لا يُقرأ نهر الليطاني في الأدبيات الاستراتيجية بوصفه مورداً مائياً فحسب، بل كعنصر جيوسياسي يختصر تداخل الجغرافيا بالأمن والسيادة بالصراع. ففي منطقة تُعاد صياغة توازناتها بالقوة والردع، تحوّل هذا النهر — الذي يجري كاملاً داخل الأراضي اللبنانية — إلى ما يشبه «خطاً وظيفياً» في الحسابات العسكرية الإقليمية، يتجاوز بكثير حدوده الطبيعية من منابعه في البقاع إلى مصبه شمال صور، يرسم الليطاني قوساً مائياً يوازي قوس التوتر الدائم على الحدود الجنوبية. لذلك لم يكن حضوره في التخطيط العسكري الإسرائيلي عرضياً، ولا في القرارات الدولية لاحقاً مسألة تقنية. إنه جزء من هندسة أمنية أوسع تتعلق بمستقبل جنوب لبنان نفسه. يمثل الليطاني أحد أهم عناصر السيادة المائية اللبنانية، ليس فقط لأنه الأطول داخل البلاد، بل لأنه يشكّل المورد السطحي الأكبر غير المشترك مع دول الجوار. وهذا التفصيل التقني يحمل دلالة استراتيجية في شرق أوسط يتسم بندرة المياه وبنزاعات الأحواض المشتركة. عند إطلاق «مشروع الليطاني» في منتصف القرن العشرين، كان التصور أنه سيكون عماد استقلال لبنان الطاقوي والزراعي. توليد الكهرباء الكهرومائية، ريّ الأراضي، وتنمية الريف كانت عناصر مشروع دولة حديثة. غير أن تراجع البنية التحتية والتلوث الواسع حوّلاه إلى مورد مستنزف بدل أن يكون ركيزة تنموية. ورغم ذلك، يبقى النهر مخزوناً استراتيجياً كامناً: قدرة كامنة على إنتاج الطاقة والمياه والغذاء في بلد يعاني أزمات متراكمة. لذلك فإن السيطرة الفعلية عليه — سياسياً وأمنياً — تعني أكثر بكثير من إدارة مورد طبيعي. تحوّل مصطلح “جنوب الليطاني” من توصيف جغرافي إلى مفهوم أمني دولي يحدد شكل الصراع وحدوده «عملية الليطاني» وعقيدة الحدود الشمالية شكّلت عملية 1978 نقطة تحوّل مفصلية، إذ لم تكتفِ إسرائيل بإبعاد المقاتلين الفلسطينيين، بل رسمت عملياً تصوراً لعمق أمني يصل حتى النهر. هذا التصور لم يتحول إلى حدود دائمة، لكنه بقي مرجعاً ضمنياً في التفكير العسكري. بعد حرب 2006، جاء القرار 1701 ليحوّل هذا العمق الافتراضي إلى ترتيبات أمنية دولية: انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وجود مكثف لليونيفيل، وقيود على السلاح غير الرسمي. وبذلك تحوّل النهر إلى خط فصل غير معلن بين مستويين من السيادة الأمنية. الأخطر أن هذا الخط ليس ثابتاً قانونياً، بل قابل لإعادة التعريف وفق ميزان القوة في أي حرب. وهنا يكمن جوهر البعد الاستراتيجي: الليطاني ليس حدوداً، لكنه يمكن أن يصبح كذلك مؤقتاً إذا انهار التوازن. مساحة ضبط دولي للصراع المنطقة الواقعة بين النهر والحدود تُعد نموذجاً لما يمكن تسميته «السيادة المقيدة». فهي تحت سلطة الدولة اللبنانية رسمياً، لكنها أيضاً خاضعة لترتيبات أمنية دولية كثيفة ومراقبة مستمرة. هذه المنطقة تؤدي وظيفة مزدوجة: عازِل أمني لإسرائيل، ساحة اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها، وفي أي مواجهة واسعة، تصبح هذه المنطقة أول ميدان للصدام وأول هدف لإعادة رسم خطوط الانتشار. الحديث عن «أطماع مائية» في الليطاني يتكرر منذ عقود، لكن الواقع التقني اليوم يشير إلى أن إسرائيل لم تعد بحاجة ملحّة لمياهه بفضل التحلية والتكنولوجيا. ومع ذلك، لا يفقد النهر قيمته الاستراتيجية. قيمته الأساسية اليوم ليست في الماء ذاته، بل في الجغرافيا التي يصنعها. فهو يشكّل خطاً طبيعياً واضحاً يمكن استخدامه كحاجز دفاعي أو كنقطة ارتكاز لأي انتشار عسكري. وفي الحروب الحديثة، تصبح المعالم الطبيعية الثابتة عناصر حاسمة في تخطيط العمليات. الليطاني كخط ردع غير معلن في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد التوتر على الحدود، عاد النهر ليظهر في الخطاب السياسي والعسكري بوصفه فاصلاً بين مستويين من التصعيد: جنوبه منطقة عالية الحساسية، وشماله عمق لبناني أوسع. هذا التمييز يعكس واقعاً عملياً في معادلة الردع. فالنهر بات يمثل ما يشبه «خطاً أحمر جغرافياً» غير مكتوب: تجاوزه يعني انتقال المواجهة إلى مستوى جديد. من هنا، فإن أي حرب واسعة قد تجعل الليطاني خط تماس فعلياً، لا مجرد مرجع جغرافي. وفي هذه الحالة، يتحول من شريان حياة إلى عنصر في هندسة ساحة المعركة. مستقبل الجنوب… بين تثبيت التوازن وإعادة رسمه السيناريوهات المحتملة لدور الليطاني تتراوح بين خيارين متناقضين: الأول: تثبيت الوضع القائم، استمرار الترتيبات الأمنية الحالية، وبقاء النهر رمزاً للتوازن دون تحوله إلى خط مواجهة مباشر. الثاني: إعادة تعريفه عسكرياً، في حال اندلاع حرب واسعة، قد يصبح خط انتشار أو حاجزاً دفاعياً أو حتى مرجعاً لأي ترتيبات ما بعد النزاع. في كلا الحالين، يبقى الليطاني جزءاً من معادلة أكبر تتعلق بمستقبل لبنان وحدوده ووضع الجنوب في النظام الإقليمي. الليطاني ليس مجرد نهر، بل بنية جيوسياسية مكثفة تختصر صراعات المياه والسيادة والأمن في الشرق الأوسط. إنه: المورد المائي السيادي الأكبر للبنان، خط عمق أمني في العقيدة الإسرائيلية، عنصر محوري في القرار الدولي 1701، معلم جغرافي يمكن تحويله إلى خط تماس في أي حرب. وبينما تتغير موازين القوى في المنطقة، يظل الليطاني أحد الثوابت القليلة التي لا يمكن تجاوزها في أي تصور لمستقبل الجنوب اللبناني. إنه نهر يجري داخل حدود دولة، لكنه واقعياً يقع عند تقاطع حدود صراع إقليمي مفتوح — صراع يتأرجح دائماً بين الردع والانفجار.
أغمض عينيك… وتخَيَّل معي هذا المشهد الساحر. تقف على ضفاف النيل في القاهرة، والشمس تشرق على مآذن الأزهر. تحمل عصاك وزادك، وتنطلق في رحلة لن تحتاج فيها إلى جواز سفر، أو تأشيرة دخول، أو حتى تصريح مرور. إنها رحلة عبر إمبراطورية واحدة تمتد من المحيط الأطلسي إلى أسوار الصين، ومن سهول آسيا الوسطى إلى صحاري أفريقيا. من أرض الكنانة إلى الأرض المقدسةتعبر سيناء بخطوات واثقة، لا يوقفك حارس حدود، ولا يطالبك أحد بهوية. تصل إلى فلسطين المباركة، حيث تصلي في المسجد الأقصى، ثم تواصل رحلتك شمالاً عبر بلاد الشام الخضراء. في دمشق، تستريح في ظلال الجامع الأموي، وتستمع إلى قصص الفتوحات من شيوخ المدينة. من هناك، تتجه شمالاً نحو إسطنبول العظيمة، عاصمة الخلافة العثمانية، حيث تقف مبهوراً أمام آيا صوفيا والجامع الأزرق، وأنت تدرك أنك في قلب إمبراطورية تحكم ثلث العالم المعروف آنذاك. إلى مهد الحضارة في بلاد الرافدينتنحدر جنوباً عبر الأناضول، وتعبر نهري دجلة والفرات لتصل إلى الموصل الحدباء، ثم إلى بغداد دار السلام، عاصمة الخلافة العباسية التي كانت يوماً منارة العلم والحضارة في العالم. تتجول في أسواقها، وتزور بيت الحكمة حيث تُرجمت علوم الأولين، وتستمع إلى حكايات هارون الرشيد والمأمون. رحلة الروح إلى بيت الله الحراممن بغداد، تنضم إلى قافلة الحج المتجهة إلى مكة المكرمة. تسير عبر الصحراء العربية، محمياً بأمان الخلافة، حتى تصل إلى البيت الحرام. تؤدي مناسك الحج، ثم تزور المدينة المنورة، حيث تقف أمام قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلبك يفيض بالإيمان والخشوع. عندما كان المسلم في الأندلس يشعر بالانتماء لنفس الوطن الذي ينتمي إليه المسلم في سمرقند. عندما كان العالم الإسلامي أمة واحدة تحت راية واحدة، بقيادة واحدة من اليمن السعيد إلى القرن الإفريقيرحلتك لم تنته بعد. تتجه جنوباً إلى صنعاء العريقة، عاصمة اليمن السعيد، حيث تتأمل عمارتها الفريدة وحدائقها المعلقة. من هناك، تعبر مضيق باب المندب إلى جيبوتي، ثم تواصل رحلتك إلى الصومال الحبيب، حيث تكتشف مدناً إسلامية عريقة على ساحل المحيط الهندي. تركب سفينة تجارية إسلامية، وتعبر المحيط الهندي إلى جزر القمر، ثم إلى ماليزيا وإندونيسيا والفلبين، حيث تشهد كيف وصل الإسلام إلى هذه الجزر النائية عبر التجار والدعاة، وليس بحد السيف كما يدعي المغرضون. جوهرة التاجتصل إلى الهند الإسلامية، حيث تزور دلهي وأغرا وحيدر آباد، وتقف مذهولاً أمام تاج محل، تحفة العمارة الإسلامية الخالدة. تتجول في أسواق التوابل والحرير، وتستمع إلى الموسيقى الصوفية في المساجد والخانقاهات. من الهند، تتجه شمالاً إلى أفغانستان، أرض الجبال الشامخة والمجاهدين الأبطال، ثم إلى أوزبكستان، حيث تقف مبهوراً أمام عظمة بخارى وسمرقند وطشقند وخوارزم. هنا، تترحم على الفاتح العظيم قتيبة بن مسلم الباهلي، الذي فتح هذه البلاد ونشر فيها نور الإسلام. تواصل رحلتك عبر تركمانستان وقيرغيزيا وطاجكستان، حيث ترى كيف امتدت حضارة الإسلام إلى أقاصي آسيا، وكيف ازدهرت العلوم والفنون في هذه البقاع النائية. تعود أدراجك غرباً، عبر البلقان المسلم، حيث تزور سراييفو وبريشتينا وتيرانا، وتشهد كيف وصل الإسلام إلى قلب أوروبا. تصل إلى الأناضول مرة أخرى، وتركب سفينة عبر البحر المتوسط إلى كريت ومالطا وقبرص. المغرب الأقصىتصل إلى المغرب الأقصى، حيث تتجول في أزقة مراكش الضيقة، وتزور الرباط العاصمة. من هناك، تتجه شرقاً إلى الجزائر، حيث تزور العاصمة البيضاء وتلمسان الأندلسية ووهران الساحلية وقسنطينة المعلقة. رحلتك تقودك إلى تونس الخضراء، حيث تزور القيروان، أول عاصمة إسلامية في المغرب، وتترحم على مؤسسها القائد المجاهد عقبة بن نافع. تجلس في جامع الزيتونة العريق، وتستمع إلى دروس العلماء. من تونس، تتجه إلى ليبيا، أرض عمر المختار البطل، ثم تعود إلى القاهرة، حيث بدأت رحلتك. تصلي في الأزهر الشريف، وأنت تحمل في قلبك ذكريات رحلة عبر إمبراطورية عظيمة. هذه ليست مجرد رحلة خيالية بل حقيقة تاريخية عاشها المسلمون لأكثر من 1250 عاماً في ظل الخلافة الإسلامية. تخَيَّل أنك تقطع كل هذه المسافات الشاسعة دون: جواز سفر أو هوية شخصية تأشيرة دخول أو تصريح مرور حراس حدود يوقفونك أو يفتشونك أسلاك شائكة تقطع طريقك رسوم جمركية أو ضرائب حدودية كل ذلك وأنت تحت حماية خلافتك الإسلامية، تأكل وتنام في الخانات الإسلامية على حساب بيت مال المسلمين، وتتنقل بأمان تام عبر قارات ثلاث أيُّ عزٍّ كنا فيه؟ هذا هو العز الذي فقدناه عندما سقطت الخلافة الإسلامية. عندما كان المسلم في الأندلس يشعر بالانتماء لنفس الوطن الذي ينتمي إليه المسلم في سمرقند. عندما كان العالم الإسلامي أمة واحدة تحت راية واحدة، بقيادة واحدة، وبعملة واحدة أحياناً. اليوم، نحتاج إلى عشرات التأشيرات لنزور بلداناً إسلامية، ونقف في طوابير مذلة أمام سفارات دول كانت يوماً جزءاً من إمبراطوريتنا الواحدة. هذه هي الحقيقة التي يجب أن نتذكرها، والحلم الذي يجب أن نسعى لاستعادته، والاضافة عليه…
بين الظلّ والضوء، تبرز «العصائب الحمراء» كواحدةٍ من أبرز التشكيلات العسكرية الغامضة والفاعلة ضمن جهاز هيئة تحرير الشام. ورغم أن الاسم قد لا يتردد كثيرًا في وسائل الإعلام، إلا أن هذه القوّة الخاصّة تُعَدّ رأس الحربة في العمليات النوعية، وقوّة النخبة التي يُعوَّل عليها في المهام القتالية الحساسة منذ أيام، ترددت معلومات لم يتم التأكد من صحّتها عن وجود مجموعات من «العصائب» على الحدود اللبنانية–السورية. فهل سيكون لهذه المجموعة دورٌ مرتقب في تحديد معالم المرحلة المقبلة بين البلدين، ورسم مسار جديد للعلاقة بينهما؟ أم أن الحديث عنها لا يعدو كونه مجرّد فقاعة إعلاميّة؟ لكن… ما هي «العصائب الحمراء»؟ كيف نشأت؟ وما هي هيكليتها، تدريباتها، أبرز عملياتها، ودورها المحوري في المشهد العسكري السوري؟ النشأة والتطور ظهر اسم «العصائب الحمراء» للمرّة الأولى أواخر عام 2016 خلال معارك حلب المفصلية، أو في عام 2018 وفقًا لمصادر أخرى. تُوصَف هذه القوات بأنها “القوات الانغماسية” لهيئة تحرير الشام، وهي قوّة نخبة قُدّرت بالمئات عند تأسيسها، وتضمّ مقاتلين من جنسيات عربية وآسيوية مختلفة. منذ عام 2021، بدأت «العصائب الحمراء» بفتح باب التجنيد، مقدّمةً رواتب مغرية مقارنةً بالفصائل الأخرى. كما تتلقّى تدريبًا عسكريًّا مختلفًا، وتُزوَّد بأسلحة نوعية. وقد ظهر زعيم هيئة تحرير الشام، أبو محمد الجولاني، الرئيس السوري الحالي، وهو يضع عصابة حمراء حول رأسه، إلى جانب عناصر العصائب، فيما يُعرف بـ”بيعة الموت”، حيث يُؤدّي المقاتلون قَسَمًا أمام الزعيم، في إشارة إلى الولاء والاستعداد للتضحية. تُعدّ العصائب الحمراء أقوى تشكيلات الهيئة، وتُسنَد إليها المهام الأكثر صعوبة، نظراً لقدرتها العالية على الاختراق والعمل الميداني المعقّد. وقد مثّلت هذه القوّة حجر الأساس في ما أطلقت عليه الهيئة اسم “عملية ردع العدوان”. الهيكلية والتدريب تتكوّن «العصائب الحمراء» من مئات المقاتلين المعروفين بقدراتهم القتالية العالية وتدريبهم المكثف. وتُسنَد إليهم المهام العسكرية الأكثر خطورة، ما يتطلّب مستوى عالياً من الجاهزية والانضباط. يتلقّى أفرادها تدريبات متقدمة تختلف عن برامج تدريب باقي المقاتلين في الفصائل المسلحة، وتتركّز على الاقتحام، التوغّل خلف خطوط العدو، والعمليات الانغماسية. بالإضافة إلى ذلك، تُزوّد الوحدة بأسلحة نوعية ومتطورة تُعزّز من كفاءتها الهجومية والدفاعية. كما تضمّ العصائب مجموعاتٍ متخصصة من القناصين الذين يتلقّون تدريبًا دقيقًا على استخدام البنادق القناصة، وقد نفّذوا بالفعل عمليات قنص ناجحة. وتُظهِر الإصدارات المرئية الصادرة عن مؤسسة «أمجاد للإنتاج المرئي» (الذراع الإعلامي للهيئة) مدى جاهزية العصائب واحترافيتها، ما يعكس الاستثمار العالي في بناء هذه القوة النوعية. تتكوّن «العصائب الحمراء» من مئات المقاتلين المعروفين بقدراتهم القتالية العالية وتدريبهم المكثف. وتُسنَد إليهم المهام العسكرية الأكثر خطورة، ما يتطلّب مستوى عالياً من الجاهزية والانضباط العمليات والمهام تتنوع مهام العصائب لتشمل: الاقتحامات المباشرة تفجير العربات المفخخة، عمليات “الاستشهادية” أو الانغماسية، القنص الدقيق في الخطوط الأمامية. يتميّز هذا التشكيل بقدرته على توثيق العمليات بدءًا من التخطيط والتحرّك، وصولًا إلى الاشتباك المباشر، وذلك في سياق دعائي يعكس الثقة بالنفس. ومن أبرز ما أُشير إليه في هذا السياق، عملية اختراق تحصينات مدينة حلب والتسلل إلى غرفة العمليات التي كانت تحت حماية الحرس الثوري الإيراني. لا تقتصر وظيفة «العصائب الحمراء» على القتال فقط، بل تتجاوزها لتُشكّل ركيزةً أساسية في إستراتيجية الهيئة العسكرية. فهي القوّة الضاربة، العنصر الحاسم في المواجهات، والأداة التي تُوظَّف في معارك الحسم والاستعراض معًا. التسمية والرمزية والسرية الاسم بحدّ ذاته يحمل رمزية دينية وعسكرية تعبويّة. “العصائب الحمراء” تُحيل إلى مفهوم الفداء والشهادة، وترتبط في المخيال الجهادي بمشاهد “البيعة” و”الاستعداد للموت”. وارتداء العصابة الحمراء خلال المعارك يُفهم على أنه إعلان نية القتال حتى النهاية. لكن ما يلفت النظر أكثر من الاسم، هو السرية المطلقة التي تحيط بهذه القوّة. لا تُعرَف أسماء قادتها. لا يُسمَح لأفرادها باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. يخضع المنتمون لها لفترة تجريبية صارمة قبل تثبيتهم، مع تعهدات بولاءٍ مطلق والتزامٍ حديدي. هل هي على الحدود اللبنانية فعلًا؟ حتى الآن، لا يمكن تأكيد وجودٍ مباشر للعصائب الحمراء على الحدود اللبنانية–السورية، لكن مجرّد تداول الأمر يعكس مستوى الحذر والقلق الإقليمي من تحرّكات الهيئة وتوسّعها المحتمل. إنّ أيّ انتقال أو تموضع خارج إدلب سيُعدّ تطوّرًا خطيرًا، خصوصًا إذا رافقه تغطية إعلامية أو سياسية. ولأنّ «العصائب الحمراء» ليست مجرد وحدة نخبة بل أداة عسكرية–رمزية–استخبارية متكاملة، فإنّ دخولها إلى ساحة لبنانية سيحمل معه رسائل عميقة تتجاوز حدود الاشتباك.