في الوقت الذي تستضيف فيه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بطولة كأس العالم 2026، بوصفها أكبر احتفال رياضي على مستوى العالم، يتشكّل، بعيداً عن المستطيل الأخضر، نقاش سياسي وأخلاقي يتجاوز كرة القدم نفسها. فبينما ترفع البطولة شعارات الوحدة والتنوع والتقارب بين الشعوب، تتزايد الأسئلة حول الشركات الأمنية والتكنولوجية التي ستتولى حماية هذا الحدث العالمي، وما إذا كانت بعض هذه الشركات تحمل إرثاً مرتبطاً بالحروب والصراعات المسلحة، وفي مقدمتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. من بين هذه الشركات تبرز شركة Sentrycs «سينتريكس» الإسرائيلية، التي حصلت على عقود للمشاركة في منظومة حماية الأجواء المحيطة بملاعب كأس العالم 2026 ومناطق تجمع الجماهير، عبر أنظمة متخصصة في كشف الطائرات المسيّرة غير المأهولة واعتراضها. وبذلك تنتقل الشركة من ساحات العمليات العسكرية إلى واحدة من أكبر المنصات الرياضية الدولية، في تحول يثير جدلاً متصاعداً بشأن الحدود الفاصلة بين التكنولوجيا المدنية والصناعات العسكرية. لا يتعلق الجدل بطبيعة التقنية بحدّ ذاتها، فأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة أصبحت جزءاً أساسياً من أمن الفعاليات الكبرى حول العالم، وإنما بالسجل الذي تحمله الشركات المطوّرة لهذه الأنظمة، وبالسياق السياسي والإنساني الذي راكمت فيه خبراتها التقنية. وتشير تقارير صحفية إسرائيلية إلى أن «سينتريكس» دمجت إحدى تقنياتها مع أنظمة طوّرتها شركة رافائيل، أحد أبرز مصنّعي الأسلحة في إسرائيل، في إطار منظومات الدفاع بالليزر التي استخدمت خلال العمليات العسكرية في قطاع غزة، والتي وُصفت بأنها أول استخدام قتالي عملي لسلاح ليزر في العالم. وبغض النظر عن البعد العسكري والتقني لهذا الإنجاز، فإن توقيته وارتباطه بالحرب على غزة جعلاه جزءاً من نقاش أوسع حول استخدام ساحات النزاعات كمختبرات لتطوير وتسويق التقنيات العسكرية. ويزداد هذا الجدل مع تصريحات مسؤولي الشركة أنفسهم. فقد نقلت صحيفة «هآرتس» عن نائبة رئيس التسويق في «سينتريكس» أن ما يقارب نصف نشاط الشركة يتم في القطاع العسكري، وهو تصريح يبدد الصورة التقليدية التي تحاول كثير من شركات التكنولوجيا الأمنية تقديمها باعتبارها شركات مدنية محايدة تعمل حصراً في مجال الابتكار. هذا التداخل بين القطاعين المدني والعسكري ليس جديداً في إسرائيل، حيث يعتمد جزء كبير من الاقتصاد التكنولوجي على منظومة تُعرف بـ«الاستخدام المزدوج»، أي تطوير تقنيات يمكن استخدامها في التطبيقات المدنية والعسكرية في آن واحد. إلا أن الحرب على غزة أعادت تسليط الضوء على هذه العلاقة، بعدما أصبحت الشركات الإسرائيلية نفسها تستخدم خبراتها العملياتية كعامل تسويقي في الأسواق الدولية. وتأتي مشاركة «سينتريكس» في تأمين كأس العالم لتفتح باباً جديداً للنقاش حول ما إذا كانت الأحداث الرياضية العالمية أصبحت تمثل أيضاً منصات لتسويق الصناعات الأمنية. فالشركات التي تطور تقنياتها في بيئات النزاعات لا تكتفي ببيع منتجاتها للدول والجيوش، بل تنتقل تدريجياً إلى تأمين المطارات، والموانئ، والمنشآت الحيوية، والبطولات الرياضية، مستفيدة من السمعة التي اكتسبتها باعتبار تقنياتها «مختبرة ميدانياً». skip render: ucaddon_material_block_quote الطائرات المسيّرة تكشف الوجه الخفي لكأس العالم ويرى منتقدو هذا النموذج أن هذه العملية تمثل شكلاً من أشكال «تبييض» الصناعات العسكرية، إذ تتحول التكنولوجيا المرتبطة بالحروب إلى أدوات تُقدَّم للرأي العام ضمن خطاب الأمن المدني وحماية الجماهير، بما يؤدي إلى تراجع الحساسية الأخلاقية تجاه مصدر هذه التقنيات وكيفية تطويرها. في المقابل، تجادل الحكومات والشركات الأمنية بأن حماية الأحداث الرياضية الكبرى تتطلب الاستعانة بأكثر الأنظمة تطوراً، خصوصاً في ظل تصاعد مخاطر الطائرات المسيّرة والهجمات غير التقليدية، وأن معيار الاختيار ينبغي أن يكون الكفاءة الفنية والقدرة على حماية المدنيين، لا الخلفية السياسية للشركات المصنّعة. غير أن هذا الدفاع لا يلغي حقيقة أن الرياضة لم تعد بمنأى عن الصراعات الجيوسياسية. فمنذ سنوات، أصبحت البطولات الكبرى ساحات للتنافس السياسي والاقتصادي والدبلوماسي، سواء عبر حملات المقاطعة، أو الاحتجاجات، أو اختيار الدول والشركات الراعية، أو حتى من خلال التقنيات الأمنية المستخدمة في تنظيمها. وفي حالة كأس العالم 2026، يبدو أن النقاش لن يقتصر على ما سيجري داخل الملاعب، بل سيمتد إلى السماء فوقها، حيث ستعمل أنظمة مراقبة واعتراض متطورة طوّرتها شركات راكمت جزءاً من خبرتها في ميادين الحرب. skip render: ucaddon_box_testimonial
نادرًا ما تأتي التحذيرات الأكثر جدّية بشأن السياسات الإسرائيلية من داخل إسرائيل نفسها. إلا أنّ ما طرحته الباحثة الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف في حديثها إلى صحيفة «هآرتس» يتجاوز حدود النقد الأكاديمي ليصل إلى مستوى الإنذار الاستراتيجي. فالمشهد الذي تصفه في قرى محافظة درعا السورية لا يبدو مجرد إجراءات أمنية مؤقتة، بل ملامح سياسة تعيد إنتاج النموذج ذاته الذي عرفه جنوب لبنان لعقود، ثم انتقل إلى غزة، ويبدو اليوم في طريقه إلى الترسخ داخل الجنوب السوري. تفاصيل يومية في قرية عابدين، كما تنقل الباحثة، لم تعد المسألة تقتصر على توغلات عسكرية أو نقاط مراقبة، بل أصبحت حياة السكان اليومية جزءًا من المنظومة الأمنية الإسرائيلية. حواجز مفاجئة، تفتيش للمركبات، تحقيقات مع المدنيين، مداهمات متكررة، وإجراءات تطاول حتى الأراضي الزراعية التي يعتمد عليها الأهالي في معيشتهم، بما في ذلك رش الحقول بمواد تؤدي إلى إتلاف الغطاء النباتي بحجة منع استخدامه غطاءً للمسلحين. بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، يُعد ذلك إجراءً وقائيًا، أما بالنسبة إلى السكان، فهو استهداف مباشر لمصدر رزقهم ووسيلة بقائهم. هذه المفارقة تختصر جوهر الإشكالية. فما تعتبره إسرائيل «بيئة أمنية»، يراه المجتمع المحلي اعتداءً على شروط الحياة الأساسية. ومن هنا تنشأ الفجوة التي تتحول تدريجيًا إلى غضب، ثم إلى رفض، وربما إلى مقاومة. لهذا تؤكد تسوركوف أن السياسة الحالية لا تمنع نشوء التهديد، بل قد تكون العامل الأكثر مساهمة في صناعته، لأن المجتمعات التي تُحاصَر اقتصاديًا وتُعامَل بوصفها خطرًا دائمًا تصل، في لحظة معينة، إلى قناعة بأن كلفة المواجهة لم تعد أعلى من كلفة الخضوع. skip render: ucaddon_material_block_quote مسار مشابه هذه ليست معادلة جديدة بالنسبة إلى لبنان. فمنذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وحتى الانسحاب عام 2000، أثبتت التجربة اللبنانية أن الاحتلال الطويل، مهما ارتدى من شعارات أمنية، لا يفضي إلى استقرار دائم، بل إلى نشوء قوى محلية ترى في مقاومته خيارًا سياسيًا واجتماعيًا. ومن هذه الزاوية، تبدو قرى الجنوب السوري اليوم وكأنها تدخل تدريجيًا في المسار ذاته الذي عرفته القرى اللبنانية قبل أربعة عقود، مع اختلاف السياقات والفاعلين. الأخطر أن السياسة الإسرائيلية تبدو وكأنها تعيد إنتاج منطق الدائرة المغلقة: تدخل عسكري بحجة إزالة التهديد، يفرض وقائع ميدانية جديدة، يولّد احتكاكًا دائمًا مع السكان، ينتج عنه رفض ومقاومة، فتُستخدم هذه المقاومة لاحقًا لتبرير استمرار الوجود العسكري أو توسيعه. وهكذا يتحول الأمن من هدف إلى ذريعة دائمة، ويتحول الاحتلال من حالة استثنائية إلى واقع مفتوح زمنيًا. معركة بالمفاهيم لا يقتصر الأمر على البعد العسكري، بل يمتد إلى اللغة السياسية نفسها. فإسرائيل تدير معاركها اليوم ليس بالسلاح وحده، بل بالمفاهيم أيضًا. في غزة، توسعت المناطق العسكرية تدريجيًا تحت مسميات أمنية مختلفة، بينما تشير تقديرات أممية إلى أن الجيش الإسرائيلي يفرض سيطرته على نسبة كبيرة من مساحة القطاع. وفي لبنان، برز خلال التفاهمات التي أعقبت الحرب الأخيرة نقاش واسع حول دلالة المصطلحات المستخدمة، ولا سيما الفارق بين مفهوم «الانسحاب» بوصفه التزامًا قانونيًا واضحًا، وبين تعبيرات أكثر مرونة مثل «إعادة الانتشار»، التي تمنح هامشًا أوسع لتفسيرات ميدانية متباينة. هنا تصبح اللغة جزءًا من إدارة الصراع، لا مجرد وسيلة لوصفه. وتفتح تصريحات الباحثة الإسرائيلية بابًا آخر يتعلق بالحسابات السياسية داخل إسرائيل. فهي ترى أن فرص التوصل إلى تفاهمات مع دمشق ليست معدومة، غير أن غياب ضغط أميركي حاسم في الملف السوري، مقارنة بما حدث في ملفات غزة ولبنان وإيران، يمنح الحكومة الإسرائيلية مساحة أوسع لفرض وقائع جديدة على الأرض. بذلك يصبح التمدد الميداني أقل كلفة سياسية من تقديم تنازلات في إطار اتفاق شامل. لكن السؤال الأهم لا يتعلق بإمكان التوصل إلى اتفاق مع سوريا، بل بما إذا كانت إسرائيل تدرك أن الوقائع التي تصنعها اليوم قد تتحول غدًا إلى مصدر تهديد جديد. فالتاريخ القريب في لبنان يقدم مثالًا واضحًا على أن السيطرة العسكرية قد تمنح تفوقًا تكتيكيًا، لكنها لا تنتج بالضرورة استقرارًا استراتيجيًا، بل قد تؤسس لبيئات أكثر استعدادًا للمواجهة كلما طال أمد الاحتكاك مع السكان. إسرائيل والحدود المفتوحة… أمن اليوم وتهديد الغد نمط جديد من المنظور اللبناني، تبدو هذه التطورات أكثر من مجرد شأن سوري داخلي. فهي تكشف عن نمط إقليمي يقوم على إدارة الحدود بالقوة، وإعادة تعريف مفهوم الأمن بوصفه حقًا مفتوحًا للتدخل خارج السيادة الوطنية. وإذا استمر هذا النموذج في جنوب سوريا، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام ولادة واقع يشبه إلى حد بعيد ما عرفه جنوب لبنان في مراحل سابقة، حيث يصبح وجود مقاومة محلية نتيجة لتراكم السياسات الميدانية أكثر منه قرارًا يُتخذ في غرف السياسة. لهذا، فإن القضية لا تتعلق فقط بما إذا كانت مقاومة سورية ضد إسرائيل ستظهر أم لا، بل بما إذا كانت البيئة التي يجري بناؤها اليوم تجعل نشوءها احتمالًا متزايدًا. فحين تُختزل مقاربة الأمن في السيطرة العسكرية وحدها، ويُنظر إلى السكان باعتبارهم جزءًا من التهديد لا جزءًا من الحل، تصبح المقاومة، في كثير من الأحيان، نتيجة سياسية واجتماعية لمسار طويل من الاحتكاك، لا حدثًا مفاجئًا يولد من فراغ. skip render: ucaddon_box_testimonial
في الشرق الأوسط، لا تُكتب الكتب دائماً لتوثيق الماضي، ولا تصدر جميعها بدافع البحث الأكاديمي الخالص. فكثير منها يُكتب لاستشراف المستقبل، والتأثير في دوائر القرار، وتهيئة الرأي العام لتحولات لم تتبلور بعد. لذلك، فإن صدور كتاب إسرائيلي جديد بعنوان «الثورة في سوريا.. الحرب الأهلية وسقوط عائلة الأسد» لا يمكن التعامل معه بوصفه إصداراً فكرياً عابراً، بل باعتباره وثيقة سياسية تستحق أن تُقرأ بين السطور، خصوصاً أنه يأتي في لحظة إقليمية تُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ، وتُطرح أسئلة جديدة حول موقع سوريا في الشرق الأوسط بعد انتهاء حقبة حكم عائلة الأسد. وتتضاعف أهمية الكتاب عندما تقع العين على غلافه قبل صفحاته. فصورة الرئيس أحمد الشرع تتصدر المشهد، فيما تبدو صورة بشار الأسد ممزقة في الخلفية، في مشهد بصري لا يبدو بريئاً أو اعتباطياً. ففي الأدبيات السياسية الإسرائيلية، لا يُعدّ الغلاف مجرد عنصر فني، بل جزءاً من الرسالة ذاتها. وكأن الناشر والمؤلفين يريدان القول إن إسرائيل لم تعد تنظر إلى سوريا بوصفها دولة يحكمها الأسد، بل بوصفها دولة جديدة ينبغي فهمها والتعامل مع قيادتها الجديدة. إنها ليست محاولة لتوثيق نهاية رجل، بقدر ما هي إعلان عن بداية مرحلة، وإعادة تعريف لسوريا في الوعي الاستراتيجي الإسرائيلي. من داخل التجربة ولا يقل اسم المؤلفين أهمية عن مضمون الكتاب. فالبروفيسور إيتمار رابينوفيتش ليس مجرد مؤرخ أو أستاذ جامعي، بل أحد أبرز مهندسي السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا، ورئيس الوفد الإسرائيلي الذي خاض مفاوضات السلام مع دمشق خلال تسعينيات القرن الماضي. وهو رجل لا يكتب من خارج التجربة، بل من قلبها، بعدما كان شاهداً ومشاركاً في واحدة من أكثر مراحل الصراع العربي الإسرائيلي حساسية. أما كرميت فالنسي، فهي من أبرز الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، أحد أهم مراكز التفكير الاستراتيجي في إسرائيل، والذي يُنظر إليه باعتباره خزاناً للأفكار التي تجد طريقها لاحقاً إلى المؤسسة الأمنية والسياسية. ومن هنا، فإن الكتاب لا يمثّل مجرد اجتهاد فكري، بل يعكس بدرجة كبيرة اتجاهاً داخل النخبة الإسرائيلية يسعى إلى إعادة تعريف سوريا بعد التحول الكبير الذي شهدته. skip render: ucaddon_material_block_quote وإذا كان عنوان الكتاب يربط بين الحرب الأهلية وسقوط عائلة الأسد، فإن الرسالة الأعمق تكمن في أن المؤلفين يعتبران أن الحدث التاريخي الحقيقي لم يكن سنوات الحرب نفسها، بل انتهاء النظام الذي حكم سوريا لأكثر من نصف قرن. فالحرب، وفق هذه القراءة، ليست سوى مقدمة، أما الفصل الأهم فيبدأ بعد سقوط النظام، حين تصبح الأسئلة مرتبطة بطبيعة الدولة الجديدة، وهوية قيادتها، واتجاهاتها الإقليمية، وحدود براغماتيتها، وكيف ينبغي لإسرائيل أن تتعامل معها. أسئلة استراتيجية ومن هنا، يبدو واضحاً أن النقاش داخل النخبة الإسرائيلية انتقل من سؤال هيمن على سنوات الصراع: هل يسقط النظام؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف ستكون سوريا بعد الأسد؟ وهذا التحول في طبيعة الأسئلة يعكس انتقالاً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي من إدارة الفوضى إلى التفكير في الدولة التي قد تنهض من تحت أنقاض الحرب، بعدما كانت الأولوية طوال سنوات الصراع منع انتصار أي طرف بصورة حاسمة، وإبقاء سوريا في حالة إنهاك استراتيجي. ويمنح تاريخ رابينوفيتش هذا الكتاب بُعداً إضافياً. فقد سبق له أن أثار جدلاً واسعاً عندما اعتبر أن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد فوّت فرصة تاريخية لاستعادة الجولان، عندما رفض، بحسب روايته، التجاوب مع المبادرة التي طُرحت خلال قمة جنيف السورية الإسرائيلية عام 2000، بحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون، وبمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك. ورغم أن هذه الرواية بقيت موضع خلاف بين الباحثين والمؤرخين، الذين يشيرون إلى أن الخلافات حول حدود الانسحاب والترتيبات الأمنية كانت سبباً رئيسياً في انهيار المفاوضات، فإن استعادتها اليوم تحمل دلالة سياسية؛ إذ توحي بأن المؤلف يرى في القيادة السورية الجديدة نهجاً مختلفاً عن المدرسة التي حكمت دمشق لعقود، وربما أكثر استعداداً لاعتماد مقاربات سياسية أقل أيديولوجية وأكثر ارتباطاً بحسابات الدولة. كتاب لا يؤرّخ الماضي بل يمهّد للمستقبل أما كرميت فالنسي، فقد كرّست خلال السنوات الأخيرة معظم أبحاثها لمتابعة التحولات السورية واللبنانية، وكانت من أكثر الأصوات الإسرائيلية انتقاداً لسياسة حكومة بنيامين نتنياهو في سوريا. فهي ترى أن الإفراط في الضربات العسكرية قد يدفع دمشق إلى تجاوز ما تصفه بـ«نقطة اللاعودة»، بما يحول دون الاستفادة من أي توجهات براغماتية لدى القيادة السورية الجديدة. وفي أكثر من دراسة، دعت إلى قراءة سوريا بعقل استراتيجي لا بعقلية أمنية صرفة، معتبرة أن إسرائيل قد تفوّت فرصة تاريخية إذا بقيت أسيرة سياسة إدارة التهديدات بدل إدارة التحولات. تحديات الداخل ولا تعني هذه القراءات بالضرورة أن دمشق تتبنى الرؤية ذاتها. فالقيادة السورية الجديدة تواجه أولويات داخلية هائلة تتمثل في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنعاش الاقتصاد، وإعادة اللاجئين، وترميم البنية التحتية، واستعادة وحدة الأراضي السورية. كما أن قضية الجولان المحتل تبقى جزءاً من الثوابت الوطنية السورية، بغض النظر عن تغير الأشخاص أو تبدل الخطاب السياسي. ولذلك، فإن الحديث الإسرائيلي عن «براغماتية دمشق» لا ينبغي تفسيره بوصفه استعداداً سورياً لتقديم تنازلات استراتيجية، بقدر ما يعكس قراءة إسرائيلية لترتيب مختلف للأولويات في مرحلة إعادة بناء الدولة. لكن اللافت في هذا الكتاب أنه يقول عن إسرائيل بقدر ما يقول عن سوريا. فهو يكشف أن المؤسسة الفكرية الإسرائيلية بدأت تتعامل مع سوريا باعتبارها مشروع دولة يُعاد بناؤه، لا مجرد ساحة حرب أو مساحة نفوذ إيراني أو روسي. وهذا التحول في الإدراك قد يكون أكثر أهمية من مضمون الكتاب نفسه، لأنه يعكس بداية مراجعة داخلية لطريقة النظر إلى الجار السوري، بعد سنوات من الاكتفاء بإدارة الصراع ومنع تشكّل واقع إقليمي جديد. ولعل الرسالة الأبرز التي يحملها الكتاب أن إسرائيل لم تعد تناقش مستقبل الحرب السورية، بل مستقبل الدولة السورية، وأنها تحاول استباق هذا المستقبل عبر إنتاج سردية جديدة تفسّر التحول وتحدد كيفية التعامل معه. فالكتب، في البيئة الإسرائيلية، كثيراً ما تسبق القرارات السياسية، وتبدأ الأفكار في مراكز الدراسات قبل أن تجد طريقها إلى مكاتب الوزراء وقاعات المجلس الوزاري الأمني المصغر. لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرضه هذا الإصدار لا يتعلق فقط بمحتواه، بل بما إذا كان يمثّل مقدمة لتحول أوسع داخل العقل الاستراتيجي الإسرائيلي. فهل بدأت تل أبيب تقتنع بأن سوريا الجديدة تستدعي أدوات سياسية مختلفة عن تلك التي حكمت العلاقة مع نظام الأسد؟ وهل تمهّد النخبة الأكاديمية والأمنية لنقاشات قد تفضي، في مرحلة لاحقة، إلى مقاربة جديدة تجاه دمشق؟ skip render: ucaddon_box_testimonial