ما حدث في نيودلهي منذ أيام، لم يكن مجرّد حدثٍ دبلوماسي عابر، فتوقيع الاتفاق الأوروبي–الهندي شكل لحظةَ انعطافٍ في النظام الاقتصادي العالمي. الاتحاد الأوروبي والهند وضعا توقيعهما على اتفاقيّةٍ تجاريّة وأمنيّة تُنشئ أكبر منطقة تجارة حرّة جديدة في العالم، تمتدّ على سوقٍ يتجاوز 1.9 مليار نسمة، ويصل ناتجها المحلي الإجمالي المُجمّع إلى أكثر من 21 تريليون دولار.هذه ليست صفقةَ أرقامٍ فقط، بل إعلانٌ صريح بأنّ مركز الثقل العالمي لم يعد محصورًا بواشنطن. أرقام تعيد رسم خرائط التجارةيُحرِّر الاتفاق نحو 90 في المئة من التجارة السلعيّة بين الطرفين من الرسوم الجمركيّة، ما يعني عمليًّا إعادة توجيه تدفّقات تجاريّة تُقدَّر بأكثر من 120 مليار دولار سنويًّا في مرحلتها الأولى. بروكسل تتوقّع أن تتضاعف صادراتها إلى الهند بحلول عام 2032، لترتفع من نحو 55 مليار دولار حاليًّا إلى ما يقارب 110 مليارات، في وقتٍ تُفتح فيه السوق الهنديّة، الأسرع نموًّا بين الاقتصادات الكبرى، أمام الصناعات الأوروبيّة الثقيلة.التحوّل الأبرز يظهر في قطاع السيّارات، حيث تنخفض الرسوم من 110 في المئة إلى 10 في المئة فقط، ما يضع شركاتٍ أوروبيّة كانت شبه محظورة أمام سوقٍ يبيع أكثر من 4 ملايين سيّارة سنويًّا. النبيذ الأوروبي، الذي كان يُعامَل كسلعةٍ كماليّة بعقوباتٍ تصل إلى 150 في المئة، يدخل الآن بهوامش تتراوح بين 20 و30 في المئة، فيما تُلغى القيود كليًّا على المجوهرات والمنسوجات الهنديّة المتّجهة إلى أوروبا، مقابل فتح الأسواق الهنديّة أمام الأثاث والمواد الكيميائيّة والجلود والمعادن الأوروبيّة، وهي قطاعات تُشغِّل وحدها أكثر من 30 مليون عامل داخل الاتحاد. الدولار، الذي كان يُستخدَم في أكثر من 85 ٪ من التجارة العالميّة قبل عقدين، تراجعت حصّته إلى ما دون 60 ٪، مع تسارع استخدام العملات المحليّة إقصاء هادئ لواشنطن لكنّ ما يجعل الاتفاق زلزالًا سياسيًّا، لا تجاريًّا فقط، هو بُعده الأمني. التعاون في الأمن البحري يُغطّي طرقًا تمرّ عبرها تجارةٌ عالميّة تتجاوز قيمتها 40 في المئة من إجمالي التجارة البحريّة. التنسيق في مكافحة الإرهاب والأمن السيبراني يحمل أثرًا مباشرًا على شركات التكنولوجيا الأميركيّة، التي تُقدَّر خسائرها المحتملة في هذا القطاع وحده بنحو 250 إلى 300 مليار دولار سنويًّا، نتيجة إقصائها التدريجي عن مشاريع البنية الرقميّة الحسّاسة. أمّا الحديث عن تطويرٍ عسكريٍّ مشترك مستقبلًا، فهو رسالةٌ طويلة الأمد تعني أنّ أوروبا لم تعد ترى أمنها الصناعي رهينةً للمجمّع العسكري الأميركي. لغة المال… لا الدبابات هذه ليست لغةَ دبلوماسيّةٍ ناعمة، بل ضربةٌ محسوبة بلغةٍ يفهمها دونالد ترامب جيّدًا. القوّة هنا ليست عسكريّة، بل ماليّة، صامتة، ومتراكمة. فبينما تُلوِّح واشنطن بالعقوبات، بدأت رؤوس الأموال العالميّة بالتحرّك. تقديرات مؤسّسات ماليّة كبرى تشير إلى خروج تدفّقاتٍ رأسماليّة من السوق الأميركيّة تجاوزت تريليوني دولار خلال عامٍ واحد، جزءٌ كبيرٌ منها اتّجه إلى آسيا وأوروبا، بحثًا عن استقرارٍ سياسي قبل العوائد. في المقابل، يستمرّ ترامب في سياسة الابتزاز التجاري، رافعًا الرسوم، مهدِّدًا الحلفاء، ومحوِّلًا التجارة إلى أداة عقاب. النتيجة أنّ العالم أعاد رسم خرائطه. سلاسل التوريد التي كانت متمركزة في أميركا الشماليّة تغيّرت، وثقة المستثمرين الدوليين بالبيئة الأميركيّة تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008. وحين تنهار الثقة، لا تعود البيانات السياسيّة قادرة على إنقاذها. المقاطعة الصامتة حتّى الأثر الشعبي لم يعد هامشيًّا. السياحة إلى الولايات المتحدة تراجعت بنِسَبٍ وصلت في بعض الأسواق الأوروبيّة والآسيويّة إلى 20 في المئة، ما يعني خسائرَ سنويّة تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات. الامتناع عن السفر لم يعد شعارًا ساخرًا، بل قرارًا اقتصاديًّا. المقاطعة تسلّلت إلى الرياضة والثقافة، ومع اقتراب كأس العالم، تُقدَّر الخسائر غير المباشرة على الاقتصاد الأميركي بملياراتٍ إضافيّة، في مفارقةٍ قاسية لشعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدّدًا». تشمل الاتفاقية سوقًا ضخمًا يضم أكثر من 1.9 مليار شخص، وبناتج محلي إجمالي يتجاوز 21 تريليون دولار أوروبا ترفع الصوتفي أوروبا، تغيّرت نبرة الخطاب. وزير الماليّة الألماني لارس كلينغبايل لم يُلوِّح، بل حذّر مباشرةً من أنّ أيّ عقوبات أميركيّة على أوروبا بسبب دفاعها عن سيادتها، سواء في غرينلاند أو الدنمارك، تعني تجاوز الخطوط الحمراء. أوروبا، التي تمثّل وحدها نحو 15 في المئة من الناتج العالمي، لم تعد ترى نفسها مضطرّة للصمت. والتحوّل الأكبر يأتي من المال. أنظمة الدفع البديلة تتوسّع، وخطوط المقايضة بين دول «البريكس» باتت تُغطّي جزءًا متزايدًا من تجارتها البينيّة، التي تجاوزت 800 مليار دولار سنويًّا. الدولار، الذي كان يُستخدَم في أكثر من 85 في المئة من التجارة العالميّة قبل عقدين، تراجعت حصّته إلى ما دون 60 في المئة، مع تسارع استخدام العملات المحليّة. الصين والبرازيل والهند خفّضت حيازتها من السندات الأميركيّة بمئات المليارات، وأوروبا، التي تمتلك نحو 40 في المئة من الدين الأميركي الخارجي، بدأت فعليًّا في تنويع احتياطاتها نحو الذهب والفضّة، حيث سُجِّلت مشتريات قياسيّة خلال العامين الماضيين. بعد دافوس، دخل ترامب مرحلة الاختناق السياسي. الاقتصاد الأميركي يتباطأ، والانقسام الداخلي يتّسع. التاريخ يُخبرنا أنّ القادة الشعبويّين، حين تُحاصرهم الأزمات، يميلون إلى افتعال صدامٍ خارجي. التوجّه نحو إيران لا يبدو استعراضَ قوّة بقدر ما هو محاولةُ هروبٍ إلى الأمام، تُسرّع، لا تؤخّر، كتابة نهايته السياسيّة. عالم بلا واشنطن… ما يحدث اليوم ليس عقابًا لأميركا، بل انسحابٌ منظَّم من فوضى ترامب، الذي حوّل الحلفاء إلى رهائن، والتجارة إلى سلاح. الصفقة الأوروبيّة–الهنديّة لم تُسقط واشنطن بضربةٍ واحدة، لكنّها أكّدت أمرًا أخطر: العالم اكتشف، بالأرقام لا بالشعارات، أنّه قادرٌ على العمل من دون أميركا. الولايات المتحدة تقف أمام لحظةٍ مفصليّة: إمّا أن تُنقذ نفسها من ترامب، أو تتركه يقودها… إلى الهاوية.
ليس دخول رودولف سعادة إلى المشهد اللبناني تفصيلاً اقتصادياً عابراً، ولا يمكن قراءته على أنه استثمار تقليدي لرجل أعمال لبناني الأصل عاد إلى بلده الأم. ما يجري أبعد من ذلك بكثير. نحن أمام انتقال منظّم لرأس مال عابر للحدود إلى قلب دولة متآكلة، عبر قطاعات تمسّ مباشرة السيادة الاقتصادية والحياة اليومية للبنانيين رودولف سعادة، الرجل الذي يقود واحدة من أكبر إمبراطوريات الشحن البحري في العالم، لم يختر لبنان بوصفه سوقاً واعدة بقدر ما اختاره بوصفه فراغاً استراتيجياً: فراغ الدولة، فراغ القرار، وفراغ القدرة على إدارة المرافق الحيوية. وفي هذا الفراغ، يتحول المستثمر، شاء أم أبى، إلى لاعب سياسي بحكم الوظيفة لا الانتماء. من البحر يبدأ النفوذ أولى الإشارات جاءت من مرفأ بيروت. فإدارة محطة الحاويات في المرفأ ليست عقد تشغيل تقنياً، بل سيطرة على شريان استيراد بلد يعيش على الخارج. في لبنان، المرفأ ليس مجرد بنية تحتية، بل قلب الاقتصاد، ومرآة السيادة، وموضع اشتباك دائم بين السياسة والمال والأمن. حين يدخل لاعب بحجم CMA CGM، ثالث أكبر شركة شحن حاويات في العالم، إلى هذا الموقع، فهو لا يدخل بوصفه شركة فقط، بل بوصفه ضامناً غير معلن للاستقرار اللوجستي في بلد فقد القدرة على ضمان أي شيء بنفسه. من تلك اللحظة، يصبح الحضور الاقتصادي محمياً سياسياً، ومحصّناً دولياً، وقابلاً للتمدّد. في لبنان، لا يحتاج النفوذ إلى حزب ولا إلى شارع. يكفي أن تضع يدك على المرفأ، أن تُمسك سلسلة الإمداد، وأن تكون قادرًا على تأمين السلع في زمن الانقطاع. عندها، تتحول من مستثمر إلى لاعب سياسي، حتى لو لم تنطق بكلمة واحدة في السياسة المال يجاور السلطة التموضع لم يتوقف عند البحر. عبر ذراع الملكية العائلية، ظهر حضور في القطاع المصرفي اللبناني، وهو قطاع لم يعد مصرفياً بقدر ما هو سياسي–اجتماعي. في لبنان، المصارف ليست مجرد مؤسسات ائتمان، بل خزائن ذاكرة، وشبكات مصالح، وأدوات نفوذ صامتة. هذا النوع من الحضور لا يصنع ضجيجاً، لكنه ينسج علاقات طويلة الأمد مع النظام القائم، أيّاً يكن شكله أو توازناته، ويضمن موقعاً داخل غرف القرار غير المعلنة. الانتقال إلى حياة الناس اليومية التحوّل الأهم كان حين انتقل سعادة من البنية التحتية والمال إلى السلع الاستهلاكية والغذاء. الاستحواذ على علامة تجارية لبنانية كبرى في قطاع التجزئة الغذائية لم يكن خطوة عاطفية أو تراثية، بل قراراً استراتيجياً بامتياز. في لبنان، الغذاء ليس قطاعاً عادياً. هو عنصر استقرار اجتماعي، وأداة ضبط غضب، وشرط حدّ أدنى للعيش. من يملك نفوذاً في هذا القطاع، يملك موقعاً داخل المعادلة السياسية من دون أن يرفع شعاراً أو يخوض انتخابات. ومع توسّع الحديث عن استثمارات في واحدة من أكبر شبكات التجزئة الحديثة في البلاد، تتضح الصورة أكثر: السيطرة على سلسلة الإمداد كاملة، من السفينة إلى المستودع، ومن الرفّ إلى المستهلك. شبكة خارجية تحمي الداخل خارجيّاً، يتحرّك رودولف سعادة تحت مظلّة فرنسية واضحة. علاقته الوثيقة بالمركز السياسي في باريس، وخصوصاً بالإليزيه، تمنحه ما يشبه الغطاء الاستراتيجي، لا سيما في بلد كلبنان ما زال يُدار جزئياً من الخارج. هذا الغطاء لا يُترجم تصريحات، بل يُترجم صمتاً دولياً عند اللزوم، وتفهّماً دائماً لأي تمدّد اقتصادي يُسوَّق على أنه “إنقاذ”. فرنسا، التي فشلت في إعادة إنتاج دولة لبنانية قابلة للحكم، وجدت في رأس المال المنظّم حلاً وظيفياً: لا سيادة، لكن هناك تشغيل. لا دولة، لكن هناك إدارة. رودولف سعادة ليس المشكلة، بل العلامة من هو؟ ينحدر رودولف سعادة من أصول لبنانية–سورية، وُلد في بيروت عام 1970، ضمن عائلة مسيحية أرثوذكسية ذات امتدادات تجارية واجتماعية في المنطقة. والده، جاك سعادة (1937–2018)، أسّس مجموعة CMA CGM في فرنسا بعد انتقال العائلة إليها خلال الحرب الأهلية اللبنانية، لتتحول لاحقاً إلى إمبراطورية بحرية عالمية انطلقت من مرسيليا. تسلّم رودولف القيادة الكاملة للمجموعة عام 2017، ووسّع نشاطها من الشحن البحري إلى الموانئ، والخدمات اللوجستية، والشحن الجوي، والإعلام والاستثمار الثقافي. ا يعني أن رودولف سعادة “يسيطر” على لبنان، بل يعني ما هو أخطر: أن لبنان بات بلداً قابلاً للإدارة من الخارج عبر الداخل. أن السيادة لم تُنتزع بالقوة، بل تآكلت بالعقود. وأن الدولة، حين تغيب، لا يحكم الفراغ، بل يملؤه الأقوى تنظيماً. الخلاصة رودولف سعادة ليس المشكلة، بل المرآة. مرآة لبلدٍ لم يعد يملك مرافئه، ولا غذاءه، ولا سلاسل إمداده، بل يفاوض على بقائه عبر من يستطيع تشغيله. في لبنان اليوم، من يملك المرفأ والمصرف وشبكات التوزيع والتجزئة وروفوف السوبرماركت، لا يملك البلد رسميًا… لكنه يملك مفاتيح العيش فيه.
كانت يومًا رمزًا للحداثةِ والازدهارِ الاقتصادي، ومقصدًا للعائلاتِ الباحثةِ عن الترفيهِ والتسوّق. أمّا اليوم، تقِفُ المراكزُ التجاريّةُ الكبرى في مدينةِ صيدا، عاصمةِ الجنوبِ اللبناني، شواهدَ صامتةً على انهيارٍ اقتصاديٍّ غيرِ مسبوق، حوَّل أضواءَها البراقةَ إلى ظلالٍ باهتة، وممرّاتِها المزدحمةَ إلى مساحاتٍ تسكنُها الوحشة. لم تعُد هذه الصروحُ التجاريّةُ “إهراءاتِ روما” الحديثة، بل أصبحت أطلالًا لنموذجٍ استهلاكيٍّ لم يَعُد له مكانٌ في بلدٍ يُكافحُ لتأمينِ أبسطِ مقوّماتِ الحياة.لا يمكن فهمُ ما يحدثُ في صيدا بمعزلٍ عن السياق الوطني. فمنذ أواخر عام 2019، يمرّ لبنان بإحدى أسوأ الأزماتِ الاقتصاديّةِ والماليّةِ في التاريخِ الحديث، والتي صنّفها البنكُ الدوليّ ضمن أشدِّ ثلاثِ أزماتٍ عالميّةٍ منذ منتصف القرن التاسع عشر. انهيارٌ ومؤشّراتٌ سلبيّة هذا الانهيارُ الماليُّ الشاملُ كان له تأثيرٌ مباشرٌ وكارثيٌّ على قطاعِ التجزئة، الذي يعتمدُ بشكلٍ أساسيٍّ على الاستيراد. وجدت المراكزُ التجاريّةُ الكبرى نفسَها في قلبِ العاصفة، حيث تواجهُ معادلةً صعبة: تكاليفُ استيرادٍ باهظة، فمع تسعيرِ جميع السلعِ المستوردةِ بالدولارِ الأميركي، أصبحت تكلفةُ ملءِ الرفوفِ بالبضائعِ الجديدةِ فلكيّة، ما انعكس على أسعارِ البيعِ للمستهلك. تراجعُ القدرةِ الشرائيّة، إذ تَبَخَّرَت رواتبُ الموظّفينَ بالليرةِ اللبنانيّة، وتحوّلت السلعُ التي كانت تُعتبَر أساسيّة إلى كماليّاتٍ بعيدةِ المنال. لم يَعُد المواطنُ قادرًا على تحمّلِ تكاليفِ التسوّقِ في المراكزِ التجاريّة التي كانت تستهدفُ الطبقتين الوسطى والعليا. تكاليفُ تشغيلٍ عالية، بعدما تفاقمت الأزمةُ مع انقطاعٍ شبهِ تامٍّ للتيار الكهربائيّ الرسمي، ما أجبر المتاجرَ على الاعتمادِ على المولّداتِ الخاصّة العاملةِ بالديزل، والتي ارتفعت أسعارُها بشكلٍ جنوني، لتُضيف عبئًا ماليًّا هائلًا على كاهلِ التجار. نتيجةً لهذه العواملِ مجتمعة، شهد لبنان موجةَ إغلاقاتٍ واسعة. فبحلول عام 2022، أفادت تقاريرُ بإغلاق ما يقارب 35% من المتاجرِ في البلاد، كما انسحبت العديدُ من العلاماتِ التجاريّةِ العالميّة الكبرى، مُعلِنةً نهايةَ حقبةٍ من الاستهلاكِ المُترف. مدينةٌ تُكافحُ للبقاء في صيدا، لم تكن الصورةُ مختلفةً، بل ربما أكثر قتامة. فقد وصفت تقاريرٌ الوضعَ الاقتصاديَّ في المدينة بأنه “مشلولٌ وشبهُ معدوم”، حيث يعاني التجّارُ من انعدامِ الحركةِ التجاريّةِ والقدرةِ على تأمينِ البضائع. المراكزُ التجاريّةُ التي كانت تعُجُّ بالحياة، مثل Le Mall وThe Spot Saida، باتت تُكافحُ من أجل البقاء. صرّح أحدُ أصحابِ المراكزِ التجاريّة الكبرى، الذي اضطرّ لإغلاق خمسةٍ من فروعه الممتدةِ من الشمال إلى صيدا، بأن “الاستمرارَ بالعمل أصبح صعبًا لأن الخسائرَ تتزايد، ومدّخراتِ التجارِ تَبَدَّدت خلال العامِ ونصفِ العام الماضيين”. المفارقةُ تكمن في أنّ السوقَ التجاريَّ التقليديَّ القديمَ في صيدا، على الرغم من معاناتِه الشديدة، أظهر قدرةً أكبر على الصمودِ مقارنةً بالمراكزِ الحديثة. ويعود ذلك إلى مرونته وقدرتِه على التكيّفِ مع الواقع الجديد، حيث يعتمدُ على البيعِ بالدَّيْن، وتلبيةِ احتياجاتِ الطبقاتِ الشعبيّة التي لا تزال تبحثُ عن السلعِ الأساسيّة، بعيدًا عن رفاهيّة الماركات العالمية. ما بعد إطفاءِ الأضواء ليس تراجعُ المراكزِ التجاريّةِ ظاهرةً اقتصاديّةً فحسب، بل له تداعياتٌ اجتماعيةٌ عميقةٌ على مدينةِ صيدا، تتمثّل في: البطالة والهجرة: إذ كان هذا القطاعُ يُوظّف مئاتِ الشباب. ومع الإغلاقاتِ وتسريحِ الموظّفين، ارتفعت معدّلاتُ البطالة بشكلٍ حادّ، وتشير الإحصاءاتُ الوطنيّةُ إلى أن بطالةَ الشباب تجاوزت 47%، ما يدفع بجيلٍ كاملٍ إلى اليأس أو الهجرة، فيما يُعرَف بـ”نزيفِ الأدمغة”. تراجع إيرادات البلدية: شكّلت المراكزُ التجاريّة مصدرًا مهمًّا للرسومِ والضرائبِ البلديّة. ومع تراجع نشاطها، فقدت بلديةُ صيدا جزءًا من إيراداتِها، ما يحدّ من قدرتها على تقديم الخدماتِ الأساسيّة وصيانة البنية التحتية. تدهور الأمن الاجتماعي: ترافق الانهيارُ الاقتصادي مع تزايدٍ في معدّلات الجريمةِ والسرقاتِ في المدينة نتيجة الفقرِ واليأس، ما يهدد النسيجَ الاجتماعي ويُعمّق شعورَ السكانِ بانعدامِ الأمان. على مفترقِ طرق يقف قطاعُ المراكزِ التجاريّةِ في صيدا، ومعه المدينةُ بأكملها، على مفترقِ طرق. فضعفُ أدائه ليس مجردَ إحصائيّةٍ في تقريرٍ اقتصادي، بل هو قصةٌ إنسانيّةٌ عن أحلامٍ تبخّرت، ووظائفَ ضاعت، ومستقبلٍ بات غامضًا. إن استمرار هذا النزيف، دون حلولٍ جذريّةٍ للأزمةِ السياسيّة والاقتصاديّة الوطنيّة، يعني أنّ المزيدَ من الأضواء سيُطفأ، والمزيدَ من الأبواب سيُغلَق. إن إعادةَ إحياءِ الدور التجاري لصيدا يتطلّب أكثر من حلولٍ ترقيعيّة؛ إنه يتطلّب إعادةَ بناءِ الثقةِ بالاقتصاد، واستقرارَ سعر الصرف، ووضعَ خطةِ إنقاذٍ وطنيّةٍ شاملة. وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى المراكزُ التجاريةُ الكبرى في صيدا رمزًا لاقتصادٍ مُنهك، وصروحًا بُنيت للاستهلاك في زمنٍ لم يَعُد فيه المواطنُ يملك هذا الترف.