لم يكن مجرّد خبرٍ عادي أن يمكث المعاون السياسي لنبيه بري، الوزير السابق علي حسن خليل، أيامًا في السعودية، باحثًا مع مسؤوليها، على مختلف المستويات، شؤونًا لبنانية تفصيلية، وأخرى إقليمية وعربية عامة، في وقتٍ تتقاطر فيه الصواريخ في سماءات دول الخليج، ويبلغ ضغط الحروب أشدّه. قد تكون مواقف رئيس مجلس النواب اللبناني وحدها، هذه الأيام، هي التي تتقدّم على مواقف دونالد ترامب من حيث الضبابية والغموض، والشدّ والرخي، والشيء ونقيضه في آنٍ واحد. في الرياض، حمل خليل معه تفاصيل شيعية لبنانية متشعّبة، كما أكدت مصادر سياسية مطّلعة لصحيفة “البوست”. ولم يكن النقاش بين المسؤولين السعوديين والموفد اللبناني بالنيابة عن حركة أمل فحسب، بل عن أفكار جرى تنسيقها بشكلٍ وافٍ بين بري وحزب الله، ما يعني أنها تعكس حقيقة “جو” الثنائي الشيعي. من المواضيع التي طُرحت، بحسب المصادر، جسّ النبض السعودي حيال فكرة “التغيير الحكومي”. فقد حاول بري استمزاج رأي السعوديين حول إجراء تغيير حكومي يطيح بنواف سلام وفريقه الحالي، بحجّة تنفيس الاحتقان الداخلي (الذي لا يشعر به إلا فريقٌ محدد من اللبنانيين) بعد تداعيات العدوان الإسرائيلي، والبحث في إمكانية طرح أسماء سنية جديدة لتولّي رئاسة الحكومة العتيدة. الرياض استمعت إلى طرح عودة الحريري، لكنها لم تمنحه ضوءًا أخضر: لا إسقاط لنواف سلام الآن، ولا فتح جدّيًا لباب تبديل المشهد قبل نضوج التسويات الكبرى وفي هذا الإطار، جرى التطرّق إلى موضوع عودة سعد الحريري، وما قد تشكّله هذه الخطوة من إيجابيات على صعيد البلد ككل، والاحتقان السني – الشيعي الداخلي، وإطلاق عجلة إعادة الإعمار عربيًا ودوليًا بعد انتهاء الاتفاق بين أميركا وإيران. وفي هذا السياق، يقول عارفون إن الرد السعودي على ما بدا وكأنه “رغبة شيعية” بعودة الحريري إلى موقعه السياسي، لم يحمل جديدًا في هذا المجال، بل جرى الاستماع إلى وجهة النظر هذه، التي كانت جزءًا من نقاشاتٍ أكبر، بكل رحابة صدر. لكن الرأي السعودي تمسّك بنواف سلام وحكومته، التي تقوم بعملٍ تؤيده السياسة العامة للمملكة تجاه لبنان والمنطقة، وأن الحديث عن شخصية سنية جديدة تملأ فراغًا مفترضًا ليس أوانه بعد. وهكذا، فُهم أن الباب لم يُفتح أمام عودة الحريري، لكنه لم يُوصَد بوجهه تمامًا، ليبقى الوضع على ما هو عليه، بانتظار تبلورٍ أكبر في المعطيات، قد تنتج عنه ظروفٌ أكثر ملاءمة لساكن “بيت الوسط”.
علمت جريدة «البوست» من مصادر سياسية متابعة أنّ إيعازًا سعوديًا رُصدت ملامحه بحق عدد من الشخصيات والنشطاء السياسيين، مفاده وجوب توخّي الحيطة والحذر في أي انخراط أو تقرّب من أجواء «تيار المستقبل»، ولا سيّما خلال الزيارة الحالية التي يقوم بها الرئيس سعد الحريري إلى لبنان. وبحسب المعلومات المتداولة، فإنّ عددًا من الشخصيات تلقّى إشارات غير مباشرة بضرورة التنبه إلى أنّ التواجد والتعامل مع “الجوّ الحريري” سيؤثر حكمًا بشكل سلبي على الأعمال والمصالح التجارية والمالية لهذه الشخصيات في المملكة، وهو ما أدّى إلى نوع من الانكفاء خوفًا من تداعيات قد تطال مصالحها لاحقًا. وتشير المعطيات إلى أنّ الرسائل لم تأتِ بصيغة رسمية أو مكتوبة، بل عبر قنوات توصف بـ«الناعمة»، ما أضفى عليها طابعًا ضاغطًا من دون إعلان مباشر. ويُقرأ هذا التطوّر في سياق إعادة رسم حدود الاشتباك السياسي والمالي في المرحلة المقبلة، حيث تتقاطع الحسابات الإقليمية مع التموضع الداخلي عشية أي استحقاق محتمل.
ظما إن حطّتِ الطائرةُ في مطارِ دبي قادمةً من بيروت، حتى سارعَ أمينُ عام «تيّار المستقبل» أحمدُ الحريري، الذي كان على متنها لإنجاز «أشغاله» في “إمارة آل مكتوم”، فهو لا يملك متّسعًا من الوقت.والدته في طريقها إلى أبو ظبي في اليوم التالي، وعليه إنهاءُ عمله في دبي كي يتوجّه إلى مقرّ إقامة إبن خاله سعد بانتظار انضمام «الحجّة» أمّ نادر إلى لقاءاتٍ من المنتظر أن تكون تقريريةً مهمّة. ليس غريبًا تبادلُ الزيارات بين بهيّة الحريري ونجلها أحمد لسعد، فهو أمرٌ يقومان به بشكلٍ دائم كلّ فترة، لكنّ الموضوع هذه المرّة بدا أكثر دقّةً وحساسية، نظرًا لتوقيت المرحلة السياسية التي يمرّ بها لبنان والمنطقة على أكثر من صعيد، ولا سيّما ما يتعلّق باستحقاق الانتخابات النيابية المقبلة، سواء جرت في موعدها أم جرى تأجيلها بفعل عوامل خارجية أو حتى داخلية. الحضور الباقي السؤال الكبير في انتخابات لبنان النيابية 2026 اليوم هو معرفةُ الموقف الواضح لتيّار المستقبل ولسعد الحريري تحديدًا من هذا الاستحقاق السياسي والشعبي المفصلي في تاريخ لبنان. فعليه يُبنى ويتغير الكثير. على الرغم من ابتعاده خطواتٍ عن التماسّ السياسي اللبناني بتفاصيله المملّة، لا يزال سعد حاضرًا بتيّاره وتمثيله السنّي الأكبر في البلد، والنفوذ وإن بدا متراجعًا، وشبكة العلاقات وإن تضعضعت، والمصالح وإن تضاءلت، كلّها حصيلةُ معطياتٍ نُسجت على مدى أكثر من أربعة عقود من تاريخ البلد الذي نعرفه اليوم.فمهما يكن القرار الذي سيخرج به تيّار المستقبل وسعد حيال موضوع الانتخابات، فإنّ تداعياته، في أيّ إطارٍ خلصت، ستصيب الخارطة السياسية للبنان ككلّ. بهيّة الحريري ونجلها أحمد تفاجآ بمدى اطّلاع سعد التفصيلي الدقيق على خارطة الانتخابات النيابية المقبلة، على الرغم من ابتعاده عن «الأرض» ظاهريًا العيون والآذان على أبو ظبي ما الذي جرى في أبو ظبي منذ أيّام؟ثلاثةُ اجتماعاتٍ سياسيةٍ رئيسةٍ طغت على أيّام أبو ظبي. الاجتماع الأوّل جمع أحمد مع سعد، والاجتماع الثاني ضمّ سعد وبهيّة، أمّا الاجتماع الثالث فكان بين الثلاثة معًا.وبحسب ما أفادت مصادرُ مطّلعةٌ جريدةَ «البوست»، فإنّ بهيّة وأحمد تفاجآ بمدى اطّلاع سعد التفصيلي الدقيق على خارطة الانتخابات النيابية المقبلة، على الرغم من ابتعاده عن «الأرض» ظاهريًا. فقد تقاطعت معلوماتٌ عن أنّ جهةً محترفةً أعدّت دراسةً دقيقةً لتوزيع مراكز القوى والحضور المستقبلي ومزاج الناخبين على كامل خريطة البلد، التي قُسّمت، بحسب المُعِدّين، إلى 40 دائرةً مناطقية تعكس حجم الحضور والناخبين والمزاج السياسي العام والتوقّعات بالأرقام التفصيلية. الحصيلة النهائية قبل أشهرٍ قليلة، يؤكّد عارفون أنّ سعد كان ميّالًا إلى التعامل مع الانتخابات النيابية المقبلة كما جرى التعامل مع الانتخابات الماضية، أي بعزوفٍ تامّ دون أيّ مشاركةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة، لكنّ جهود أحمد وعددٍ من أعضاء الحلقة المقرّبة نجحت في إقناعه بأنّ عدم خوض الانتخابات هذه المرّة يعني انتحارًا سياسيًا، أي إقفالًا فعليًا لـ«بيت الحريري» بالمعنى المبسّط. وهكذا بات سعد مقتنعًا بتغيير المعادلة التي سادت سابقًا، دون أن يؤدّي ذلك إلى افتعال مشاكل وتعقيدات هو بغنى عنها في لحظاتٍ سياسيةٍ دوليةٍ وإقليميةٍ غير ثابتة. بعد استعراضٍ للمعطيات وجولاتٍ من المباحثات والنقاشات بين المجتمعين، خلصت حصيلةُ أيّام أبو ظبي الثلاث، بحسب مصادر مطّلعة، إلى النتيجة التالية: لن يخوض سعد الحريري الانتخابات النيابية بشكلٍ شخصيّ مباشر لا عودة حاليًا عن قرار تعليق العمل السياسي لتيّار المستقبل في لبنان، بانتظار نضوج الظروف التي تسمح بذلك، ولا سيّما على الخطّ السعودي تحديدًا لن يتمّ منع عددٍ من الشخصيات السياسية المحسوبة على «تيّار المستقبل»، كبهيّة الحريري في صيدا، ومحمد الحجّار في إقليم الخروب، والعميد محمود الجمل في بيروت، أو سامي فتفت في الشمال، وغيرهم، من الترشّح، باعتبار أنّ ذلك قرارٌ شخصيّ يعود إلى خيار صاحبه، وليس قرارًا حزبيًا يُعمَّم على الأنصار والمؤيّدين للالتزام به. التحالف مع حزب الله أمرٌ غير واردٍ في أيٍّ من الدوائر والمحافظات، تحت أيّ عنوان التحالف مع الجماعة الإسلامية أمرٌ غير مطروح كذلك التحالف والتنسيق مع نبيه بري أمرٌ استراتيجيّ يُوصى به، لكن تبقى عقدةُ كيفية الفصل بينه وبين «الثنائي الشيعي» في موضوع التصويت متروكةً لأرنبٍ من أرانب “أبو مصطفى” كي يجد لها حلًّا زيارةُ سعد إلى لبنان في ذكرى 14 شباط صارت مؤكّدةً ومحسومة، لكنّها لن تطول أكثر من 3 إلى 4 أيّام، ولن يتخلّلها أيّ موقفٍ سياسيّ حاسمٍ بالنسبة لموضوع الانتخابات النيابية أو غيره في السياسة، لا أمرَ قطعيًا ولا متغيّرًا، لكن ما بات محسومًا حتى الآن هو أنّ «الحريرية» ستخوض الانتخابات النيابية المقبلة، وإن بقفّازٍ أو من وراء حجاب، وعلى اللبنانيين أن يتحضّروا، كما على البعض، طبعًا، أن يتحسّسوا مؤخّراتهم.