لم يعد السباق النووي عودةً نظرية إلى زمن الحرب الباردة، بل تحوّل إلى واقعٍ يتشكّل بهدوءٍ قاتل. القوى الكبرى لا تُحدّث ترساناتها فقط، بل تُعيد تعريف فلسفة الردع نفسها. ومع انتقال النظام الدولي من ثنائيةٍ نووية إلى توازن ثلاثي تقوده الولايات المتحدة وروسيا والصين، يتقدّم الشرق الأوسط من هامش الحسابات إلى مركزها، ويقف مضيق هرمز بوصفه نقطة الاختناق الأكثر حساسية في العالم تبدّل العقيدة النوويةهذا ليس سباق قنابل فحسب؛ إنه سباق على شكل العالم القادم، اقتصاده، أمنه، وحدود الخطأ المسموح.طوال عقود، حكمت عقيدة «الدمار المتبادل المؤكّد» التوازن النووي. اليوم، تتآكل تلك القاعدة بهدوء.روسيا، الغارقة في حرب أوكرانيا، خفّضت عمليًا سقف استخدام السلاح النووي التكتيكي في خطابها وعقيدتها، مُدخلةً خيار «الاستثناء» إلى قاموس الردع.في المقابل، تُعيد الولايات المتحدة تحديث منظومتها النووية ببرنامجٍ طويل الأمد تبلغ كلفته تريليونات الدولارات، واضعةً حماية سلاسل الطاقة العالمية ضمن تعريفها الموسّع للردع.أما الصين، الأكثر إثارة للقلق، فتبني قوتها بصمت. انتقال محسوب من ردعٍ محدود إلى قدرةٍ شاملة على إدارة توازن نووي كامل، ما يجعل إدارة الخوف بين ثلاثة أخطر بكثير من ضبطه بين طرفين.أما النتيجة، فزمن القرار يقصر، ومعاهدات الحد من التسلّح تتآكل، وقنوات الثقة تقترب من الصفر. في بيئة مزدحمة عسكريًا مثل الخليج، قد يتحول سوء التقدير إلى لاعب استراتيجي. والحروب الكبرى كثيرًا ما بدأت هكذا. ليس بقرارٍ مدروس… بل بلحظة ارتباك هرمز..عقدة ردع عالمية تاريخيًا، كان هرمز ساحة حروب ناقلات واستعراضات بحرية محسوبة. اليوم، يدخل المضيق تحت مظلّة ردع غير مُعلنة. تمرّ عبره قرابة خُمس إمدادات النفط العالمية، أي اضطراب مؤقت كفيلٌ بإشعال الأسواق خلال ساعات. لذلك تنظر واشنطن إليه كخطٍ أحمر اقتصادي، فيما ترى موسكو في أي قفزة نفطية متنفسًا ماليًا، وتعتبر بكين، أكبر مستورد للطاقة، أمنه مسألة أمن قومي مباشر. هكذا يصبح الشرق الأوسط نقطة التقاء ردعٍ «عبر المسافة». قوى نووية كبرى تتقاطع مصالحها فوق مياه الخليج من دون أن تنشر قنابلها على ضفافه. دولة العتبة التي تغيّر الحسابات في قلب هذه المعادلة تقف إيران. لا تُعلن امتلاك القنبلة، لكنها تعمل على امتلاك كل ما يجعل تصنيعها ممكنًا بسرعة، سياسة «الوقوف على العتبة». هذا التموضع يمنح طهران «ردع الغموض القابل للتصديق». الخصوم يفترضون الأسوأ عند كل احتكاك، حتى لو بقي النزاع تقليديًا. وفي بيئةٍ مكتظة كهرمز، يرفع هذا الغموض كلفة أي خطأ حسابي. الأخطر ليس القنبلة بحد ذاتها، بل تأثير الدومينو: إذا صارت إيران نووية، ولو ضمنيًا، ستُعاد صياغة حسابات إقليمية، من الضمانات إلى خيارات الردع، ما يحوّل الخليج إلى نظام توازن رعب مصغّر. الكوابيس الاستخباراتية لا تبدأ بحربٍ شاملة، بل بسلسلة تصعيد غير مقصود. حادثة بحرية، رد محدود، توسّع ضربات على بنى طاقوية، دخول قوى لحماية مصالحها. عند هذه النقطة، يظهر الردع النووي في الخلفية، لا للاستخدام، بل للمنع، وتدخل الأزمة «منطقة حافة الهاوية»، حيث يتحرّك الجميع على إيقاع حربٍ لا يريدونها. على الرغم من التوتر في شرق آسيا، يحمل هرمز عناصر تفجير أسرع. السبب اقتصادي بقدر ما هو عسكري. قفزة نفطية فورية، اضطراب سلاسل الإمداد، موجات تضخم، وارتدادات سياسية في دول مستوردة للطاقة. إنها صدمة كوكبية لا إقليمية، ما يجعل الحساسية للتصعيد أعلى، والاستعداد للرد أشد. اقتصاد الخوف النووي السباق النووي زلزال اقتصادي صامت. تريليونات تُسحب من التعليم والبنى التحتية والتحول الطاقوي لتُضخ في أدوات يُفترض ألا تُستخدم. الأسواق تلتقط الإشارات سريعًا: ذهبٌ أعلى، دولارٌ أقوى، قلقٌ أوسع. العالم لا يخشى الحرب فقط؛ يخشى الخطأ. الأسلحة فرط الصوتية، أنظمة الإنذار الآلي، والذكاء الاصطناعي العسكري تقلّص زمن القرار إلى دقائق وربما ثوانٍ. في مسرحٍ مزدحم كالخليج، قد يتحوّل سوء تقدير واحد إلى لاعبٍ استراتيجي. والتاريخ يعلّم أن الكوارث الكبرى نادرًا ما تبدأ بقرارٍ جنوني، غالبًا ما تبدأ بقرارات «معقولة» قادت إلى الهاوية. قد لا نكون أمام حرب باردة جديدة بالمعنى الكلاسيكي، بل نظامٍ أكثر سيولة وأقل قابلية للتوقّع: تنافس أميركي–صيني، مواجهة روسية–غربية، صراعات ظل، وتقاطعات طاقة. في هذا المشهد، يصبح السلاح النووي بوليصة التأمين القصوى. السؤال اليوم لم يعد: هل تريد القوى الكبرى حربًا نووية؟ بل: هل ما زالت تملك القدرة على منعها إذا خرجت الأمور عن السيطرة؟
لم يكن الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 يومًا عابرًا في تاريخ سوريا والمنطقة؛ كان لحظةً صاعقة أطاحت بحكمٍ دام أكثر من خمسين عامًا، وأغلقت فصلًا طويلًا من الاستبداد الدموي الذي بدأ مع حافظ الأسد واستمرّ مع وريثه.سقوط النظام لم يكن حدثًا سوريًا فقط، بل زلزالًا جيوسياسيًا هزّ موازين القوى، وفتح الباب على مرحلة جديدة تُعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات. جذور الغضب الثورة السورية لم تولد من فراغ؛ كانت نتيجة تراكمٍ خانق لعقود من الاستبداد السياسي، والفساد البنيوي، والتهميش الاجتماعي.منذ “الحركة التصحيحية” عام 1970، أنتج نظام البعث دولةً أمنيةً متغوّلة، عطّلت السياسة، وخنقت المجتمع، وأطلقت يد المخابرات لتتحكم في تفاصيل الحياة اليومية.مجزرة حماة 1982 لم تكن مجرد محطة دامية، بل صكّ ملكية للنظام في ممارسة الوحشية.ثم جاء بشار الأسد، فحوّل الإرث القمعي إلى إعادة تدوير للفساد بشكل “نيوليبرالي” زاد الأغنياء ثراءً، وترك ملايين السوريين فريسة الفقر والجفاف والبطالة. عندما اعتُقل أطفال درعا عام 2011 لأنهم كتبوا “إجاك الدور يا دكتور”، لم يكن النظام يعلم أنه أشعل فتيل بركان مكبوت منذ عقود. خرج السوريون يطالبون بالحرية… فواجههم بالرصاص. من السلمية إلى حمام الدم اختار النظام منذ اللحظة الأولى الحلّ العسكري. قنصٌ واعتقالاتٌ وتعذيبٌ ومجازر دفعت الحراك السلمي نحو العسكرة، مع انشقاق آلاف الضباط وتأسيس “الجيش الحر”.لكن سوريا سرعان ما تحوّلت إلى ساحة حربٍ متعددة الطبقات: انقلابٌ مسلّح على الشعب، صراع نفوذٍ إقليمي، وتدخلات دولية جعلت البلاد مسرحًا للحرب بالوكالة. الكارثة الإنسانية كانت بلا سقف:• ما بين 350 ألفًا ونصف مليون قتيل.• مئات الآلاف من المعتقلين والمختفين.• أكثر من 6.6 مليون نازح داخلي، و6.7 مليون لاجئ في الشتات.• دمار اقتصادي يُقدَّر بـ 800 مليار دولار.• فقرٌ يلتهم 90% من السوريين. كانت سوريا تتفكك أمام العالم… والعالم يكتفي بالتفرّج. منذ “الحركة التصحيحية” عام 1970، أنتج نظام البعث دولةً أمنيةً متغوّلة، عطّلت السياسة، وخنقت المجتمع، وأطلقت يد المخابرات لتتحكم في تفاصيل الحياة اليومية. أمراء الحرب وصنّاع القرار الحرب لم تكن سورية فقط. إيران ضخّت المال والسلاح والميليشيات. حزب الله دخل بثقله العسكري لحماية النظام. روسيا غيّرت قواعد اللعبة في 2015 حين قررت أن تمنع سقوط الأسد مهما كان الثمن. في المقابل، وقفت الولايات المتحدة وحلفاؤها في موقع المتردد، منشغلين بمحاربة “داعش”، تاركين المعارضة المعتدلة وحيدةً في مواجهة آلة القتل. تركيا دعمت فصائل المعارضة لكنها خاضت معاركها الخاصة على الحدود وضد النفوذ الكردي. ودول الخليج تنافست بدعم فصائل متباينة في سياق معركتها مع إيران. سوريا أصبحت لوحة شطرنج تعلوها رائحة البارود والخراب. بناء على ركام بعد سقوط النظام، واجهت الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع إرثًا ثقيلًا. لكنّها نجحت في عامها الأول في إعادة وصل ما انقطع: فُتحت أبواب دمشق سياسيًا بعدما أُغلقت لعقدٍ كامل، واستعادت سوريا حضورها العربي والدولي. عادت العلاقات مع تركيا والسعودية وقطر، وبدأت سياسة جديدة تقوم على الانفتاح لا على العداء. في الداخل، أطلقت الحكومة مسار العدالة الانتقالية: تحرير المعتقلين، لجانٌ للبحث عن المفقودين، تحقيقات أولية في جرائم الحرب، وفتح ملفات حقوق الإنسان المغلقة منذ عقود. عاد أكثر من 3 ملايين لاجئ ونازح، وبدأت خطوات حقيقية لمحاربة الفساد، وتحريك عجلة الاقتصاد وجذب الاستثمارات وخطط إعادة الإعمار. الانهيار الإيراني… وتبدل الخرائط سقوط الأسد مثّل ضربةً قاصمة لإيران؛ ففقدت أحد أهم أعمدة نفوذها في الشرق الأوسط، واضطرت لسحب ميليشياتها وقواتها من سوريا.انكسر “محور المقاومة” سياسيًا وعسكريًا، بينما فتحت روسيا قنوات تواصل مع القيادة الجديدة لضمان استمرار مصالحها العسكرية. وبدأت سوريا الجديدة بالتموضع ضمن محيطها العربي، في خطوةٍ تعيد التوازن الإقليمي وتقلّل من منسوب التوتر الذي أشعلته سنوات الحرب. معركة المستقبل… لم تبدأ بعد برغم الانتصار، يواجه السوريون امتحانًا أصعب: بناء الدولة التحديات تملأ الطريق: إعادة الإعمار، تفكيك الميليشيات، استعادة الاقتصاد، ترسيخ العدالة والمحاسبة، وقطع الطريق أمام عودة الاستبداد بأي شكل. نجاح سوريا مرهون بإصرار شعبها، وبحكمة قيادتها، وبمدى استعداد العالم لتعويض سنوات الصمت عن المأساة السورية. فالسوريون لم يسقطوا نظامًا فحسب… بل دفعوا ثمنًا عن الإنسانية كلّها.
كتب الكثيرون عن المشهدِ الأخير، وعن الفرقِ الشاسع بين رئيسٍ منتصرٍ يُحتفى به، ورئيسٍ هاربٍ لاجئ فار. تحدّث معظم الصحفيين عن الموكبِ المهيب الذي مرَّ قُربَ سكنِ الأسد، ذاك الذي غادر المكانَ بـ”طلبٍ شخصيٍّ من نفسه”، من دون أن يضغط عليه أحد. صوَّر الإعلام كلَّ شيء… روسيا نفسُها التي حاربت ضدّ الثورة السورية لأكثر من أحدَ عشر عاماً، هي اليوم مَن تستقبل “قائدَها الجديد”. تلك الدولة التي اعترف الرئيسُ الشرعُ، ببذلتِه العسكرية، أنّه أسقط لها طائرتَين حديثتَين بسلاحٍ نوعيّ، وطردَها مع إيران من الشام والمنطقة. لكن ليس هذا حديثي. لن أزيد على ما قيل، فهو “ترند” بطبيعة الحال، وكلُّ ما سيُكتب في هذا السياق سيجد مَن يقرأه. سأتحدّث عن شيءٍ مختلف… كيف تتّسع أرضٌ واحدة، مهما كانت شاسعةً تمتدّ من الشرق وتلامس الغرب، لرئيسَي دولةٍ في آنٍ واحد؟ هي الزيارةُ الأولى للرئيس أحمد الشرع، المنتصر، برفقة نخبةٍ من خبراءِ أجهزته: مخابراتٍ، وعسكريين، واقتصاديين، وقانونيين، يرافقه وزيرُه المفضّل، “أبو عائشة” أسعد الشيباني. متأكّدٌ أن الكثيرين سيتناولون هذا أيضاً، وستكشفه الأيامُ القادمة، تماماً كما كشفت أنّ روسيا تخلّت عن بشّار بعد أسبوعٍ واحد فقط من عملية “تحرير الشام”. لكنها ليست الزيارةَ الأولى للوفود السورية الممثّلة للنظام الجديد، الحريص على الإمساك بكلّ الخيوط. لن أتحدّث عن انتصار دمشق الفريد من نوعه منذ عقود، ذاك الانتصار المُهدى للعرب والمسلمين، والذي جاء بعد أفغانستان، وصدى “السابع من أكتوبر” الذي لم ينتهِ بعد. ولن أتحدّث عن ذاك الذي صعد الدرج الطويل بخفّةِ رياضيّ، خالعاً معطفَه الثقيل ليصعده مَلِكاً. وإن دلّ ذلك على شيء، فإنما يدلّ على رئيسٍ لا يكلّ حتى يصلَ إلى هدفه. لن أتحدّث عن تردّد وزير الخارجية الروسي في استقباله، أو انشغاله “بأمرٍ مهم”، والدليل أنّ الرئيس الروسي حين صافحه بدا وكأنّه لم يره طوال النهار، ثم استأنف حديثه بعد أن فهم ما جرى، ليُكمل الحوار مع الرئيس الجديد. حديثي اليوم يتلخّص في جملةٍ واحدة: ألا يتّعظ أصحابُ المحاور؟ ألا تتّعظ البيادقُ التي تحرّكها الدولُ الكبرى فتُضحّي بها من دون ثمن؟ ألا يفهم أصحابُ المحاور أنّ كلَّ دولةٍ عظمى تبني إمبراطوريتَها على مصالحها، على حسابِ ثروات الدول التي تمزّقها الصراعاتُ الطائفية والمذهبية والعرقية والعشائرية، وكلُّ ما يؤدّي إلى الفرقة؟ ألا يتّعظ هذا “المحور” الذي خبرتُه جيداً، فيخفّف من غطرسته، ويستوعب الصدمةَ كما استوعبتها روسيا اليوم، وقبلَها أمريكا وأوروبا؟ الزمن لم يتغيّر، والقوى العظمى لم تتغيّر؛ فهي لا تزال — منذ نشأتها — تبحث عن مصالحها، وفقط مصالحها. فمباركٌ لسوريا تحييدُ يدٍ أخرى كانت ترفع حقَّ النقض في الأمم المتحدة. ومباركٌ لقائدها الذي أثبت أنّ الميدان هو الحكم، وأنّ القوة هي القرار. ومباركٌ لهم جميعاً رسمُ خريطةٍ جديدة، سنرى معالمَها تتشكّل في الأشهر القادمة…