في مكانٍ ما بين حُسن النيّة وسوء التقدير، تتشكّل أزمات الجماعات كما تتشكّل أزمات الأفراد. هناك لحظة دقيقة يكفّ فيها اللطف عن كونه فضيلة، ويبدأ بالتحوّل إلى عبء. لحظة لا تتعلّق بما نقوله، بل بما نعجز عن قوله. في قلب هذه اللحظة تحديدًا، يمكن قراءة جانب عميق من مأزق الطائفة السنّية في لبنان: عجزٌ متراكم عن رسم الحدود، وتردّدٌ مزمن في النطق بكلمة بسيطة، لكنها حاسمة. ليس لأن هذه الطائفة تفتقر إلى الوعي أو التجربة، بل لأن ثقافة كاملة تشبّعت بفكرة أن الموافقة أقرب إلى الحكمة، وأن الانفتاح غير المشروط هو الطريق الأقصر لتفادي الصدام. غير أنّ ما لا يُقال بصراحة في السياسة، يُفرض قسرًا بالوقائع. ومن لا يضع حدًا هادئًا لما يبدّد سكينته، يجد نفسه مع الوقت وقد فقد ليس فقط راحته، بل موقعه أيضًا. غياب السقف المشكلة لم تكن يومًا في الطيبة بحدّ ذاتها، بل في غياب السقف الذي يحميها. حين يصبح الإنسان، أو الجماعة، متاحًا لكل طارق، فإن الزمن لا يحفظ له قلبه ولا يصون له عمره. تتراكم الالتزامات التي لم يخترها، وتُحمَّل أعباء لم تكن يومًا من نصيبه، فقط لأنه لم يشأ أن يرفض حين كان الرفض واجبًا. وهنا تحديدًا تتحوّل الأخلاق إلى فخّ، ويتحوّل الحياء إلى كلفة سياسية باهظة. في التجربة السنّية اللبنانية، تبدو هذه الدينامية واضحة بشكل يكاد يكون مؤلمًا. سنوات من تقديم التنازلات تحت عناوين نبيلة: الاستقرار، الشراكة، تجنّب الفتنة. لكن هذه العناوين، على أهميتها، لم تكن دائمًا متوازنة في التطبيق. فبينما كانت أطراف أخرى ترسم خطوطها بوضوح، ظلّ هذا المكوّن يتقدّم خطوة ويتراجع اثنتين، وكأنه يخشى أن يُساء فهمه إن هو تمسّك بحقه. المفارقة أن الرفق، حين يتجاوز حدّه، يتحوّل إلى شكل من أشكال إلغاء الذات. والكرم، حين يُنفق من رصيد الطمأنينة، لا يعود فضيلة بل استنزافًا. أما حُسن الخلق، حين يُترك بلا ضوابط، فإنه يفتح الباب على مصراعيه، لا للتلاقي، بل للتجاوز. وفي السياسة، كما في الحياة، الأبواب التي بلا مفاتيح لا تبقى مشرّعة طويلًا بدافع النوايا الحسنة، بل تُستخدم لأنها سهلة. هنا، لا تعود المسألة مرتبطة بالخوف من المواجهة بقدر ما هي مرتبطة بالخوف من الرفض ذاته. وكأن كلمة حازمة، قيلت بأدب، قد تُفهم كعدوان. مع أن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير: ما يُقال بوضوح لا يتحوّل إلى إساءة، وما يحفظ الحدود لا يُعدّ قسوة. بل العكس تمامًا، فالغموض هو ما يفتح الباب لسوء الفهم، والتردّد هو ما يغري الآخرين بتوسيع هامشهم على حسابك. skip render: ucaddon_material_block_quote لقد دفعت الطائفة السنّية، في مراحل متعددة، ثمن «نعم» قيلت في غير مكانها. نعم أُتبعت بندم، وأنتجت واقعًا أقل من التوقعات، وأضعف من الإمكانات. وفي كل مرة كان يتم فيها تأجيل لحظة الحسم، كانت الكلفة تتضاعف. لأن الرفض المتأخر لا يأتي في فراغ، بل يأتي بعد أن تكون المعادلات قد ترسّخت، والأدوار قد أُعيد توزيعها دونك. استعادة التوازن ومع ذلك، لا يعني هذا أن المطلوب انقلاب في السلوك أو انجراف نحو خطاب صدامي. المسألة ليست في استبدال «نعم» بـ«لا» بشكل ميكانيكي، بل في استعادة التوازن. في أن تدرك الجماعة أن بعض من ينزعج من حدودها، لم يكن يومًا حريصًا على راحتها، بل كان معتادًا على سهولة الوصول إليها. وأن القدرة على وضع حدّ ليست ترفًا، بل شرطًا من شروط البقاء. في لبنان اليوم، لا مكان فعليًا للكيانات التي تعيش في المنطقة الرمادية. إما وضوح في التعريف والدور، أو ذوبان تدريجي داخل توازنات يصوغها الآخرون. وهذه ليست مبالغة، بل خلاصة تجربة طويلة من التردّد المكلف. المسألة لا تتعلّق بكلمة تُقال، بل بموقع يُستعاد. ليست دعوة للانغلاق، بل لإعادة تعريف الانفتاح نفسه. أن يكون لك باب، لا يعني أن تتركه بلا مفتاح. وأن تكون كريمًا، لا يعني أن تنفق من استقرارك. وأن تكون لطيفًا، لا يعني أن تلغي نفسك. هناك لحظات في تاريخ الجماعات، كما في حياة الأفراد، يصبح فيها الرفض فعل نجاة. ليس لأنه ينهي الأزمات، بل لأنه يوقف النزيف. وفي حالة الطائفة السنّية في لبنان، قد لا تكون المشكلة في غياب الخيارات، بل في التردّد في اختيار أبسطها: أن تقول «لا» حين يجب، كي لا تضطر لاحقًا إلى التعايش مع نتائج لم تخترها.
لم يعد المخطّط قابلًا للإنكار. تُفكَّك الأونروا من الداخل، عبر طاقم إدارة عليا من أوروبا الغربية، يواصل استخدام لغةٍ إنسانية، بينما يفرض عقابًا جماعيًا على الفلسطينيين—كثيرون منهم ينعون أفرادًا من عائلاتهم قُتلوا على يد الحكومة ذاتها التي تخدم هذه الإجراءاتُ أهدافَها السياسية. لم يُبدِ أيّ مديرٍ أو مسؤولٍ رفيعٍ من أوروبا الغربية داخل الأونروا شجاعةً أخلاقية لوقف هذه الأفعال. لم يعترض أحد. لم يرفض أحد تنفيذها. يحتفظ هؤلاء بمناصبهم عبر تنفيذ القرارات بلا مساءلة أو مقاومة. ولاؤهم ليس للولاية ولا للاجئين الفلسطينيين، بل لبقاء المؤسسة. وبهذا المعنى يعملون كمرتزقة: مجزِيّو الأجر، محصَّنون من العواقب، ويُقدَّرون فقط لامتثالهم. أمّا المفوض العام، فلا شيء يخسره. تنتهي ولايته في آذار/مارس 2026. خروجه مضمون، وكذلك—على الأرجح—المقرّبون منه. تُتَّخذ القرارات بيقينٍ أن العواقب لن تلحق—بل على العكس: قد تُكافأ، وتُستوعَب في مناصب أخرى، وتُعوَّض من حكوماتٍ غربية تواصل دعم إبادة الشعب الفلسطيني، ويُعاد تموضعها داخل منظومة الأمم المتحدة لمواصلة الممارسات التمييزية نفسها، تحت لافتاتٍ مؤسسية مختلفة. إنّ قرار إنهاء خدمات 650 موظفًا فلسطينيًا في يومٍ واحد، في الأسابيع الأخيرة من ولاية المفوض العام، غير مسبوق في تاريخ الأمم المتحدة والأونروا. إجراءٌ بهذا الحجم، لا رجعة فيه، ومُنفَّذ قبيل نهاية ولاية تنفيذية، يثير أسئلةً جدية حول مشروعية استمرار تمكين المفوض العام من ممارسة سلطة تنفيذية مطلقة. حين يُسارع مسؤولٌ رفيع إلى قراراتٍ لا رجعة فيها بهذا الاتساع قبيل الرحيل، لا يعود الأمر «تقديرًا إداريًا»، بل إساءة استخدام للسلطة ترقّبًا للخروج. يستوجب هذا السلوك التدقيق، لا في القرار وحده، بل في الظروف التي اتُّخذ فيها: هل قُدّمت تطمينات؟ هل جرى تحييد العواقب مسبقًا؟ هل عُلِّقت المساءلة فعليًا؟ في أيّ سياقٍ مؤسسيّ آخر، كانت هذه الظروف ستستدعي تقييدًا فوريًا، أو رقابة، أو سحبًا للتفويض. فأين الأمين العام للأمم المتحدة من كلّ ذلك؟ ما المبرر للسماح لمفوضٍ عامّ على وشك المغادرة، فيليب لازاريني، باتخاذ قراراتٍ تاريخية في أشهره الأخيرة، بعواقب ستطول زمنًا وتُلقى كاملةً على عاتق الموظفين الفلسطينيين؟ في الأساطير، حين تخلّت القوّة عن الإنسانية، كان بروميثيوس من تحدّاها؛ سرق النار وهو يعرف الثمن—لا طلبًا للاعتراف ولا إذنًا—بل لأن البقاء استلزم الفعل. لم ينتظر الإجماع. تحرّك لأن اللافعل كان يعني الدمار. فمن سيتحرّك من أجل موظفي الأونروا الفلسطينيين؟من سيتحدى الآلة بدل الاستمرار في خدمتها؟من سيتدخّل حين تُسلَّح القانونية ويُستعمل الإجراء لمحو سبل العيش؟ يُمحى موظفو الأونروا الفلسطينيون بينما يشاهد العالم ذلك في الزمن الحقيقي. بعضهم يدفن عائلته. آخرون ينامون في ملاجئ. والآن يُبلَّغون رسميًا—وبأدب—وبمفعولٍ فوريّ، بأنّ سبل عيشهم لم تعد مسموحة بالبقاء. هكذا تُقتل الولاية: بهدوء، وبمكر، ومن الداخل، على يد المسؤول نفسه، السيد لازاريني، المكلّف بحمايتها، في انتهاكٍ مباشر للقَسَم المرتبط بمنصبه. فأين بروميثيوس الآن؟ من سيتحدى القوّة حين يتطلّب البقاء ذلك، بدل إدارة الأذى باسمها؟ يقوم النظام الإنساني على مبدأٍ واحدٍ غير قابل للتفاوض: عدم إلحاق الضرر. ما يجري هنا هو قلبٌ متعمَّد لهذا المبدأ: إلحاق مزيد من الضرر—إنهاء المزيد من وظائف الفلسطينيين، تجريد سبل العيش، تعميق التهجير، ومواءمة القرارات الإدارية مع الهدف المُعلن للحكومة الإسرائيلية بتفكيك الأونروا وتقليص الوجود الفلسطيني في غزة. نعم: إلحاق مزيد من الأذى، بمنهجية وبقصد، رسالة إنهاءٍ تلو أخرى.لا لأنّه قانوني. ولا لأنّه حتمي. بل لأنّ من يصرّح به محصَّن من العواقب، ويحسب أنّ الأرواح والعمل والحقوق الفلسطينية يمكن إطفاؤها إداريًا بلا كلفة. هكذا يشارك مسؤولون كبار، مثل لازاريني، في عملية المحو: باختيار الأذى، وتفويضه على الورق، وفرضه دون إطلاق رصاصة واحدة. سيتذكّركم الفلسطينيون لأنّكم فشلتم في حمايتهم، وفشلتم في صون الولاية الموكلة إليكم، واخترتم عن وعيٍ إلحاق الأذى بهم—لا فرق في النهاية بينكم وبين من يعلن عداوته لهم صراحة.