حين أشعلتِ التكنولوجيا شرارةَ المواجهة بين القوى الكبرى، بدا المشهد وكأنّه صراعٌ على المستقبل الرقمي: شبكات الجيل الخامس، الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات. لكن ما تبيّن لاحقًا هو أن هذه الحرب لم تكن سوى الطبقة الظاهرة من صراعٍ أعمق بكثير، إنّه صراعٌ على التحكّم بالبنية التحتية للحياة الاقتصادية نفسها، أي الطاقة ومساراتها… إذا كانت “الحرب الباردة الجديدة” قد بدأت تقنيًا بين واشنطن وبكين، فإنها سرعان ما تمدّدت إلى المجال الأكثر حساسية في النظام الدولي: أمن الطاقة. فالصين، التي باتت أكبر مستوردٍ للطاقة في العالم، تعتمد بشكلٍ كبير على تدفّقات النفط والغاز القادمة من مناطق جغرافية مضطربة بطبيعتها. وهذا الاعتماد تحوّل إلى نقطة ضعفٍ استراتيجية تحاول الولايات المتحدة استغلالها وإعادة هندستها. في هذا السياق، يمكن فهم سلسلةٍ من التحرّكات الأميركية، لا كأحداثٍ منفصلة، بل كأجزاء من استراتيجيةٍ أشمل تهدف إلى “تطويق الشريان الطاقوي الصيني”. فنزويلا… الظفر بالمصدر تمثّل فنزويلا واحدةً من أكبر احتياطيات النفط في العالم، وقد أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد المورّدين المحتملين للصين في إطار سعي بكين إلى تنويع مصادرها بعيدًا عن النفوذ الأميركي. من هنا، لم يكن الضغط السياسي والاقتصادي الأميركي على كاراكاس مجرد خلافٍ أيديولوجي مع نظامها، بل محاولةً لإعادة إدماج هذا المورد الحيوي ضمن الفلك الغربي، أو على الأقل حرمان الصين من الاستفادة المستقرة منه. أيّ تغييرٍ في بنية الحكم هناك قد يعيد رسم خريطة تدفّقات النفط عالميًا. إيران وهرمز… معركة الممر أمّا في الخليج، فإن المواجهة تأخذ طابعًا أكثر خطورة. فإيران لا تمثّل فقط قوةً إقليمية، بل تتحكّم بشكلٍ مباشر أو غير مباشر بأحد أهم الممرات البحرية في العالم، مضيق هرمز، الذي تمرّ عبره نسبةٌ ضخمة من تجارة النفط العالمية. ما يعني أن أي اضطرابٍ في هذا المضيق لا يضرب فقط الأسواق، بل يضرب تحديدًا الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، وفي مقدّمتها الصين. من هنا، فإن التصعيد العسكري أو السياسي مع إيران، أو حتى مجرد إبقاء المنطقة في حالة توترٍ دائم، يمكن قراءته كوسيلة ضغطٍ استراتيجية على بكين، عبر إبقاء إمداداتها الحيوية تحت تهديدٍ مستمر. باب المندب… توسيع الضغط لكن الصورة لا تكتمل عند هرمز. فالممر التالي في سلسلة الإمداد هو باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويُعدّ بوابةً أساسية نحو قناة السويس. أيّ اضطرابٍ في هذا المضيق، سواء عبر تصعيدٍ في اليمن أو توتراتٍ إقليمية أوسع، يعني عمليًا تعريض طريق التجارة بين آسيا وأوروبا للاهتزاز. هنا يظهر نمطٌ واضح: ليس الهدف فقط السيطرة على مصادر الطاقة، بل التحكّم في “طرق عبورها”. فالممرات البحرية أصبحت بمثابة “نقاط خنق” يمكن استخدامها في لحظةٍ معيّنة لإعادة تشكيل موازين القوى دون الحاجة إلى حربٍ شاملة. الممرّاتُ البحرية لم تعد مجرّدَ خطوطِ عبور، بل تحوّلت إلى أدواتِ ضغطٍ قادرةٍ على إعادة تشكيل موازين القوى أدوات جبايةٍ استراتيجية لا يقتصر الصراع على الممرات البحرية على تهديد الإمدادات أو تعطيلها فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى نمطٍ أكثر تعقيدًا يمكن تسميته بـ”اقتصاد الحماية”. ففي ظل تصاعد الاضطرابات الأمنية في نقاط الاختناق البحرية، تبدأ كلفة التأمين والشحن بالارتفاع بشكلٍ ملحوظ، لتظهر تدريجيًا أنظمةٌ غير مباشرة لفرض “رسوم عبور” تحت مسمّياتٍ مختلفة، مثل تكاليف الحماية، أو مرافقة السفن، أو التأمين ضد المخاطر. يخلق هذا الواقع نموذجًا جديدًا من التحكّم. فبدلًا من إغلاق الممرات بالكامل، وهو خيارٌ مكلف وخطير، يجري إبقاؤها في حالة “هشاشةٍ دائمة”، تسمح بمرور التجارة ولكن بكلفةٍ أعلى وتحت شروطٍ محددة. هنا تتحوّل القوى القادرة على التأثير في أمن هذه الممرات، سواء بشكلٍ مباشر أو عبر وكلاء، إلى أطرافٍ تتحكّم بإيقاع التجارة العالمية من خلال فرض تكاليف مستمرة على حركة السفن. في هذا الإطار، لا يعود الهدف فقط تعطيل الخصم، بل “استنزافه ماليًا” على المدى الطويل. فالدول المعتمدة على الاستيراد، وفي مقدّمتها الصين، تجد نفسها مضطرةً إلى دفع كلفةٍ إضافية ثابتة لضمان تدفّق الطاقة والبضائع، ما يشكّل ضغطًا اقتصاديًا مستمرًا دون الحاجة إلى مواجهةٍ عسكرية مباشرة. حربٌ بلا جبهاتٍ واضحة بهذا المعنى، تتحوّل مضائق مثل هرمز وباب المندب من مجرد نقاط عبور إلى أدوات “إدارةٍ قسرية” للنظام التجاري العالمي. فالقوة لم تعد في الإغلاق الكامل، بل في القدرة على ضبط مستوى التهديد، رفعه حينًا لزيادة الكلفة، وخفضه حينًا للحفاظ على تدفّق التجارة. وهذا ينسجم مع طبيعة الحرب الباردة الجديدة، التي لا تسعى دائمًا إلى الحسم السريع، بل إلى بناء منظومات ضغطٍ طويلة الأمد، تُضعف الخصم تدريجيًا وتعيد تشكيل سلوكه الاقتصادي والاستراتيجي. ما نراه اليوم ليس مجرد صراعٍ بين دول، بل إعادة تعريفٍ لطبيعة الحرب نفسها. فبدلًا من المواجهة المباشرة، نشهد استخدام أدواتٍ متعددة: العقوبات الاقتصادية الحروب بالوكالة التوترات الإقليمية السيطرة على سلاسل الإمداد كلّ ذلك في إطار صراعٍ واحد، هدفه النهائي: تحديد من يملك مفاتيح الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين. ما يجري ليس صراعًا على النفط فقط، بل معركةٌ على من يملك حقَّ التحكّم بإيقاع الاقتصاد العالمي من التكنولوجيا إلى الجغرافيا السياسية للطاقة ما بدأ كسباقٍ على شبكات الجيل الخامس، تحوّل إلى معركةٍ على خطوط الأنابيب والمضائق البحرية. وإذا كانت الحرب الباردة القديمة قد دارت حول الأيديولوجيا والردع النووي، فإن الحرب الباردة الجديدة تدور حول “الاعتماد المتبادل” ومن يستطيع تحويله إلى أداة ضغط. مع تصاعد هذا التوتر، تكتسب اللقاءات السياسية بين القادة الكبار أهميةً استثنائية. ففي ظل الحديث عن لقاءٍ مرتقب في شهر أيار المقبل بين دونالد ترامب وشي جين بينغ، لا يبدو هذا الاجتماع مجرد محطةٍ دبلوماسية عادية، بل قد يشكّل مؤشرًا على كيفية إدارة هذا الصراع المركّب: هل يتجه الطرفان نحو وضع قواعد اشتباكٍ تضبط التنافس وتمنع الانزلاق إلى مواجهةٍ مفتوحة، أم أن الحوار سيكون مجرد هدنةٍ مؤقتة في سياق صراعٍ طويل على التحكّم بشرايين الاقتصاد العالمي؟ ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام احتواءٍ استراتيجي للصين… أم أمام عالمٍ يقترب تدريجيًا من لحظة الانفجار؟ في هذا العالم الجديد، لم تعدِ القوةُ تُقاسُ فقط بما تملكه الدولُ من تكنولوجيا، بل بقدرتها على تأمين أو تعطيل تدفّق الطاقة والموارد. وبين فنزويلا وهرمز وباب المندب، تتشكّل خريطةُ صراعٍ صامت، لكنه قد يكون الأكثر تأثيرًا في رسم مستقبل النظام الدولي. * الأمين العام ل"تيار المستقبل"
الجميع يتحدث اليوم عن إيران: عن المرشد، عن إسرائيل، عن الضربات والردود. الضجيج مرتفع، لكن الصورة الأوضح غالبًا ما تختبئ خلفه. ما يجري ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل خيط واحد يمتد عبر القارات، حيث تُدار المعركة الحقيقية بلغة الاقتصاد قبل الصواريخ حدثان متباعدان… وسؤال غائب في فنزويلا، أطاحت عملية أميركية بنيكولاس مادورو. سارع كثيرون إلى الاحتفال بسقوط “ديكتاتور”، بينما انشغل آخرون بسجالات القانون الدولي. لكن سؤالًا بسيطًا غاب: من كان يشتري النفط الفنزويلي بكثافة؟الإجابة: الصين.كانت كاراكاس تضخ نحو 800 ألف برميل يوميًا إلى بكين. ومع سقوط النظام، انقطع أحد الشرايين الحيوية.في إيران، تكررت المشهدية بشكل مختلف. ضربة عسكرية كبرى، وقراءات متناقضة بين من رأى نهاية تهديد، ومن رأى خرقًا للقانون الدولي. لكن السؤال نفسه لم يُطرح بما يكفي: من كان الزبون الأكبر للنفط الإيراني؟الإجابة لم تتغير: الصين.كانت طهران تصدّر ما يقارب 1.5 مليون برميل يوميًا إلى السوق الصينية. ومع اندلاع الحرب، تعرّض هذا الخط لضربة مباشرة.بلدان مختلفان، قارتان مختلفتان، مبررات مختلفة، لكن المستهلك واحد. وهنا تبدأ القصة الحقيقية. الجغرافيا أداة ضغط المسألة ليست صدفة. إنها نمط يتكرر حين تقترب قوة صاعدة من منافسة القوة المهيمنة. لحظة الاحتكاك بين قوة قائمة وأخرى صاعدة تكون غالبًا لحظة صدام أو إعادة تشكيل قاسية للتوازنات.التاريخ يقدّم شواهد واضحة. صعود ألمانيا في مواجهة بريطانيا انتهى بالحرب العالمية الأولى. وصعود اليابان في المحيط الهادئ قاد إلى الحرب العالمية الثانية. أما الصراع بين واشنطن وموسكو، فترجم إلى الحرب الباردة.اليوم، تقف الصين على أعتاب موقع مشابه. اقتصادها ينتج نحو 28% من إجمالي الإنتاج الصناعي العالمي، وتزداد حصتها عامًا بعد عام. وتشير تقديرات عديدة إلى أنها قد تصبح الاقتصاد الأكبر عالميًا بحلول عام 2030. محرك بلا وقود كافٍ رغم هذا الصعود، تعاني الصين من نقطة ضعف جوهرية: الطاقة. فهي تستورد نحو 73% من احتياجاتها النفطية، ويبلغ استيرادها اليومي قرابة 11 مليون برميل. هذا يعني أن اقتصادًا بحجم قارة يعتمد على تدفق مستمر من الخارج. ومع تعطل خطوط الإمداد من فنزويلا وإيران، فقدت الصين ما يقارب 2.3 مليون برميل يوميًا خلال فترة قصيرة، أي نحو 20% من وارداتها النفطية. المنطق هنا بسيط: لإبطاء محرك ضخم، لا تحتاج إلى تدميره، بل يكفي أن تقلّص الوقود الذي يغذّيه. لكن الطاقة ليست كل شيء. الصين كانت تعمل، بالتوازي، على مشروع استراتيجي ضخم لإعادة تشكيل التجارة العالمية عبر “مبادرة الحزام والطريق”، وهو مشروع يمتد عبر عشرات الدول، ويربط آسيا بأوروبا من خلال موانئ وسكك حديد وخطوط نقل. الهدف واضح: السيطرة على شرايين التجارة العالمية. وقد بدأت أوروبا تميل تدريجيًا نحو هذا الاتجاه. أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لعدد من الاقتصادات الأوروبية الكبرى، وارتفعت التبادلات التجارية بين الطرفين إلى مئات المليارات من الدولارات سنويًا. وهنا تبرز إيران مجددًا، ليس فقط كمصدر للطاقة، بل كممر جغرافي أساسي. فأي اضطراب فيها لا يوقف النفط فقط، بل يعرقل أحد أهم المسارات البرية التي تربط الصين بالقارة الأوروبية. العقدة التي تختصر القرن في قلب هذا المشهد، تقف تايوان بوصفها أحد أهم المفاصل الاستراتيجية في العالم. فهي تنتج نحو 90% من الشرائح الإلكترونية المتقدمة التي يعتمد عليها الاقتصاد الرقمي العالمي. هذه الشرائح تدخل في كل شيء: الهواتف، السيارات، أنظمة الدفاع، والذكاء الاصطناعي.ومن يسيطر على هذه الصناعة، يملك مفتاح التفوق التكنولوجي في القرن الحادي والعشرين. الولايات المتحدة تؤكد دعمها لتايوان، بينما تصر الصين على أنها جزء من أراضيها. وبين هذين الموقفين، تتصاعد احتمالات المواجهة. الربح وسط الفوضى في موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي المباشر للحروب. فكل تصعيد عسكري في الشرق الأوسط يرفع الطلب على السلاح، ويؤدي إلى توقيع صفقات بمليارات الدولارات. وخلال السنوات الأخيرة، تجاوزت موازنات الدفاع في بعض دول الخليج عشرات المليارات سنويًا، ما يجعل المنطقة واحدة من أكبر أسواق السلاح في العالم. بهذا المعنى، لا تقتصر النتائج على إضعاف الخصوم، بل تمتد إلى تحقيق مكاسب مالية مباشرة. من فنزويلا إلى إيران: الحرب الحقيقية اسمها الصين الحرب التي تُدار من خلف الدخان خيط واحد ما يبدو أحداثًا متفرقة، في فنزويلا، وإيران، وروسيا، وأوروبا، يمكن قراءته بوصفه أجزاء من استراتيجية واحدة متكاملة: تقليص إمدادات الطاقة، تعطيل طرق التجارة، إعادة توجيه التحالفات، والاستفادة من اقتصاد الحروب. العالم لا يشهد حروبًا منفصلة، بل إعادة رسم لموازين القوة. والعنوان الحقيقي لكل ذلك ليس ساحة معركة بعينها، بل اسم قوة صاعدة واحدة: الصين.
في لحظةٍ عالمية يتصاعد فيها القلق بشأن جدوى التعليم العالي، برزت تجارب صينية تمنح درجة الدكتوراه مقابل ابتكار منتج ملموس، فهزّت المسلّمات الأكاديمية التقليدية لم يعد الباحث هناك مطالباً بتكديس مئات الصفحات التي قد لا يغادر أثرها رفوف المكتبات، بل بتقديم أثرٍ قابلٍ للقياس في الواقع: نظام يعمل، أو تقنية تُستخدم، أو منتج يدخل السوق. تحوّل السؤال من «ماذا كتبت؟» إلى «ماذا غيّرت؟». هذا التحول ليس مجرد تعديلٍ إداري في منظومة التعليم، بل تعبير عن فلسفة أعمق في فهم وظيفة المعرفة. ففي التجربة الصينية، لا تُقاس قيمة البحث بكمّ الاستشهادات أو عدد الصفحات، بل بقدرته على حل مشكلة صناعية أو مجتمعية قائمة. ومنذ إصلاحات بدأت قبل نحو عقد وتكثّفت تشريعياً في الأعوام الأخيرة، أُعطيت الجامعات مرونة غير مسبوقة لتقييم الباحثين على أساس الإنجاز التطبيقي. جامعات كبرى مثل جامعة تسينغهوا نسجت شبكات شراكة عميقة مع عشرات الشركات، فانتقل طلاب الدراسات العليا من قاعات المحاضرات إلى ورش التصميم ومختبرات التطوير، حيث تولد براءات الاختراع جنباً إلى جنب مع الرسائل العلمية، لا بعدها. طقوس بلا أثر بالنسبة للعالم العربي، يطرح هذا النموذج سؤالاً وجودياً أكثر منه تربوياً: لماذا تظل آلاف الرسائل العلمية حبيسة الأدراج، فيما تتحول جامعات شرق آسيا إلى محركات ابتكار اقتصادي؟ الفجوة هنا ليست في الذكاء ولا في الطموح الفردي، بل في بنية مؤسسية تجعل البحث طقساً شكلياً أكثر منه أداة تغيير. كثير من طلاب الدراسات العليا في جامعات عربية يروون تجارب متشابهة: سنوات تُستنزف في تنسيق المراجع، وإرضاء أذواق إشرافية، وتضخيم صفحات، بينما يُهمّش السؤال المركزي: ما المشكلة التي نحلّها؟ وما القيمة التي نضيفها؟ بهذا المعنى، لا تعاني بعض البيئات الأكاديمية العربية من «شحّ المصادر» بقدر ما تعاني من تفريغ الباحث من دوره الخلّاق. تتحول الرسالة إلى نصٍ مُؤدّى لا فكرة مُكتشفة، وتصبح لجنة المناقشة محكمةً إجرائية أكثر منها فضاءً علمياً للنقاش. النتيجة ما يمكن تسميته «أبحاثاً ميتة»: جهود حقيقية، لكنها تنتهي إلى أرشيف مغلق، بلا أثر اقتصادي أو اجتماعي يُذكر. إنها معرفة بلا دورة حياة. المشكلة ليست في عدد الصفحات التي نكتبها، بل في عدد المشكلات التي نحلّها لا يكفي الاستنساخ ومع ذلك، فإن استنساخ النموذج الصيني حرفياً قد يكون وهماً جديداً. فنجاح الصين لم ينبثق من قرار أكاديمي معزول، بل من منظومة صناعية كثيفة، وتمويل مستدام، وسياسة وطنية تعتبر الابتكار أداة سيادة. هناك طلب صناعي حقيقي على الحلول، وشركات قادرة على استيعاب مخرجات البحث، وثقافة مؤسسية تعرف كيف تُحوّل الأفكار إلى منتجات. في بيئة لا تمتلك قاعدة صناعية ناضجة، قد يؤدي تحويل الدكتوراه إلى «منتج» إلى مخرجات ضعيفة علمياً وصناعياً معاً: منتجات بلا عمق معرفي، وأبحاث بلا سوق. ليست المعضلة العربية إذن في «شكل الدكتوراه» بل في «اقتصاد المعرفة» الذي يحتضنها. العلاقة بين الجامعة والصناعة ما تزال هشة في معظم الدول العربية؛ كثير من الشركات لا تمتلك تقاليد بحث وتطوير، ولا تعرف كيف تُعرّف احتياجاتها التقنية للجامعات، فيما تبقى الجامعات أسيرة مؤشرات نشر وترقية منفصلة عن الاقتصاد الحقيقي. هكذا تستمر الحلقة المفرغة: لا طلب صناعي لأن لا ثقة في البحث، ولا بحث تطبيقي لأن لا طلب صناعي. بداية دورة حياة جديدة على الرغم من ذلك، تلوح إشارات مختلفة في بعض التجارب العربية الحديثة، حيث بدأت جامعات بإنشاء حاضنات تقنية ومراكز نقل معرفة، وتمويل مشاريع ابتكارية بالشراكة مع القطاعين الصناعي والتقني. هذه المبادرات، وإن كانت محدودة النطاق، تكشف أن التحول ممكن حين تتغير الحوافز. حين يُكافأ الباحث على الأثر لا على الشكل، وتُقيَّم الجامعة بقدرتها على حل مشكلات الاقتصاد لا بعدد مجلدات مكتبتها، تبدأ دورة حياة جديدة للمعرفة. السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار في التعليم العالي العربي ليس ما إذا كان ينبغي منح الدكتوراه على أساس منتج، بل كيف يمكن بناء منظومة تجعل المنتج نتيجة طبيعية للبحث، لا بديلاً قسرياً عنه. المطلوب ليس «إلغاء الأطروحة» بل إعادة تعريفها: أطروحة تُختبر في المصنع كما تُناقش في القاعة، وتُقاس قيمتها بما تضيفه من معرفة قابلة للتطبيق والتراكم معاً. الجامعة بين المعرفة والاقتصاد ربما الدرس الأهم من التجربة الصينية ليس في الإجراء، بل في الجرأة على طرح السؤال المحرج: ما وظيفة الجامعة في القرن الحادي والعشرين؟ هل هي معبدٌ للحفظ الأكاديمي؟ أم مختبرٌ لإنتاج القوة الاقتصادية؟أم فضاءٌ لصياغة وعيٍ نقديٍّ يحمي المجتمع من السقوط في تبعية معرفية جديدة؟ من الأطروحة إلى الأثر.. إعادة تعريف الجامعة إذا كانت الإجابة هي إنتاج معرفة تغيّر الواقع، فإن العالم العربي لا يحتاج إلى استيراد نموذج بعينه، بل إلى شجاعة مؤسسية تعيد ربط الجامعة بحياة المجتمع واقتصاده. عندها فقط يمكن أن تُبعث الحياة في «الأبحاث الميتة» — لا بقرار إداري، بل بتحول حضاري في معنى العلم نفسه.