، في إطار إعداد تقييم ميداني ومسح شامل للواقع الاقتصادي والمعيشي في المدينة، يشمل عددًا من القطاعات الحيوية والإنتاجية. وتؤكد مصادر متقاطعة أن المهمة لا تقتصر على تشخيص المشكلات، بل تتعداها إلى البحث في سبل النهوض بالقطاعات الواعدة، وتقديم الاستشارات المتخصصة، وتحديد حاجاتها من الدعم المادي واللوجستي بما يساهم في إعادة تحريك الدورة الاقتصادية وخلق فرص حقيقية للنمو. وأبدى الوفد، بحسب المصادر، اهتمامًا لافتًا بالقطاع الصناعي، إلى جانب تربية الدواجن والقطاعات الزراعية، بوصفها من المجالات التي يمكن البناء عليها وتطويرها، ولا سيما إذا توافرت لها خطط عملية وتمويل مناسب وبيئة داعمة للاستثمار والإنتاج. ويبقى الرهان على أن تخرج هذه الحركة من إطار الدراسات والتوصيات إلى التنفيذ الفعلي، وألّا تنتهي بإضافة أوراق جديدة إلى عشرات الدراسات التي سبق أن أُعدّت عن صيدا ثم بقيت حبيسة الأدراج. فالمدينة، في ظل الواقع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه، لم تعد تحتاج إلى مزيد من تشخيص أزماتها بقدر ما تحتاج إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، واستثمارات منتجة، وخطوات تُحدث فرقًا ملموسًا في دورة اقتصادية أنهكها الركود والتراجع.
مع تصاعد التوتر في الملف الإيراني، وعودة الأسئلة الثقيلة حول حصيلة التدخلات والحروب الأميركية في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، تقف واشنطن اليوم أمام فرصة نادرة قد لا تتكرر بسهولة: أن تصنع في سوريا قصة نجاح حقيقية، بدل أن تضيف إلى سجل المنطقة أزمة جديدة تُدار ولا تُحل. المسألة تتجاوز بكثير ترميم صورة الولايات المتحدة أو تحسين حضورها السياسي في الشرق الأوسط. فإذا نجحت سوريا في الانتقال من سنوات الحرب والعزلة والانهيار إلى دولة مستقرة، واقتصاد منتج، ومؤسسات قادرة على حماية مواطنيها وتأمين مستقبلهم، فإن هذا النجاح سيصبح أكثر تأثيرًا من آلاف الخطب والرسائل السياسية الأميركية. فالشعوب لا تغيّر قناعاتها بالوعود وحدها، ولا تؤمن بالنماذج لأنها تُسوَّق لها إعلاميًا. إنها تصدّق عندما ترى أمامها تجربة حيّة تثبت أن التغيير ممكن، وأن الخروج من الخوف والعزلة والفقر ليس شعارًا، بل مسارًا يمكن تحقيقه. سوريا جسر الثقة إذا أرادت الولايات المتحدة أن تخاطب الشعب الإيراني بلغة مقنعة عن الحرية والفرص وتغيير الواقع، فهي تحتاج أولًا إلى بناء جسر من الثقة. وهذا الجسر لا يُبنى بالتصعيد العسكري والعقوبات والرسائل السياسية وحدها، بل بنموذج نجاح ملموس في دولة مجاورة مثل سوريا. فسوريا تمتلك ما يكفي لتكون هذا النموذج: شعبًا متعلمًا، وموقعًا استراتيجيًا استثنائيًا، وموارد بشرية كبيرة، وإرثًا حضاريًا عميقًا، وصلات تاريخية وثقافية واسعة بمحيطها العربي والعالم. واليوم، تجتمع في سوريا عناصر قلّما تتوافر في لحظة واحدة: قيادة منفتحة على التعاون الخارجي، ورغبة شعبية جارفة في الاستقرار وإعادة البناء، ومناخ إقليمي أكثر استعدادًا لمساندة البلاد بدلًا من حصارها وعزلها. ورغم حجم الدمار الذي أصاب سوريا، فإنها ما زالت أرضًا واسعة للفرص: في البنية التحتية والطاقة والزراعة والصناعة، وفي التعليم والصحة والسياحة والتكنولوجيا، فضلًا عن عملية إعادة إعمار يمكن أن تتحول إلى واحدة من أكبر ورش الاستثمار في المنطقة خلال السنوات المقبلة. لذلك، لم يعد السؤال: هل تستطيع أميركا أن تساعد سوريا؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا تنتظر؟ skip render: ucaddon_material_block_quote الفراغ لا ينتظر واشنطن ترك سوريا معلّقة بين الوعود والانتظار لن يعني بقاء الأمور على حالها، لأن الفراغ في السياسة لا يبقى فراغًا طويلًا. هناك دائمًا من سيتقدّم لملئه. وتركيا تدرك ذلك جيدًا. فهي تتحرك بوضوح لحماية مصالحها، وترسيخ حضورها الاقتصادي والسياسي، وتوسيع نفوذها داخل سوريا، ولن تنتظر واشنطن حتى تحسم خياراتها. وإذا استمرت الإدارة الأميركية في التردد، فقد تستيقظ بعد سنوات على واقع جديد تكون فيه أنقرة قد أصبحت الشريك الأكثر حضورًا وتأثيرًا في سوريا، بينما تبدو الولايات المتحدة قوة بعيدة اكتفت بالتصريحات ولم تنجح في تحويل خطابها عن الاستقرار والديمقراطية والازدهار إلى نتائج يلمسها الناس. عندها، لن تكون واشنطن قد خسرت مجرد فرصة استثمارية أو سياسية، بل ربما خسرت موقعًا استراتيجيًا كاملًا كان في متناولها. رصيد أميركي لم ينفد بعد لو سألت مواطنًا سوريًا عاقلًا اليوم: من تفضّل أن يكون شريكًا أساسيًا في دعم مستقبل سوريا، الولايات المتحدة أم تركيا؟ فقد يميل كثيرون إلى الولايات المتحدة. ليس لأن السوريين يرفضون تركيا، أو يقلّلون من أهمية العلاقة معها، بل لأن أميركا ما زالت، رغم كل الأخطاء والخيبات، تمتلك في المخيال السوري رصيدًا مرتبطًا بالجامعات والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والاستثمار والانفتاح على العالم. ولا يزال كثيرون ينظرون إليها باعتبارها قوة قادرة، إذا أرادت، على فتح أبواب الاقتصاد العالمي أمام سوريا، وجذب رؤوس الأموال الكبرى، والمساهمة في بناء المؤسسات، وربط البلاد بمستقبل اقتصادي يتجاوز حدود الجغرافيا الإقليمية الضيقة. لكن هذا الرصيد ليس شيكًا مفتوحًا إلى الأبد, فالثقة تتآكل حين تبقى الوعود معلّقة، والفرص تضيع عندما لا تتحول النيات إلى قرارات، والشعوب التي تُترك وحيدة في اللحظات المصيرية تبحث، عاجلًا أم آجلًا، عن شركاء آخرين. نجاح سوريا قد يعيد شيئًا فقدته أميركا في المنطقة: صدقية النموذج الأميركي ترامب وصفقة القرن السوري الرئيس دونالد ترامب معروف بعقلية الصفقات، وبميله إلى اقتناص الفرص التي يراها الآخرون معقّدة أو عالية المخاطر. ومن هذه الزاوية تحديدًا، ينبغي النظر إلى سوريا. فسوريا اليوم ليست بالضرورة عبئًا يجب على أميركا الهروب منه، بل قد تكون واحدة من أكبر الفرص السياسية والاقتصادية والاستراتيجية المتاحة لها في الشرق الأوسط منذ عقود. بل إن نجاح التجربة السورية يمكن أن يمنح واشنطن ما لم تمنحها إياه عشرات العمليات العسكرية: نموذجًا تقول من خلاله لشعوب المنطقة إن الشراكة مع الولايات المتحدة يمكن أن تقود إلى الاستقرار والنمو والانفتاح، لا إلى الحرب والفوضى فقط. إن دعم استقرار سوريا، وتخفيف العوائق أمام اقتصادها، وتشجيع الشركات والاستثمارات على دخولها، ومساندة مؤسسات الدولة كي تقف على قدميها، ليس عملًا خيريًا تقدّمه واشنطن للسوريين. إنه استثمار أميركي مباشر في استقرار الشرق الأوسط، وفي تقليص مساحات الفوضى والتطرف، وفي الحد من نفوذ الخصوم والمنافسين، وفي بناء شريك جديد في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. والأهم أنه يمنح الولايات المتحدة فرصة لاستعادة شيء فقدته تدريجيًا في المنطقة: صدقية النموذج الأميركي نفسه. قصة نجاح بدل حرب جديدة ربما لا تحتاج أميركا اليوم إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط كي تثبت قوتها. لديها من الحروب ما يكفي، ومن التجارب المريرة ما يكفي، ومن الأسئلة حول نتائج تلك الحروب ما يكفي أيضًا. ما تحتاج إليه هو قصة نجاح. وسوريا تستطيع أن تكون هذه القصة. دولة خرجت من حرب مدمرة، ونجحت في إعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها، واستعادت موقعها في العالم، وتحولت من ساحة صراع بين القوى إلى نموذج للاستقرار والتنمية. مثل هذا الإنجاز سيخاطب الإيراني والعراقي واللبناني وكل شعوب المنطقة بلغة أقوى من أي خطاب: لغة النتيجة. skip render: ucaddon_box_testimonial
هناك فرق واضح بين الشاب والفتاة في صيدا عندما يصل إلى يد كلٍّ منهما بعض المال الإضافي. لا نتحدث عن ثروة أو ملايين، بل عن زيادة بسيطة في الراتب، أو قبض جمعية، أو وصول بضع دولارات. الفتاة، ما إن تجد مبلغًا زائدًا، حتى تبدأ فورًا في البحث عمّا تنفقه عليه. كريم، مكياج، قطعة ملابس، حقيبة، أظافر، شعر… وإن لم تجد حاجة فعلية، تكفّل «السوشال ميديا» بالمهمة، وستظهر حتمًا قطعة غريبة لا تعرف فائدتها، لكن الحكم النهائي سيكون: «حلوة!». أما الشاب الصيداوي، فاقتصاده أبسط بكثير: المال الزائد يعني طعامًا أكثر. إذا كان المبلغ صغيرًا، فلافل. إذا تحسّن قليلًا، شاورما. وإذا فتح الله عليه فجأة، فلن يفكر في الادخار أو الاستثمار، بل سيقول الجملة الأخطر: «في مطعم بدي جرّبه». ومن هنا تبدأ المغامرة. فالشاب الذي يعثر على مطعم جديد لا يتصرف كزبون، بل كمستكشف. يعود إلى أصدقائه مزهوًا: «اكتشفت لكم مطعمًا!». اكتشفت ماذا يا صديقي؟ الرجل استأجر المحل، وجهّزه، ووظّف العمال، ودفع الإعلانات، وربما خسر نصف رأسماله قبل أن تمرّ أنت صدفة من أمامه، تشم رائحة الشاورما، تدخل، تأكل سندويشة، ثم تخرج معلنًا اكتشافك العظيم. يا كريستوفر كولومبوس… أنت لم تكتشفه، أنت فقط جعت! والأطرف أن تحسّن الوضع المالي لدى الشاب الصيداوي قد يظهر عليه سريعًا من دون الحاجة إلى كشف حساب مصرفي: يزداد وزنه. وكأن الكرش أصبح مؤشرًا اقتصاديًا جديدًا. لا تسأل عن الراتب، راقب البطن. باختصار، لدى شباب وبنات صيدا نظريتان واضحتان في الاقتصاد: الفتاة تحوّل المال إلى شيء يُلبس أو يوضع على الوجه والشعر، والشاب يحوّله إلى شيء يؤكل. في الحالتين، المال لا يعيش طويلًا. لذلك، إذا رأيت شابًا صيداويًا وقد زاد راتبه، لا تسأله أين استثمر أمواله. اسأله: «وين المطعم الجديد؟». وإذا وصلت إلى فتاة زيادة مالية، فلا تسألها ماذا ستفعل بها. ففي الغالب، تكون قد صرفتها ذهنيًا قبل أن تصل أصلًا. لا نحتاج إلى خبراء اقتصاد لمعرفة أين تذهب الزيادات في صيدا. يكفي أن نراقب أمرين: مقاسات الملابس… وعدد المطاعم الجديدة في أرقام الدليفري!