إنّ قرار إنهاء خدمات 650 موظفًا فلسطينيًا في يومٍ واحد، في الأسابيع الأخيرة من ولاية المفوض العام، غير مسبوق في تاريخ الأمم المتحدة والأونروا. إجراءٌ بهذا الحجم، لا رجعة فيه، ومُنفَّذ قبيل نهاية ولاية تنفيذية، يثير أسئلةً جدية حول مشروعية استمرار تمكين المفوض العام من ممارسة سلطة تنفيذية مطلقة. حين يُسارع مسؤولٌ رفيع إلى قراراتٍ لا رجعة فيها بهذا الاتساع قبيل الرحيل، لا يعود الأمر «تقديرًا إداريًا»، بل إساءة استخدام للسلطة ترقّبًا للخروج.
يستوجب هذا السلوك التدقيق، لا في القرار وحده، بل في الظروف التي اتُّخذ فيها: هل قُدّمت تطمينات؟ هل جرى تحييد العواقب مسبقًا؟ هل عُلِّقت المساءلة فعليًا؟ في أيّ سياقٍ مؤسسيّ آخر، كانت هذه الظروف ستستدعي تقييدًا فوريًا، أو رقابة، أو سحبًا للتفويض.
فأين الأمين العام للأمم المتحدة من كلّ ذلك؟ ما المبرر للسماح لمفوضٍ عامّ على وشك المغادرة، فيليب لازاريني، باتخاذ قراراتٍ تاريخية في أشهره الأخيرة، بعواقب ستطول زمنًا وتُلقى كاملةً على عاتق الموظفين الفلسطينيين؟
في الأساطير، حين تخلّت القوّة عن الإنسانية، كان بروميثيوس من تحدّاها؛ سرق النار وهو يعرف الثمن—لا طلبًا للاعتراف ولا إذنًا—بل لأن البقاء استلزم الفعل. لم ينتظر الإجماع. تحرّك لأن اللافعل كان يعني الدمار.
فمن سيتحرّك من أجل موظفي الأونروا الفلسطينيين؟
من سيتحدى الآلة بدل الاستمرار في خدمتها؟
من سيتدخّل حين تُسلَّح القانونية ويُستعمل الإجراء لمحو سبل العيش؟
يُمحى موظفو الأونروا الفلسطينيون بينما يشاهد العالم ذلك في الزمن الحقيقي. بعضهم يدفن عائلته. آخرون ينامون في ملاجئ. والآن يُبلَّغون رسميًا—وبأدب—وبمفعولٍ فوريّ، بأنّ سبل عيشهم لم تعد مسموحة بالبقاء.
هكذا تُقتل الولاية: بهدوء، وبمكر، ومن الداخل، على يد المسؤول نفسه، السيد لازاريني، المكلّف بحمايتها، في انتهاكٍ مباشر للقَسَم المرتبط بمنصبه.
فأين بروميثيوس الآن؟ من سيتحدى القوّة حين يتطلّب البقاء ذلك، بدل إدارة الأذى باسمها؟
يقوم النظام الإنساني على مبدأٍ واحدٍ غير قابل للتفاوض: عدم إلحاق الضرر. ما يجري هنا هو قلبٌ متعمَّد لهذا المبدأ: إلحاق مزيد من الضرر—إنهاء المزيد من وظائف الفلسطينيين، تجريد سبل العيش، تعميق التهجير، ومواءمة القرارات الإدارية مع الهدف المُعلن للحكومة الإسرائيلية بتفكيك الأونروا وتقليص الوجود الفلسطيني في غزة.
نعم: إلحاق مزيد من الأذى، بمنهجية وبقصد، رسالة إنهاءٍ تلو أخرى.
لا لأنّه قانوني. ولا لأنّه حتمي. بل لأنّ من يصرّح به محصَّن من العواقب، ويحسب أنّ الأرواح والعمل والحقوق الفلسطينية يمكن إطفاؤها إداريًا بلا كلفة.
هكذا يشارك مسؤولون كبار، مثل لازاريني، في عملية المحو: باختيار الأذى، وتفويضه على الورق، وفرضه دون إطلاق رصاصة واحدة.
سيتذكّركم الفلسطينيون لأنّكم فشلتم في حمايتهم، وفشلتم في صون الولاية الموكلة إليكم، واخترتم عن وعيٍ إلحاق الأذى بهم—لا فرق في النهاية بينكم وبين من يعلن عداوته لهم صراحة.