حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial فمنذ سنوات، تتحدث مراكز أبحاث غربية عن تراجع فاعلية الردع الأميركي، نتيجة ارتباك إدارة الأزمات الإقليمية، وتصاعد الشكوك لدى بعض الحلفاء بشأن التزام واشنطن بأمن المنطقة. غير أن إيران ذهبت أبعد من ذلك، ففسّرت هذا النقاش باعتباره دليلًا على انحسار الإرادة الأميركية في استخدام القوة العسكرية، بفعل الضغوط الداخلية والحسابات الانتخابية. وانطلاقًا من هذا التقدير، تعاملت طهران مع مذكرة التفاهم بوصفها تكريسًا لمعادلة جديدة في الخليج تمنحها هامشًا أوسع للحركة، وسوّقت الاتفاق باعتباره إنجازًا سياسيًا يعكس تراجع واشنطن عن سياسة الضغوط القصوى. لكن القراءة الأميركية بدت مختلفة؛ إذ لم يُنظر إلى الاتفاق باعتباره اعترافًا بوقائع استراتيجية جديدة، بل أداة مؤقتة لإدارة التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة. إدارة التصعيد تكشف التجربة أن اهتزاز صورة الردع لا يعني بالضرورة تراجع أدوات القوة. فحين رأت واشنطن أن مصالحها باتت مهددة، انتقلت سريعًا من سياسة احتواء الأزمة إلى فرض كلفة أعلى على خصومها، وهو ما أظهر أن امتلاك القدرة العسكرية يظل مختلفًا عن قرار استخدامها، وأن ضبط النفس لا يعني فقدان أدوات الردع. وتشير أدبيات الردع الحديثة إلى أن نجاح الردع لا يتحدد فقط بميزان القوة، بل أيضًا بالطريقة التي يدرك بها الخصم نيات الطرف المقابل. وفي كثير من الأحيان، يقود سوء تقدير هذه النيات إلى حسابات خاطئة تدفع نحو التصعيد، وهو ما بدا واضحًا في التباين بين التصور الإيراني لمعنى التهدئة الأميركية، وبين الأهداف الحقيقية التي سعت إليها واشنطن من خلال إدارة الأزمة. صحيح أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا في كلفة استهداف المصالح الأميركية أو الخليجية مقارنة بمراحل سابقة، إلا أن ذلك لم يكن مؤشرًا على تآكل القدرة الأميركية على فرض أثمان باهظة عندما ترى أن مصالحها الحيوية أصبحت على المحك. فالتمييز يبقى قائمًا بين تأجيل استخدام القوة والعجز عن استخدامها. أزمة الحلفاء لم يأتِ هذا التحول في السلوك الأميركي من فراغ، بل سبقته سنوات من التوتر مع الحلفاء الأوروبيين داخل حلف شمال الأطلسي، حيث دفعت السياسات الأميركية ذات الطابع الأحادي إلى تصاعد الدعوات الأوروبية لتعزيز الاستقلال الدفاعي وتقليص الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية. وفي خضم الحرب الأخيرة، اصطدمت هذه المقاربة بواقع إقليمي أكثر تعقيدًا. فقد أدى اتساع نطاق العمليات العسكرية، وارتفاع سقف التوقعات الإسرائيلية، إلى وضع الإدارة الأميركية أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على دعم حليفها الرئيسي، مع تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تفرض أثمانًا سياسية واقتصادية باهظة. وفي هذا السياق، بدت مذكرة التفاهم مع إيران جزءًا من محاولة لاحتواء التصعيد أكثر منها تعبيرًا عن تغيير في موازين القوى. فالتهدئة جاءت استجابة لحسابات تتعلق بإدارة المخاطر، لا تخليًا عن أدوات الردع أو اعترافًا بنفوذ إيراني متصاعد. اعتبارات داخلية لا يمكن فصل هذا السلوك الأميركي عن تأثير السياسة الداخلية، إذ أصبحت الاعتبارات الانتخابية عاملًا رئيسيًا في رسم حدود الانخراط العسكري الخارجي. فالإدارة الأميركية تدرك أن أي مواجهة واسعة قد تنعكس مباشرة على أسعار الطاقة والتضخم، بما يحمله ذلك من كلفة سياسية داخلية، وهو ما يدفعها إلى الموازنة باستمرار بين متطلبات الردع وحسابات الناخب الأميركي. لكن هذه المقاربة لا تعني انسحابًا من المنطقة بقدر ما تعكس إعادة تعريف لأدوات النفوذ. فبدلًا من الاعتماد المفرط على القوة العسكرية، تتجه واشنطن بصورة متزايدة إلى توظيف العقوبات الاقتصادية، والقيود المالية، وأدوات الضغط المصرفي، باعتبارها وسائل أكثر استدامة وأقل كلفة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. يفرض هذا التحول على دول الخليج إعادة تقييم مقاربتها للأمن الإقليمي. فمن جهة، يفتح المجال أمام تعزيز الحوار الإقليمي وبناء شراكات اقتصادية قد تسهم في خفض مستويات التوتر مع إيران، لكنه، من جهة أخرى، يثير تساؤلات حول مدى قدرة المصالح الاقتصادية وحدها على ضمان الاستقرار في بيئة لا تزال تعاني هشاشة أمنية وصراعات بالوكالة. وفي ظل هذا الواقع، تبدو المنطقة أمام معادلة جديدة تقوم على الجمع بين الانفتاح الدبلوماسي وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية. فالاقتصاد قد يخفف دوافع التصعيد، لكنه لا يشكل بديلًا كاملًا عن توازن الردع، ولا يوفر بمفرده الضمانات الكفيلة بمنع اندلاع أزمات جديدة. ومن هنا، يبدو أن مستقبل أمن الخليج سيتحدد بقدرته على بناء منظومة تجمع بين المصالح المشتركة والردع المتوازن، بعيدًا عن الرهان الحصري على القوى الخارجية أو على التفاهمات المؤقتة.
في هذه الأيام، يبدو المشهد العربي كمن يقف في صالة مطار مترامية، يحدّق في لوحة الوصول منتظرًا سفينة لن تأتي. الجميع يرفع رأسه إلى السماء، فيما الخطر الحقيقي يتسلّل من اليابسة، من الخرائط التي يُعاد رسمها بالنار، ومن العواصم التي تحوّلت إلى غرف عمليات مفتوحة لكل أجهزة العالم. أنا ابن هذه العروبة، بمجدها وانكساراتها، بحنينها وأوجاعها، ومن الطبيعي أن أستنكر أي اعتداء إيراني على ذرّة تراب عربية، أيًّا تكن المبررات والشعارات. لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما يتحوّل الرفض المشروع إلى حالة عمى سياسي تجعل إسرائيل تبدو، فجأة، كأنها مراقب محايد أو شريك استقرار في الإقليم. وهنا يكمن الفخ الأكبر. الاشتعال من الداخل الهجمات التي استهدفت الإمارات، بما فيها التهديدات المرتبطة بمحطة براكة النووية، وكذلك الضربات التي طالت السعودية في الأيام الأخيرة، انطلقت مسيّراتها من الأراضي العراقية، ما دفع كثيرين إلى استنتاج تلقائي بأن إيران تقف وحدها خلف المشهد. لكن الشرق الأوسط ليس مسرحًا بسيطًا بهذه الدرجة. فالأرض العراقية نفسها تحوّلت منذ سنوات إلى ساحة اختراق استخباري كثيف، تتداخل فيها أجهزة إقليمية ودولية، وفي مقدّمتها الموساد الإسرائيلي، الذي لم يعد يتحرّك كضيف خفي، بل كصاحب نفوذ يملك شبكات وعلاقات وتقاطعات داخل بيئات أمنية معقّدة. ولو امتلك العرب شجاعة التحقيق الحقيقي، لا التحقيق الموجّه سياسيًا، لوجدوا أن بعض المناطق التي خرجت منها عمليات التخريب تحمل بصمات تتجاوز الرواية الجاهزة، وأن إسرائيل ليست بعيدة عن الاستثمار في الفوضى، ولا عن دفع المنطقة نحو حافة الانفجار الأكبر. فالكيانات التي تعيش على الخوف لا تزدهر إلّا وسط الحرائق. skip render: ucaddon_material_block_quote إسرائيل لا تتحرّك وحدها الخطأ القاتل الذي ما زال كثيرون يرتكبونه هو الاعتقاد بأن إسرائيل تعمل منفردة داخل العالم العربي. هذا لم يعد واقعيًا منذ سنوات. في السابق، اعتمدت تل أبيب على شبكات غربية وأوروبية واسعة لتأمين الاختراقات اللوجستية والأمنية. أمّا اليوم، وبعد تغيّرات سياسية كبرى وتراجع مستويات التعاون التقليدي، فقد ظهر نمط جديد أكثر خطورة: تنسيق أمني عربي ـ إسرائيلي مع بعض الأطراف، تحت عناوين متعددة تبدأ بـ«مواجهة الخطر المشترك» ولا تنتهي عند إعادة تعريف العدو نفسه. وهنا تحديدًا يبدأ الانهيار البطيء لمفهوم الأمن القومي العربي. أمن قومي ممزّق المنطقة العربية تُقطّع اليوم كما تُقطّع الذبيحة، قطعة بعد أخرى، لأن العرب لم يعودوا يملكون تعريفًا موحّدًا للخطر، ولا تصوّرًا مشتركًا لمعنى الأمن القومي. بعض الدول باتت ترى إسرائيل شريكًا استراتيجيًا، فيما لا تزال دول أخرى تعتبرها عدوًا وجوديًا. وبين المعسكرين تضيع البوصلة، ويتحوّل مفهوم “المصير العربي المشترك” إلى مجرّد خطاب احتفالي يُرفع في القمم ويُدفن في غرف المصالح الضيقة. الخطير في الأمر أن هذا الانقسام لا يجري فوق الطاولة فقط، بل داخل بنية الأمن العربي نفسها، حيث تنخر التناقضات الجسد من الداخل، بينما يتوهّم الجميع أن الوقت ما زال متاحًا للمناورة. لكن التاريخ لا ينتظر المترددين. من ينتظر أمنه من واشنطن أو طهران أو تل أبيب، لا يبني دولة؛ بل يسلّم وطنه بالتقسيط لمن يرسمون الخرائط بالنار كماشة إيران وعقيدة التوسع الإسرائيلية لا أحد يستطيع تبرئة النظام الإيراني من سياسات التمدّد والفوضى الإقليمية. غير أن اختزال الخطر في إيران وحدها يمنح إسرائيل فرصة ذهبية لتقديم نفسها كحليف طبيعي، بينما هي تحمل مشروعًا أخطر وأكثر رسوخًا واستمرارية. إسرائيل ليست مجرد دولة تبحث عن أمنها، بل كيان تحكمه، لدى جزء واسع من يمينه الحاكم، عقيدة توسّع تعتبر المنطقة فضاءً مفتوحًا لإعادة التشكل بالقوة. وما يحدث منذ السابع من أكتوبر ليس مجرد حرب عابرة، بل إعادة هندسة جغرافية ونفسية للإقليم كله. فمنذ ذلك التاريخ، احتلت إسرائيل أكثر من 1127 كيلومترًا مربعًا من الأراضي العربية في غزة والضفة ولبنان وسوريا، وترفض الانسحاب منها، مضيفة ما يقارب 5.3% إلى المساحات الواقعة تحت سيطرتها المباشرة. ولم تعد تتحرّك فقط عند حدود فلسطين التاريخية، بل تمدّدت استخباريًا وعسكريًا حتى عمق العراق، حيث تتصرّف بعقلية المنتصر الذي يرى الإقليم بأسره ساحة نفوذ مشروعة. والأخطر أن هذا السلوك لا يبدو مؤقتًا، بل جزءًا من تصوّر استراتيجي طويل الأمد. اتفاقيات لا تغيّر الجغرافيا قد توقّع الدول اتفاقيات سلام، وقد تتبادل السفارات والابتسامات والرحلات الجوية، لكن الجغرافيا لا تتغيّر بالحبر، ولا تُمحى العقائد التوسّعية بصورة جماعية أمام عدسات الكاميرات. الدولة التي تتجاهل حقيقة إسرائيل الاستراتيجية فقط لأن مسؤولًا عجوزًا وقّع ورقة سلام، إنما ترتكب خطأً قاتلًا بحق أمنها ومستقبل أجيالها وتنميتها المستدامة. فالتاريخ يعلّمنا أن القوى التوسعية لا تتوقف عند حدود الاتفاقيات حين تشعر باختلال موازين القوة. وما بين مطرقة إيران وسندان إسرائيل، يقف الأمن القومي العربي اليوم على حافة هاوية، بلا مشروع جامع، ولا رؤية موحّدة، ولا حتى إدراك حقيقي لطبيعة المرحلة. المأساة ليست فقط في حجم الأخطار، بل في طريقة تعامل العرب معها. هناك من ينتظر أن تنقذه واشنطن، وهناك من يراهن على طهران، وآخرون يظنون أن تل أبيب يمكن أن تتحوّل إلى مظلة استقرار. skip render: ucaddon_box_testimonial
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) كان جهاز الموساد الإسرائيلي هو مَن يستهدف دول الخليج؟ في اللحظات التي تتسارع فيها الأحداث، يصبح السؤال أكثر خطورةً من الجواب. ومع اندلاع المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وإيران، واتساع رقعة الاشتباك لتطال بيئاتٍ خليجيةً حساسةً، عاد إلى الواجهة خطابٌ قديمٌ بلباسٍ جديد: «إسرائيل الكبرى»…لكن هل نحن أمام مشروعٍ جيوسياسيٍّ فعليّ، أم أمام توظيفٍ تعبويٍّ لأسطورةٍ سياسيةٍ تتغذّى على الفوضى؟ بين العقيدة والواقعية السياسية مفهوم «إسرائيل الكبرى» لم يكن يومًا برنامجًا رسميًّا مُعلَنًا لدولة إسرائيل الحديثة، بل ظلّ تعبيرًا أيديولوجيًّا حاضرًا في بعض التيارات الدينية والقومية المتشددة داخل المشهد الإسرائيلي.تحرّكت الدولة العبرية، منذ تأسيسها، في فضاءٍ براغماتيٍّ تحكمه موازين القوة والاعتراف الدولي، لا خرائط توراتية. ومع ذلك، فإن تمدّد النفوذ لا يشترط دائمًا احتلال الأرض؛ فقد يتحقق عبر إعادة هندسة البيئة الإقليمية. لا تُخاض الحروب الكبرى فقط لتوسيع الحدود، بل لإعادة رسم قواعد اللعبة. وإذا كانت المواجهة مع إيران قد فتحت الباب أمام احتمال إعادة تشكيل الشرق الأوسط، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تريد إسرائيل التوسع؟ بل: كيف يمكن أن تستثمر الفوضى لصالح أمنها الاستراتيجي طويل الأمد؟ مَن هو الفاعل؟ مع تعرّض منشآت طاقة وبنى تحتية في بعض دول الخليج لهجماتٍ غامضة، تصاعدت تكهّنات حول الجهات المنفذة. والاتهام الفوري يتجه عادةً نحو أذرعٍ إيرانية، في إطار الرد غير المباشر. لكن في بيئة حربٍ متعددة الطبقات، تبرز فرضيات أكثر تعقيدًا، منها احتمال عمليات «الطرف الثالث»، أو ما يُعرف باستراتيجية الراية الزائفة. هنا يُطرح اسم الموساد بوصفه جهازًا يمتلك تاريخًا طويلًا من العمليات الخارجية المعقّدة. فهل يمكن، نظريًّا، أن يسعى فاعلٌ استخباراتيٌّ إلى ضرب منشآتٍ غير أميركية، كحقول النفط والغاز الخليجية، بهدف استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية لدول المنطقة، ودفعها إلى تموضعٍ أمنيٍّ أعمق تحت المظلة الإسرائيلية – الأميركية؟ هذا السيناريو، رغم جاذبيته التحليلية، يصطدم بعدة معوّقات. أولها أن ضرب البنية التحتية الخليجية يهدد مباشرةً استقرار أسواق الطاقة العالمية، ما يستفز قوى كبرى لا مصلحة لها في الفوضى الممتدة. وثانيها أن دول الخليج، رغم تحالفاتها المتنوعة، ليست خصمًا مباشرًا لإسرائيل، بل إن بعضها نسج علاقاتٍ علنيةً معها خلال السنوات الأخيرة. وثالثها أن أي انكشافٍ لعمليةٍ من هذا النوع سيؤدي إلى كلفةٍ استراتيجيةٍ هائلةٍ على إسرائيل، قد تتجاوز بكثير أي مكسبٍ تكتيكي. منطق الاستنزاف أم الردع؟ النظرية القائلة إن استنزاف الخليج يسهّل قيام «إسرائيل الكبرى» تفترض أن إضعاف المحيط العربي شرطٌ ضروريٌّ لتفوّقٍ إسرائيليٍّ دائم. غير أن القراءة الواقعية تشير إلى أن إسرائيل، منذ عقود، بنت تفوقها النوعي عبر التكنولوجيا، والاستخبارات، والتحالفات الدولية، لا عبر إنهاك جيرانها اقتصاديًّا. بل إن استقرار الخليج، بما يمثله من ثقلٍ اقتصاديٍّ وسياسيٍّ، يخدم توازنًا إقليميًّا يحدّ من اندفاعات القوى الراديكالية. أما انهيار هذا الاستقرار، فسيخلق فراغًا قد تستفيد منه أطرافٌ معاديةٌ لإسرائيل أكثر مما تستفيد هي منه. إذا كان هناك مشروعٌ يتشكل اليوم، فهو أقرب إلى إعادة توزيع موازين الردع، لا إلى توسيع خرائط جغرافية. إسرائيل تسعى، بوضوح، إلى تحييد التهديد الإيراني المباشر وتقليص أذرعه في الإقليم. وإيران، بالمقابل، تعمل على توسيع دائرة الضغط لرفع كلفة المواجهة. أما الخليج، فيجد نفسه بين معادلتين: حماية أمنه الوطني، وتجنّب الانجرار إلى حرب استنزافٍ طويلة. الحديث عن «إسرائيل الكبرى» قد يكون، في جانبٍ منه، انعكاسًا لمخاوف حقيقية من تحولاتٍ عميقة، لكنه لا يكفي وحده لتفسير التعقيد الجاري. ففي الحروب الحديثة، لا تتغير الحدود فقط، بل تتغير شبكات النفوذ، وسلاسل الطاقة، ومسارات التحالفات. في الشرق الأوسط، تكون الحقيقة غالبًا أول ضحايا الحرب. والسيناريوهات التي تبدو ممكنةً على الورق قد تصطدم بوقائع الردع المتبادل والمصالح المتشابكة. والسؤال الأجدر بالطرح ليس ما إذا كان جهازٌ استخباراتيٌّ هنا أو هناك يشعل النيران سرًّا، بل ما إذا كانت المنطقة كلها تتجه نحو نظامٍ إقليميٍّ جديد تُعاد فيه صياغة مفهوم السيادة والأمن. ربما لا تكون «إسرائيل الكبرى» خريطةً تُرسَم، بل لحظةً تاريخيةً يُعاد فيها تعريف معنى القوة. وفي زمن الفوضى، من لا يعيد تعريف نفسه، يُعاد تعريفه من قبل الآخرين.