منذ أيام، لم تعد حركة قوات دمشق باتجاه مناطق سيطرة «قسد» مجرّد مناوشات على خطوط تماسّ متقطّعة، بل تحوّلت إلى مسار سياسي–عسكري مكتمل: تقدّم ميداني، ضغط إقليمي (خصوصًا تركيًا)، ورسالة دولية تُفهم على أنّها “زمن المناطق شبه المستقلة يقترب من نهايته”، لكن بثمنٍ قد يكون باهظ أمنيًا واجتماعيًا واقتصاديًا على سوريا والمنطقة الحدث المفصلي هنا ليس التقدّم بحدّ ذاته، بل ما رافقه وتلاه: إعلان/تثبيت هدنة قصيرة الأمد (4 أيام) بين الجيش السوري و«قسد» على خلفية توترٍ في الحسكة والرقة ومحيطهما، وسط مفاوضات شائكة حول “الاندماج” وشكل السيطرة على المؤسسات والسلاح. تزامن ذلك مع اهتزاز ملفّ أخطر: السجون والمخيمات التي تضم عناصر/عوائل مرتبطة بتنظيم «داعش»، مع تقارير عن هروب أعداد من معتقلي التنظيم في الشدادي والهول خلال الفوضى. وارتدادات مباشرة على تركيا وحدودها، مع احتجاجات وتوترات واتهامات متبادلة في الشريط الحدودي، في لحظة حسّاسة لأنقرة التي تريد إنهاء نموذج “قوة كردية مسلحة” ملاصقة لها، وتضغط باتجاه دمجها في الدولة السورية. مدينة تستحق أن تكون مركزًا معرفيًا متطورًا.. تحوّلت إلى حي فقير رقميًا ما الذي تريده دمشق؟أي سلطة مركزية، خصوصًا بعد تغيّرات السلطة في دمشق خلال السنوات الماضية، سترى أن استمرار كتلة مسلحة منظّمة (قسد) مع إدارة ذاتية ونفوذ اقتصادي هو دولة داخل دولة. التقدّم باتجاه مناطق «قسد» يُقرأ كمحاولة لإعادة تعريف سوريا: جيش واحد، حدود واحدة، قرار نفطي/مالي واحد، ومؤسسات مدنية “تُدمَج” أو تُستبدَل. شمال شرق سوريا ليس “أرضًا” فقط؛ إنه موارد (نفط/غاز وزراعة ومعابر) وشرايين تجارة. أي إعادة سيطرة مركزية تعني إعادة ضبط الإيرادات، ودفع رواتب، وتمويل جهاز دولة—أو على الأقل محاولة ذلك. الهدنة والاندماج المعلن/المطروح يُستخدمان كوثيقة سياسية لإقناع الأطراف: نحن لا نخوض حربًا أهلية جديدة، نحن “نوحّد” البلاد. هذا الخطاب ظهر بوضوح في تغطيات إعلان الهدنة ومسار الدمج. ماذا تريد «قسد»؟ بنت “قسد” مشروعها على ثلاث ركائز: شرعية قتال داعش، حماية دولية/أميركية بدرجات متفاوتة، إدارة أمنية–مدنية في شرق الفرات. لكن التطورات الأخيرة تكشف تآكل الركيزتين الثانية والثالثة. من جهة، يظهر في المشهد خطاب دولي متزايد يدفعها نحو الاندماج ضمن الدولة السورية، مع إيحاء بأن سقف الدعم الخارجي ليس مفتوحًا إلى الأبد. ومن جهة ثانية، ملف السجون/المخيمات (الهول والشدادي وغيرها) صار سيفًا مسلطًا: أي اهتزاز أمني (هروب داعش/فوضى) يُستخدم لتبرير نقل السيطرة إلى الدولة أو فرض وصاية أمنية جديدة.لهذا تبدو «قسد» اليوم كمن تفاوض تحت ضغط، ضغط دمشق عسكريًا، وضغط أنقرة سياسيًا وأمنيًا، وضغط “داعش” كتهديد جاهز للانفجار. عقدة “الاندماج”كلمة واحدة تخفي حرب تعريف، حين تقول دمشق “اندماج”، فهي غالبًا تعني: تفكيك البنية القيادية المستقلة، ضمّ العناصر أفرادًا داخل وزارتي الدفاع/الداخلية، استعادة القرار على السلاح والمعابر والموارد.حين تسمع «قسد» كلمة “اندماج”، فهي تسأل: ما الضمانات الدستورية/الإدارية للأكراد وباقي المكونات؟ ما مصير قوات الأمن المحلية؟ من يدير الرقة/الحسكة/دير الزور عمليًا؟هل الاندماج تسوية أم استسلام تدريجي؟التقارير المتداولة عن بنود تتعلق بدمج المؤسسات المدنية، وإعادة انتشار، وتسليم/ضبط إداري–عسكري في الرقة ودير الزور، تعكس حجم النزاع حول معنى الدولة في الشرق السوري.الاندماج ليس بندًا إداريًا، بل إعادة هندسة ميزان القوة. الخطر الأكبر… عودة داعش أخطر ما في هذا المسار ليس الاشتباك بين دمشق و«قسد»، بل أن خطوط التماس والفوضى الإدارية تخلق لحظة مثالية لـ«داعش”.هروب أو محاولات هروب من السجون، ارتباك في الحراسة (مثل ما أُثير حول مخيم الهول)،تشتيت القوى الأمنية بين جبهات السياسة وجبهات الأمن. إذا تكرّست صورة أن “قسد لم تعد قادرة على إدارة ملف داعش”، فهذا سيُستخدم لتبرير أحد خيارين: سيطرة مركزية دمشقية على السجون والمخيمات، أو تدويل جديد للملف (تنسيق أوسع أو تدخل استخباراتي/أمني غير معلن).وفي الحالتين، الإقليم كله سيدفع الثمن: العراق أولًا، ثم الحدود السورية–التركية، ثم شبكات التهريب والبادية. تركيا…المستفيد المُتحكِّمتركيا ترى «قسد» امتدادًا لخصمها الكردي الداخلي، وتتعامل مع شرق الفرات كتهديد استراتيجي طويل الأمد. لذلك، أي تقدّم لدمشق يضعف استقلال «قسد» يُعد مكسبًا، لكن بشرط واحد: ألا ينتج عنه فراغ أو فوضى تُعيد تنشيط داعش أو تُشعل الحدود.التوترات الأخيرة على الشريط الحدودي والتحقيقات التركية في أحداث الاحتجاجات تشير إلى حساسية اللحظة: أنقرة تريد “إنهاء النموذج” لا فتح جبهة انفلات جديدة.إذا اندمجت «قسد» بشروط دمشق (أو تحت ضغط تركي)، تكون تركيا قد اقتربت من هدفها التاريخي: تفكيك القوة الكردية المسلحة الملاصقة. أما إذا فشل المسار، فستعود سيناريوهات العمليات/المناطق العازلة/التصعيد الحدودي. ارتداداتالتحوّل الأهم وفق ما يوحي به المشهد العام هو أن مقاربة واشنطن قد تكون أقرب إلى:تقليص كلفة الالتزام، منع انهيار ملف داعش، دفع «قسد» لتسوية تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار.هنا بيت القصيد، عندما يشعر الحليف المحلي أن الغطاء ليس مضمونًا، يصبح “الاندماج” خيارًا واقعيًا ولو كان مؤلمًا.ماذا يعني ذلك للبنان والعراق والأردن والخليج؟ أي ارتداد لداعش من شرق سوريا يعني ضغطًا مباشرًا على الأنبار ونينوى، وعلى طرق التهريب والسلاح. ملف السجون وحده كفيل بإشعال تعاون/صدامات أمنية عابرة للحدود.عمّان تقلق من المخدرات والتهريب جنوبًا، لكن عودة الفوضى شرقًا تفتح مسارات جديدة للشبكات نفسها.ليس لبنان لاعبًا في شرق الفرات، لكنه يتلقى الموجات: مزيد من التوتر الإقليمي يرفع حرارة الداخل، أي صعود لداعش أو فوضى ينعكس على شبكات تهريب/تمويل/تحرّك أفراد،وأي إعادة تموضع تركي–سوري–أميركي تغيّر ميزان الإقليم الذي يضغط أصلًا على لبنان.أما دول الخليج، فهي تراقب “استقرار سوريا” كملف استثمارات/علاقات/عودة تدريجية—لكن الاستقرار هنا مشروط بحسم ملف الشرق دون انفجار أمني. السيناريوهات المرتقبةفي الأيام والأسابيع المقبلة سنكون أمام مجموعة من السيناريوهات المحتملة. اندماج مضبوط وإعادة انتشار، تتمثل في تهدئة تتوسع، دمج تدريجي، وسيطرة مؤسساتية على المعابر والموارد، مع ترتيبات أمن محلي شكلية. هذا هو السيناريو الذي تحاول الأطراف تسويقه عبر “هدن قصيرة تتبعها تفاهمات”. السيناريو الثاني، اندماج بالقوة + تمرّد/جيوب مقاومة، يتمثل في تقدّم سريع يفرض أمرًا واقعًا، لكنه يخلق تمرّدًا محليًا، ويفتح باب اغتيالات/تفجيرات/حرب عصابات، ومعه ينشط داعش.في حال انهيار التفاوض، فإن ذلك قد يعني تدويل جديد للشرق، وفشل هدنة، فوضى في الرقة/الحسكة/دير الزور، ضغط تركي، وعودة “خرائط النفوذ” مع تدخلات مباشرة أو غير مباشرة. يعني هذا التقدّم أن سوريا تدخل مرحلة عنوانها "من يملك الشرق يملك شكل الدولة". إن نجحت دمشق في إنهاء استقلال «قسد» عبر تسوية، فهي تقترب من إعادة إنتاج دولة مركزية، لكنها ستواجه اختبارين قاتلين: إدارة التعددية ومنع عودة داعش. أما إقليميًا، فالمعنى الأكبر هو أن الملف الكردي في سوريا يتحوّل من “شراكة مع التحالف” إلى مفاوضة قسرية بين دمشق وأنقرة وحدود واشنطن، وأي خطأ في الحسابات سيُترجم فورًا على شكل: توتر تركي–كردي، ارتداد داعش، واهتزاز أمن العراق والحدود.
في تحوّلٍ استراتيجي، يعيد الاتّحاد الأوروبي تقييم علاقاته مع تركيا، ليس من منطلق تقاربٍ أيديولوجي، بل استجابةً لضروراتٍ أمنيّة وحقائق جيوسياسيّة. فالخوف من الطموحات الروسيّة، وضبابيّة السياسة الأمريكيّة، مقرونَين بالنفوذ التركي المتنامي في ملفّاتٍ تمسّ أمن أوروبا، يجبران القارّة العجوز على تبنّي مقاربةٍ أكثر واقعيّة. لقد ولّت أيّام تهميش أنقرة؛ فاليوم تفرض الحقائق نفسها، وتضع تركيا في قلب معادلة الأمن الأوروبي، كشريكٍ لا يمكن تجاهله في عالمٍ متغيّر. قوّة عسكريّة وموقع استراتيجي تمتلك تركيا ثاني أكبر جيشٍ في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما يمنحها ثقلاً عسكريّاً يفوق أيّ دولةٍ أوروبيّة داخل الحلف. هذا الثقل، المعزَّز بموقعها الجغرافي، يجعلها حجر زاوية في الأمن الإقليمي. ففي البحر الأسود، لا يقتصر دورها على تطبيق اتّفاقيّة مونترو، بل يمتدّ إلى تزويد الناتو وأوكرانيا بمعلوماتٍ استخباراتيّة بحريّة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرتها على الحوار مع موسكو. وفي البحر المتوسّط، البوّابة الجنوبيّة لأوروبا، عزّزت أنقرة نفوذها بما يؤثّر مباشرةً في المصالح الأوروبيّة. وقد أظهرت تركيا قدرةً فريدة على الموازنة بين التزاماتها بالحلف ومصالحها الوطنيّة، وهو ما بات الأوروبيّون ينظرون إليه كميزةٍ استراتيجيّة. ويمتدّ هذا الدور المحوري إلى مكافحة الإرهاب وإدارة ملفّ الهجرة، وهما قضيتان تحتلّان أولويّة قصوى في أمن أوروبا الداخلي، حيث أثبتت تركيا أنّها شريكٌ لا غنى عنه في هذا المجال، بما يمثّل ركيزةً أساسيّة للأمن الأوروبي. من منافس إلى شريك تتجاوز أهميّة تركيا الجانب العسكري لتشمل الصناعات الدفاعيّة، التي أصبحت أوروبا تنظر إليها كمكمّلٍ لإنتاجها، لا كمنافسٍ له. فقد حقّقت شركات الدفاع التركيّة نجاحاً لافتاً، ولا سيّما في مجال الطائرات المسيّرة التي أثبتت فعاليّتها في صراعاتٍ إقليميّة عدّة. هذا النجاح لم يجعل تركيا مورّداً رئيسيّاً للتكنولوجيا المتقدّمة لحلفاء الناتو فحسب، بل فتح الباب أيضاً أمام تعاونٍ صناعيّ أوسع، كما يتجلّى في صفقة طائرات «يوروفايتر تايفون». هذه الصفقة لا تسدّ فجوةً في قدرات القوّات الجويّة التركيّة فحسب، بل تدمج القاعدة الصناعيّة التركيّة بشكلٍ أعمق في المنظومة الدفاعيّة الأوروبيّة، عبر نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك، ما يخلق مصالح متبادلة طويلة الأمد. ويشمل هذا التعاون أيضاً تطوير أنظمةٍ بحريّة وبرّيّة، بما يعزّز قدرة أوروبا على مواجهة التحدّيات الأمنيّة المستقبليّة بصورةٍ جماعيّة. أبعاد اقتصاديّة وأمن الطاقة على الصعيد الاقتصادي، ترتبط أوروبا وتركيا بعلاقاتٍ راسخة لا يمكن فصلها عن الاعتبارات السياسيّة. فقد خلقت اتّفاقيّة الاتّحاد الجمركي لعام 1995 منطقةً اقتصاديّة متكاملة، إذ تجاوز حجم التجارة الثنائيّة 210 مليارات يورو في عام 2024. كما تدير آلاف الشركات الأوروبيّة مصانع في تركيا، مستفيدةً من انخفاض تكاليف الإنتاج وسهولة الوصول إلى الأسواق الأوروبيّة. هذا التكامل الصناعي يخلق حافزاً قويّاً لدى مجتمعات الأعمال الأوروبيّة للحفاظ على علاقاتٍ مستقرّة وبنّاءة مع أنقرة. كما أنّ تحديث الاتّحاد الجمركي ليشمل قطاعاتٍ جديدة، كقطاعي الخدمات والتجارة الرقميّة، من شأنه أن يطلق العنان لإمكاناتٍ اقتصاديّة هائلة للطرفين، ويعزّز النموّ الاقتصادي المشترك. وفي مجال الطاقة، يبرز دور تركيا كممرٍّ حيويّ لأمن الطاقة الأوروبي. فأراضيها تحتضن خطوط أنابيب رئيسيّة تنقل الغاز من بحر قزوين وآسيا الوسطى، ما يساهم مباشرةً في استراتيجيّة أوروبا لتنويع مصادر الإمداد بعيداً عن الهيمنة الروسيّة. ومع طموح أنقرة المشروع للتحوّل إلى مركزٍ إقليميّ للطاقة، تتزايد أهميّتها الاستراتيجيّة لأوروبا، التي تجد في تركيا شريكاً موثوقاً لتحقيق أمن الطاقة على المدى الطويل. إنّ تطوير البنية التحتيّة اللازمة لزيادة قدرة تركيا على تصدير الغاز إلى أوروبا يمثّل استثماراً استراتيجيّاً لكلا الجانبين. انقسامات أوروبيّة على الرغم من هذه المصالح المشتركة، فإنّ الطريق نحو شراكةٍ استراتيجيّة كاملة ليس سهلاً. فالمواقف داخل الاتّحاد الأوروبي متباينة؛ إذ تدفع دول مثل بولندا وإيطاليا وإسبانيا نحو تعميق العلاقات، مدفوعةً بمصالح أمنيّة واقتصاديّة، فيما تتّخذ دول أخرى، كفرنسا واليونان، موقفاً أكثر تحفّظاً، نتيجةً للتنافس الجيوسياسي والنزاعات التاريخيّة. هذا الانقسام الداخلي يعقّد عمليّة صنع القرار في بروكسل، ويجعل من الصعب على الاتّحاد الأوروبي تبنّي سياسةٍ موحّدة تجاه تركيا، كما يُبقي طموح أنقرة بالانضمام إلى الاتّحاد بعيد المنال في الوقت الراهن. وتجاوز هذه الخلافات يتطلّب حواراً صريحاً وبنّاءً، وتركيزاً على المصالح المشتركة التي تفوق نقاط الخلاف. الواقعية السياسية تدخل العلاقة بين أوروبا وتركيا مرحلةً جديدة تتّسم بالواقعيّة السياسيّة البحتة. فالمصالح المشتركة، ولا سيّما في مجالي الأمن والطاقة، أصبحت أقوى من أيّ وقتٍ مضى، وتدفع الطرفين نحو تعاونٍ أعمق. قد لا تتطوّر هذه العلاقة إلى تحالفٍ استراتيجيّ كامل في المدى المنظور، لكن المؤكّد أنّ أوروبا لم تعد قادرة على تهميش تركيا، بل باتت ترى في دمجها ضرورةً لا غنى عنها لضمان أمنها واستقرارها في مواجهة عالمٍ يزداد اضطراباً. إنّ مستقبل هذه الشراكة يعتمد على قدرة الطرفين على إدارة خلافاتهما ببراغماتيّة، والبناء على المصالح المشتركة لتحقيق مستقبلٍ أكثر أمناً وازدهاراً للجميع. إنّها بالفعل شراكة تفرضها ضرورات الواقع، وتتطلّب حكمةً سياسيّة ورؤيةً استراتيجيّة من الجانبين لضمان نجاحها واستمراريّتها.
في ظلِّ التحوّلاتِ الزلزاليّةِ التي تعصفُ بالشرقِ الأوسط، من سقوطِ نظامِ الأسدِ في دمشق، إلى انحسارِ النفوذِ الإيرانيّ بعدَ الضرباتِ الموجِعةِ التي تلقّاها «محورُ المقاومة»، تبرزُ تركيا لاعبًا استراتيجيًّا يسعى إلى ملءِ الفراغِ وإعادةِ رسمِ خريطةِ التحالفات. لم تَعُد أنقرةُ مجرّدَ مراقبٍ، بل تحوّلت إلى صانعِ أحداث، تتحرّك بخطواتٍ مدروسةٍ على رقعةِ الشطرنجِ الإقليميّة، من بوّابةِ التقاربِ مع حزبِ الله، مرورًا بتطبيعِ العلاقاتِ مع السعوديّة، وصولًا إلى نسجِ تفاهماتٍ مع النظامِ السوريّ الجديد. فما هي أبرزُ معالمِ هذه السياسةِ التركيّةِ الجديدة؟ وما الدورُ الإقليميُّ الذي تطمحُ إليه؟ تركيا وحزب الله على طاولةٍ واحدة في تطوّرٍ لافت، كشفت معلوماتٌ عن لقاءاتٍ جمعت مسؤولين أمنيّين أتراكًا مع وفدٍ من حزبِ الله في أنقرة. هذه اللقاءات، التي كانت لتُعتبَر من المحرّماتِ السياسيّة قبلَ أشهرٍ قليلة، تشيرُ إلى تحوّلٍ عميقٍ في استراتيجيّةِ الطرفين. فمن جهة، يسعى حزبُ الله، الذي يعاني من ضعفِ حليفه الإيرانيّ وتغيّرِ البيئةِ الإقليميّة، إلى إيجادِ قنواتِ تواصلٍ جديدةٍ تضمنُ له البقاءَ لاعبًا أساسيًّا في المعادلةِ اللبنانيّةِ والسوريّة. ومن جهةٍ أخرى، ترى تركيا في هذه اللقاءات فرصةً ذهبيّةً لترسيخِ دورِها كوسيطٍ إقليميٍّ جديد. وكشفت معلوماتٌ خاصّة عن سلسلةِ لقاءاتٍ أمنيّةٍ وسياسيّة عُقِدَت خلال الأسابيعِ الماضية بين مسؤولين أتراك ووفدٍ من حزبِ الله، في إطار وساطةٍ إقليميّة تقودها أنقرة لنقل رسائل متبادلة بين الحزب والقيادةِ السوريّةِ الجديدة برئاسة أحمد الشرع، وبمواكبةٍ غير مباشرة من طهران. ووفق المعلومات، شارك عمّار الموسوي، مسؤول العلاقات العربيّة والدوليّة في حزبِ الله، في «مؤتمر القدس» الذي عُقِد في إسطنبول قبلَ أيّام، يرافقه وفدٌ من الحزب، ضمّ أيضًا ماهر الدنّة، رئيسَ جهاز الإعلام في الحزبِ السوريّ القوميّ الاجتماعيّ. وجاءت هذه المشاركة بعد نحو ثلاثةِ أسابيع من لقاءاتٍ أمنيّة مغلقة هدفت إلى «خلقِ مناخِ طمأنينة» بين الأطراف المعنيّة، تمهيدًا لإعادةِ فتحِ قنواتِ التواصل. وبحسب المعطيات، حملت أنقرة إلى حزبِ الله ضماناتٍ بعدم استهدافه من قِبَل النظامِ السوريّ الجديد، في مقابل التزامٍ بنقل تطميناتٍ إلى دمشق بعدم تدخّل الحزب في الشؤونِ الداخليّة السوريّة، ولا سيّما في المناطقِ الحسّاسة كالساحلِ السوريّ وحمص. كما تضمّنت الرسائل الموجّهة إلى طهران وعودًا تركيّة بعدم دعمِ أيّ تحرّكاتٍ علويّة أو مواليةٍ لبشّار الأسد ضدّ القيادةِ السوريّة الجديدة. وتُشير المعلومات إلى تفاهماتٍ غير معلنة تقضي بعدم دعمِ حزبِ الله وإيران لأيّ جهةٍ معارضةٍ للنظامِ السوريّ الجديد، وعدمِ تهديدِ الاستقرارِ الأمنيّ في سوريا خلال المرحلةِ الانتقاليّة. وتعمل تركيا، وفق هذا المسار، كوسيطٍ على ثلاثةِ خطوطٍ متوازية: بين حزبِ الله ودمشق، وبين دمشق وطهران، وبين سوريا وحزبِ الله، بالتوازي مع دفعٍ نحو تفاهمٍ إسلاميٍّ أوسع في مواجهةِ إسرائيل. وفي هذا الإطار، دخلت قطر على خطّ الوساطة لتوفيرِ تسهيلاتٍ سياسيّة ولوجستيّة إضافيّة. وتستند المؤشّرات الميدانيّة إلى استمرارِ اللقاءاتِ والزيارات، وغيابِ أيّ تصعيدٍ عسكريٍّ بين حزبِ الله والنظامِ السوريّ الجديد، إضافةً إلى الحفاظِ على قنواتِ التواصل المفتوحة، ما يُعزّز فرضيّة تقدّم الوساطة التركيّة، ولو بحذر، في واحدةٍ من أكثرِ ملفاتِ المنطقة حساسيّة. شارك عمّار الموسوي، مسؤول العلاقات العربيّة والدوليّة في حزبِ الله، في «مؤتمر القدس» الذي عُقِد في إسطنبول قبلَ أيّام، يرافقه وفدٌ من الحزب، ضمّ أيضًا ماهر الدنّة، رئيسَ جهاز الإعلام في الحزبِ السوريّ القوميّ الاجتماعيّ شبكةُ نفوذٍ متعدّدةُ الأذرع لا يقتصرُ التحركُ التركيّ على فتحِ قنواتٍ مع حزبِ الله، بل يندرجُ ضمنَ استراتيجيّةٍ أوسعَ وأكثرَ طموحًا، تهدفُ إلى بناءِ شبكةِ نفوذٍ تمتدّ من بيروت إلى دمشقَ والرياض. وتعتمدُ هذه الاستراتيجيّةُ على عدّةِ ركائز: التغلغلُ الناعمُ في لبنان: تسعى تركيا إلى تعزيزِ نفوذِها في الساحةِ اللبنانيّة، ولا سيّما بين السُنّة، عبر دعمِ حلفائِها التقليديّين مثل «الجماعةِ الإسلاميّة» (فرعِ الإخوانِ المسلمين)، وفي الوقتِ نفسه بناءِ جسورٍ مع شخصيّاتٍ سلفيّةٍ ومنظّماتٍ إسلاميّةٍ محلّيّة. كما تعملُ على تفعيلِ شبكاتِها الخاصّة، من خلال تجنيسِ مواطنين من أصولٍ تركيّةٍ والأقلّيّةِ التركمانيّة، واستخدامِ المنظّماتِ الإنسانيّة كذراعٍ للتأثيرِ الاجتماعيّ والسياسيّ. ويأتي هذا التحركُ في سياقِ سعيِ أنقرة لمواجهةِ النفوذِ السعوديّ التقليديّ على الساحةِ السُنّيّة. التحالفُ مع سوريا الجديدة: بعد سنواتٍ من العداءِ مع نظامِ الأسد، سارعت تركيا إلى بناءِ علاقاتٍ قويّةٍ مع النظامِ الانتقاليّ في سوريا. فهي تُسيطرُ على الملفّ الأمنيّ والعسكريّ في الشمالِ السوريّ، وتُديرُ ملفَّ عودةِ اللاجئين، وعيّنت سفيرًا جديدًا في دمشق. هذا التحالفُ يمنحُ تركيا ورقةَ ضغطٍ هائلةً في أيّ تسويةٍ مستقبليّةٍ للملفّ السوريّ، ويجعلُها لاعبًا لا يمكنُ تجاوزه. التقاربُ مع السعوديّة: شهدت العلاقاتُ التركيّة–السعوديّة تحسّنًا ملحوظًا في الأشهرِ الأخيرة، مدفوعًا بضروراتٍ سياسيّةٍ وأمنيّةٍ مشتركة. فكلا البلدين يرى في انحسارِ النفوذِ الإيرانيّ فرصةً لإعادةِ تشكيلِ المنطقة وفقًا لمصالحِهما. وتوفّرُ هذه العلاقةُ غطاءً سياسيًّا واقتصاديًّا مهمًّا لتركيا في تحرّكاتِها الإقليميّة. تحدّياتٌ وعقبات الهدفُ النهائيّ الذي تطمحُ إليه تركيا، من خلال هذه التحركاتِ المعقّدة، هو أن تصبحَ القوّةَ الإقليميّةَ المهيمنةَ في المشرقِ العربيّ، وأن تملأَ الفراغَ الذي خلّفه تراجعُ النفوذِ الإيرانيّ. وتسعى أنقرةُ إلى أن تكونَ «الوسيطَ الذي لا غنى عنه»، القادرَ على جمعِ الخصومِ على طاولةٍ واحدة، من حزبِ الله إلى السعوديّة والنظامِ السوريّ. هذا الدورُ، إن نجحت في تحقيقِه، سيمنحُها نفوذًا هائلًا، يمكّنُها من تحقيقِ مصالحِها الاقتصاديّة (إعادةُ إعمارِ سوريا) والجيوسياسيّة (تعزيزُ مكانتِها كقائدةٍ للعالمِ السُنّيّ ومواجهةُ خصومِها في شرقِ المتوسّط). وعلى الرغمِ من طموحاتِها الكبيرة، تواجهُ تركيا تحدّياتٍ جدّيّة. فالولاياتُ المتّحدةُ وإسرائيل تراقبان بقلقٍ هذا الصعودَ التركيّ، ولا سيّما علاقاتِ أنقرة مع حركاتِ الإسلامِ السياسيّ. كما أنّ السعوديّة لن تتخلّى بسهولةٍ عن دورِها التاريخيّ في لبنان. إضافةً إلى ذلك، فإنّ الساحةَ اللبنانيّةَ والسوريّة، بتركيبتِهما المعقّدة، قد تُقاومان أيَّ محاولةٍ لفرضِ هيمنةٍ خارجيّةٍ جديدة. يقفُ الشرقُ الأوسط على أعتابِ مرحلةٍ جديدةٍ من إعادةِ تشكيلِ التحالفاتِ وموازينِ القوى. وقد نجحت تركيا، حتّى الآن، في استغلالِ اللحظةِ التاريخيّة لتضعَ نفسها في قلبِ هذه العمليّة. غير أنّ الأسابيعَ والأشهرَ المقبلة ستكونُ حاسمةً في تحديدِ ما إذا كانت أنقرة ستتمكّنُ من ترجمةِ طموحاتِها إلى واقع، أم أنّ أحلامَها سترتطمُ بصخرةِ المصالحِ المتضاربةِ للقوى الإقليميّةِ والدوليّةِ الأخرى.