في الوقت الذي يئنّ فيه الصيداويون تحت ضغوط الحرب المندلعة، وآثار النزوح المميتة، والمتغيّرات والتحديات الجسام التي تعصف بمدينتهم، والزبالة التي تجتاح شوارعها وأزقّتها كما نفوس البعض. وفي زمنٍ تقف فيه آليات جيش العدو الصهيوني على تخوم صيدا متربّصة. وبين ترقّبٍ موتور لبيانٍ قد يصدر في أي وقت، يدعو فيه أبناء المدينة إلى النزوح، لم يجد رئيس البلدية ضيرًا في أن يترك كل هذا وراءه ويسافر إلى تركيا لبضعة أيام، مستفيدًا من دعوة مدفوعة التكاليف سلفًا. وكأنه يعيش في عالمٍ لا يشبه عالمنا. وكأنه رئيس بلدية «لا لا لاند»، لا رئيس بلدية صيدا. ليس كل ما تقدّم ما قد يؤشّر إلى حصول فالجٍ محتمل؛ فالجلطة الكبرى ستكون في الملهاة التراجيدية حين تعلم أنّ حجازي سيسافر ليشارك في ملتقى بعنوان: «صفر نفايات» Zero Waste Forum 2026. نعم، سيشارك «الريس» الأتراك، كما العالم، تجربته العظيمة في تحويل صيدا إلى صفر، وليس إلى صفر نفايات، وذلك في أقل من عام، بعدما غزت الأوساخ والقوارض شوارع المدينة وشواطئها، وانتشرت العشوائيات ومستوعبات الموت في الزوايا وعلى الطرقات، وفرّخت جبال النفايات كما تبيض الدجاج يوميًا. تحتار كيف سيدخل عليهم، وبماذا سيخبرهم. لو كانوا يعلمون، لما كانت آذانهم صاغية، بل كانت في أيديهم حبّات البندورة ترحيبًا.
منذ أيام، لم تعد حركة قوات دمشق باتجاه مناطق سيطرة «قسد» مجرّد مناوشات على خطوط تماسّ متقطّعة، بل تحوّلت إلى مسار سياسي–عسكري مكتمل: تقدّم ميداني، ضغط إقليمي (خصوصًا تركيًا)، ورسالة دولية تُفهم على أنّها “زمن المناطق شبه المستقلة يقترب من نهايته”، لكن بثمنٍ قد يكون باهظ أمنيًا واجتماعيًا واقتصاديًا على سوريا والمنطقة الحدث المفصلي هنا ليس التقدّم بحدّ ذاته، بل ما رافقه وتلاه: إعلان/تثبيت هدنة قصيرة الأمد (4 أيام) بين الجيش السوري و«قسد» على خلفية توترٍ في الحسكة والرقة ومحيطهما، وسط مفاوضات شائكة حول “الاندماج” وشكل السيطرة على المؤسسات والسلاح. تزامن ذلك مع اهتزاز ملفّ أخطر: السجون والمخيمات التي تضم عناصر/عوائل مرتبطة بتنظيم «داعش»، مع تقارير عن هروب أعداد من معتقلي التنظيم في الشدادي والهول خلال الفوضى. وارتدادات مباشرة على تركيا وحدودها، مع احتجاجات وتوترات واتهامات متبادلة في الشريط الحدودي، في لحظة حسّاسة لأنقرة التي تريد إنهاء نموذج “قوة كردية مسلحة” ملاصقة لها، وتضغط باتجاه دمجها في الدولة السورية. مدينة تستحق أن تكون مركزًا معرفيًا متطورًا.. تحوّلت إلى حي فقير رقميًا ما الذي تريده دمشق؟أي سلطة مركزية، خصوصًا بعد تغيّرات السلطة في دمشق خلال السنوات الماضية، سترى أن استمرار كتلة مسلحة منظّمة (قسد) مع إدارة ذاتية ونفوذ اقتصادي هو دولة داخل دولة. التقدّم باتجاه مناطق «قسد» يُقرأ كمحاولة لإعادة تعريف سوريا: جيش واحد، حدود واحدة، قرار نفطي/مالي واحد، ومؤسسات مدنية “تُدمَج” أو تُستبدَل. شمال شرق سوريا ليس “أرضًا” فقط؛ إنه موارد (نفط/غاز وزراعة ومعابر) وشرايين تجارة. أي إعادة سيطرة مركزية تعني إعادة ضبط الإيرادات، ودفع رواتب، وتمويل جهاز دولة—أو على الأقل محاولة ذلك. الهدنة والاندماج المعلن/المطروح يُستخدمان كوثيقة سياسية لإقناع الأطراف: نحن لا نخوض حربًا أهلية جديدة، نحن “نوحّد” البلاد. هذا الخطاب ظهر بوضوح في تغطيات إعلان الهدنة ومسار الدمج. ماذا تريد «قسد»؟ بنت “قسد” مشروعها على ثلاث ركائز: شرعية قتال داعش، حماية دولية/أميركية بدرجات متفاوتة، إدارة أمنية–مدنية في شرق الفرات. لكن التطورات الأخيرة تكشف تآكل الركيزتين الثانية والثالثة. من جهة، يظهر في المشهد خطاب دولي متزايد يدفعها نحو الاندماج ضمن الدولة السورية، مع إيحاء بأن سقف الدعم الخارجي ليس مفتوحًا إلى الأبد. ومن جهة ثانية، ملف السجون/المخيمات (الهول والشدادي وغيرها) صار سيفًا مسلطًا: أي اهتزاز أمني (هروب داعش/فوضى) يُستخدم لتبرير نقل السيطرة إلى الدولة أو فرض وصاية أمنية جديدة.لهذا تبدو «قسد» اليوم كمن تفاوض تحت ضغط، ضغط دمشق عسكريًا، وضغط أنقرة سياسيًا وأمنيًا، وضغط “داعش” كتهديد جاهز للانفجار. عقدة “الاندماج”كلمة واحدة تخفي حرب تعريف، حين تقول دمشق “اندماج”، فهي غالبًا تعني: تفكيك البنية القيادية المستقلة، ضمّ العناصر أفرادًا داخل وزارتي الدفاع/الداخلية، استعادة القرار على السلاح والمعابر والموارد.حين تسمع «قسد» كلمة “اندماج”، فهي تسأل: ما الضمانات الدستورية/الإدارية للأكراد وباقي المكونات؟ ما مصير قوات الأمن المحلية؟ من يدير الرقة/الحسكة/دير الزور عمليًا؟هل الاندماج تسوية أم استسلام تدريجي؟التقارير المتداولة عن بنود تتعلق بدمج المؤسسات المدنية، وإعادة انتشار، وتسليم/ضبط إداري–عسكري في الرقة ودير الزور، تعكس حجم النزاع حول معنى الدولة في الشرق السوري.الاندماج ليس بندًا إداريًا، بل إعادة هندسة ميزان القوة. الخطر الأكبر… عودة داعش أخطر ما في هذا المسار ليس الاشتباك بين دمشق و«قسد»، بل أن خطوط التماس والفوضى الإدارية تخلق لحظة مثالية لـ«داعش”.هروب أو محاولات هروب من السجون، ارتباك في الحراسة (مثل ما أُثير حول مخيم الهول)،تشتيت القوى الأمنية بين جبهات السياسة وجبهات الأمن. إذا تكرّست صورة أن “قسد لم تعد قادرة على إدارة ملف داعش”، فهذا سيُستخدم لتبرير أحد خيارين: سيطرة مركزية دمشقية على السجون والمخيمات، أو تدويل جديد للملف (تنسيق أوسع أو تدخل استخباراتي/أمني غير معلن).وفي الحالتين، الإقليم كله سيدفع الثمن: العراق أولًا، ثم الحدود السورية–التركية، ثم شبكات التهريب والبادية. تركيا…المستفيد المُتحكِّمتركيا ترى «قسد» امتدادًا لخصمها الكردي الداخلي، وتتعامل مع شرق الفرات كتهديد استراتيجي طويل الأمد. لذلك، أي تقدّم لدمشق يضعف استقلال «قسد» يُعد مكسبًا، لكن بشرط واحد: ألا ينتج عنه فراغ أو فوضى تُعيد تنشيط داعش أو تُشعل الحدود.التوترات الأخيرة على الشريط الحدودي والتحقيقات التركية في أحداث الاحتجاجات تشير إلى حساسية اللحظة: أنقرة تريد “إنهاء النموذج” لا فتح جبهة انفلات جديدة.إذا اندمجت «قسد» بشروط دمشق (أو تحت ضغط تركي)، تكون تركيا قد اقتربت من هدفها التاريخي: تفكيك القوة الكردية المسلحة الملاصقة. أما إذا فشل المسار، فستعود سيناريوهات العمليات/المناطق العازلة/التصعيد الحدودي. ارتداداتالتحوّل الأهم وفق ما يوحي به المشهد العام هو أن مقاربة واشنطن قد تكون أقرب إلى:تقليص كلفة الالتزام، منع انهيار ملف داعش، دفع «قسد» لتسوية تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار.هنا بيت القصيد، عندما يشعر الحليف المحلي أن الغطاء ليس مضمونًا، يصبح “الاندماج” خيارًا واقعيًا ولو كان مؤلمًا.ماذا يعني ذلك للبنان والعراق والأردن والخليج؟ أي ارتداد لداعش من شرق سوريا يعني ضغطًا مباشرًا على الأنبار ونينوى، وعلى طرق التهريب والسلاح. ملف السجون وحده كفيل بإشعال تعاون/صدامات أمنية عابرة للحدود.عمّان تقلق من المخدرات والتهريب جنوبًا، لكن عودة الفوضى شرقًا تفتح مسارات جديدة للشبكات نفسها.ليس لبنان لاعبًا في شرق الفرات، لكنه يتلقى الموجات: مزيد من التوتر الإقليمي يرفع حرارة الداخل، أي صعود لداعش أو فوضى ينعكس على شبكات تهريب/تمويل/تحرّك أفراد،وأي إعادة تموضع تركي–سوري–أميركي تغيّر ميزان الإقليم الذي يضغط أصلًا على لبنان.أما دول الخليج، فهي تراقب “استقرار سوريا” كملف استثمارات/علاقات/عودة تدريجية—لكن الاستقرار هنا مشروط بحسم ملف الشرق دون انفجار أمني. السيناريوهات المرتقبةفي الأيام والأسابيع المقبلة سنكون أمام مجموعة من السيناريوهات المحتملة. اندماج مضبوط وإعادة انتشار، تتمثل في تهدئة تتوسع، دمج تدريجي، وسيطرة مؤسساتية على المعابر والموارد، مع ترتيبات أمن محلي شكلية. هذا هو السيناريو الذي تحاول الأطراف تسويقه عبر “هدن قصيرة تتبعها تفاهمات”. السيناريو الثاني، اندماج بالقوة + تمرّد/جيوب مقاومة، يتمثل في تقدّم سريع يفرض أمرًا واقعًا، لكنه يخلق تمرّدًا محليًا، ويفتح باب اغتيالات/تفجيرات/حرب عصابات، ومعه ينشط داعش.في حال انهيار التفاوض، فإن ذلك قد يعني تدويل جديد للشرق، وفشل هدنة، فوضى في الرقة/الحسكة/دير الزور، ضغط تركي، وعودة “خرائط النفوذ” مع تدخلات مباشرة أو غير مباشرة. يعني هذا التقدّم أن سوريا تدخل مرحلة عنوانها "من يملك الشرق يملك شكل الدولة". إن نجحت دمشق في إنهاء استقلال «قسد» عبر تسوية، فهي تقترب من إعادة إنتاج دولة مركزية، لكنها ستواجه اختبارين قاتلين: إدارة التعددية ومنع عودة داعش. أما إقليميًا، فالمعنى الأكبر هو أن الملف الكردي في سوريا يتحوّل من “شراكة مع التحالف” إلى مفاوضة قسرية بين دمشق وأنقرة وحدود واشنطن، وأي خطأ في الحسابات سيُترجم فورًا على شكل: توتر تركي–كردي، ارتداد داعش، واهتزاز أمن العراق والحدود.
في تحوّلٍ استراتيجي، يعيد الاتّحاد الأوروبي تقييم علاقاته مع تركيا، ليس من منطلق تقاربٍ أيديولوجي، بل استجابةً لضروراتٍ أمنيّة وحقائق جيوسياسيّة. فالخوف من الطموحات الروسيّة، وضبابيّة السياسة الأمريكيّة، مقرونَين بالنفوذ التركي المتنامي في ملفّاتٍ تمسّ أمن أوروبا، يجبران القارّة العجوز على تبنّي مقاربةٍ أكثر واقعيّة. لقد ولّت أيّام تهميش أنقرة؛ فاليوم تفرض الحقائق نفسها، وتضع تركيا في قلب معادلة الأمن الأوروبي، كشريكٍ لا يمكن تجاهله في عالمٍ متغيّر. قوّة عسكريّة وموقع استراتيجي تمتلك تركيا ثاني أكبر جيشٍ في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما يمنحها ثقلاً عسكريّاً يفوق أيّ دولةٍ أوروبيّة داخل الحلف. هذا الثقل، المعزَّز بموقعها الجغرافي، يجعلها حجر زاوية في الأمن الإقليمي. ففي البحر الأسود، لا يقتصر دورها على تطبيق اتّفاقيّة مونترو، بل يمتدّ إلى تزويد الناتو وأوكرانيا بمعلوماتٍ استخباراتيّة بحريّة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرتها على الحوار مع موسكو. وفي البحر المتوسّط، البوّابة الجنوبيّة لأوروبا، عزّزت أنقرة نفوذها بما يؤثّر مباشرةً في المصالح الأوروبيّة. وقد أظهرت تركيا قدرةً فريدة على الموازنة بين التزاماتها بالحلف ومصالحها الوطنيّة، وهو ما بات الأوروبيّون ينظرون إليه كميزةٍ استراتيجيّة. ويمتدّ هذا الدور المحوري إلى مكافحة الإرهاب وإدارة ملفّ الهجرة، وهما قضيتان تحتلّان أولويّة قصوى في أمن أوروبا الداخلي، حيث أثبتت تركيا أنّها شريكٌ لا غنى عنه في هذا المجال، بما يمثّل ركيزةً أساسيّة للأمن الأوروبي. من منافس إلى شريك تتجاوز أهميّة تركيا الجانب العسكري لتشمل الصناعات الدفاعيّة، التي أصبحت أوروبا تنظر إليها كمكمّلٍ لإنتاجها، لا كمنافسٍ له. فقد حقّقت شركات الدفاع التركيّة نجاحاً لافتاً، ولا سيّما في مجال الطائرات المسيّرة التي أثبتت فعاليّتها في صراعاتٍ إقليميّة عدّة. هذا النجاح لم يجعل تركيا مورّداً رئيسيّاً للتكنولوجيا المتقدّمة لحلفاء الناتو فحسب، بل فتح الباب أيضاً أمام تعاونٍ صناعيّ أوسع، كما يتجلّى في صفقة طائرات «يوروفايتر تايفون». هذه الصفقة لا تسدّ فجوةً في قدرات القوّات الجويّة التركيّة فحسب، بل تدمج القاعدة الصناعيّة التركيّة بشكلٍ أعمق في المنظومة الدفاعيّة الأوروبيّة، عبر نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك، ما يخلق مصالح متبادلة طويلة الأمد. ويشمل هذا التعاون أيضاً تطوير أنظمةٍ بحريّة وبرّيّة، بما يعزّز قدرة أوروبا على مواجهة التحدّيات الأمنيّة المستقبليّة بصورةٍ جماعيّة. أبعاد اقتصاديّة وأمن الطاقة على الصعيد الاقتصادي، ترتبط أوروبا وتركيا بعلاقاتٍ راسخة لا يمكن فصلها عن الاعتبارات السياسيّة. فقد خلقت اتّفاقيّة الاتّحاد الجمركي لعام 1995 منطقةً اقتصاديّة متكاملة، إذ تجاوز حجم التجارة الثنائيّة 210 مليارات يورو في عام 2024. كما تدير آلاف الشركات الأوروبيّة مصانع في تركيا، مستفيدةً من انخفاض تكاليف الإنتاج وسهولة الوصول إلى الأسواق الأوروبيّة. هذا التكامل الصناعي يخلق حافزاً قويّاً لدى مجتمعات الأعمال الأوروبيّة للحفاظ على علاقاتٍ مستقرّة وبنّاءة مع أنقرة. كما أنّ تحديث الاتّحاد الجمركي ليشمل قطاعاتٍ جديدة، كقطاعي الخدمات والتجارة الرقميّة، من شأنه أن يطلق العنان لإمكاناتٍ اقتصاديّة هائلة للطرفين، ويعزّز النموّ الاقتصادي المشترك. وفي مجال الطاقة، يبرز دور تركيا كممرٍّ حيويّ لأمن الطاقة الأوروبي. فأراضيها تحتضن خطوط أنابيب رئيسيّة تنقل الغاز من بحر قزوين وآسيا الوسطى، ما يساهم مباشرةً في استراتيجيّة أوروبا لتنويع مصادر الإمداد بعيداً عن الهيمنة الروسيّة. ومع طموح أنقرة المشروع للتحوّل إلى مركزٍ إقليميّ للطاقة، تتزايد أهميّتها الاستراتيجيّة لأوروبا، التي تجد في تركيا شريكاً موثوقاً لتحقيق أمن الطاقة على المدى الطويل. إنّ تطوير البنية التحتيّة اللازمة لزيادة قدرة تركيا على تصدير الغاز إلى أوروبا يمثّل استثماراً استراتيجيّاً لكلا الجانبين. انقسامات أوروبيّة على الرغم من هذه المصالح المشتركة، فإنّ الطريق نحو شراكةٍ استراتيجيّة كاملة ليس سهلاً. فالمواقف داخل الاتّحاد الأوروبي متباينة؛ إذ تدفع دول مثل بولندا وإيطاليا وإسبانيا نحو تعميق العلاقات، مدفوعةً بمصالح أمنيّة واقتصاديّة، فيما تتّخذ دول أخرى، كفرنسا واليونان، موقفاً أكثر تحفّظاً، نتيجةً للتنافس الجيوسياسي والنزاعات التاريخيّة. هذا الانقسام الداخلي يعقّد عمليّة صنع القرار في بروكسل، ويجعل من الصعب على الاتّحاد الأوروبي تبنّي سياسةٍ موحّدة تجاه تركيا، كما يُبقي طموح أنقرة بالانضمام إلى الاتّحاد بعيد المنال في الوقت الراهن. وتجاوز هذه الخلافات يتطلّب حواراً صريحاً وبنّاءً، وتركيزاً على المصالح المشتركة التي تفوق نقاط الخلاف. الواقعية السياسية تدخل العلاقة بين أوروبا وتركيا مرحلةً جديدة تتّسم بالواقعيّة السياسيّة البحتة. فالمصالح المشتركة، ولا سيّما في مجالي الأمن والطاقة، أصبحت أقوى من أيّ وقتٍ مضى، وتدفع الطرفين نحو تعاونٍ أعمق. قد لا تتطوّر هذه العلاقة إلى تحالفٍ استراتيجيّ كامل في المدى المنظور، لكن المؤكّد أنّ أوروبا لم تعد قادرة على تهميش تركيا، بل باتت ترى في دمجها ضرورةً لا غنى عنها لضمان أمنها واستقرارها في مواجهة عالمٍ يزداد اضطراباً. إنّ مستقبل هذه الشراكة يعتمد على قدرة الطرفين على إدارة خلافاتهما ببراغماتيّة، والبناء على المصالح المشتركة لتحقيق مستقبلٍ أكثر أمناً وازدهاراً للجميع. إنّها بالفعل شراكة تفرضها ضرورات الواقع، وتتطلّب حكمةً سياسيّة ورؤيةً استراتيجيّة من الجانبين لضمان نجاحها واستمراريّتها.