حتى من دون سابق إصرارٍ أو ترصُّد، يبدو أن اللاوعي الخاص برجل الأعمال محمد زيدان يعرف جيدًا أصول «الحَرْتَقات الصيداوية»، ويُحسن استخدامها من وقتٍ إلى آخر، وخصوصًا حين يقترب المشهد من «بيت الحريري». ففي غضون أسبوعٍ واحد لا أكثر، نجح «أبو رامي»، بقصدٍ أو من دونه، في توجيه «زَكْزَكتين» إلى “أم نادر”، من النوع الذي لا يحتاج إلى بيان سياسي كي يُفهم، ولا إلى ترجمان كي تُقرأ دلالاته. الأولى جاءت من بوابة «مهرجانات صيدا الدولية»، التي بقيت لسنوات طويلة تحت كنف «الست»، قبل أن تجد طريقها هذه المرة إلى ملعب زيدان، مع استضافة «منتزه الكنايات» الذي يملكه لفعاليات المهرجان، وتقديمه تسهيلات مالية ولوجستية كبيرة لفريق العمل والحدث. ولم يكن الإعلان عن الخطوة من مكان عابر، بل من مركز المحافظة تحديدًا، بما يكفي لإضافة تلك «النكهة الصيداوية» التي تجعل حتى المكان جزءًا من الرسالة. أما «الزَكْزة» الثانية، فكانت أكثر طرافةً في رمزيتها. زيدان استقدم جمعية من بيروت تُدعى «العلم اللبناني»، كي تستضيف الحديقة العامة التي يُشيّدها باسمه، إلى جانب قصر العدل في صيدا، أطول سارية علم لبناني في المدينة، بارتفاع يبلغ 33 مترًا، وقد تم تحضير البنية التحتية الهندسية لذلك. أي أن العلم الجديد سيصبح أعلى من العلم اللبناني الذي انتصب لسنوات إلى جانب نصب الرئيس رفيق الحريري على الكورنيش البحري. طبعًا، قد تكون المسألة مجرد أمتار. لكن في صيدا، نعرف جميعًا أن الصدف السياسية أذكى بكثير من أن تكون بريئة دائمًا. وهذه ليست سوى عيّنة صغيرة مما يجري في الخفاء في مدينة عمرها آلاف السنين، ثم تسألون، ليش بعدا صيدا هيك؟
بعيدًا عن «حليب السباع» الذي بدا أن رئيس بلدية صيدا، مصطفى حجازي، قد تجرّعه فجأة وتجلى في بيان مقتضب على فايسبوك، «حيث لا يجرؤ الآخرون» دفاعًا عن مصلحة المدينة. وبعيدًا عن العراضات البصرية التي حاول أحد رؤساء البلديات الآخرين قطف ثمارها من الشارع، وعن آخرين سارعوا إلى حجز مواقعهم في المشهد، هناك، في مكان بعيد عن الضوء والضجيج، يقبع “رجل خفيّ” خلف حلّ هذه الأزمة، ولو مرحليًا. رجل لا يحبّ الكاميرات، ولا يهوى البيانات. يحضر في كل محطة مفصلية، ليؤكد أن صيدا بالنسبة إليه ليست موسمًا سياسيًا، ولا لافتة انتخابية عابرة، بل مدينة أحبّها وبقي إلى جانبها، رغم كل ما تعرّض له من طعنات وتجريحات ومحاولات نكران. وحده، ربما حتى ولو لم يحب ذلك، يملك الحق في أن يقول “صيدا دومًا في القلب”، لا قلب أولئك الذين يمنّون على المدينة بما هو حق لها. ففيما كانت المدينة تحتاج إلى حلّ، كان كثيرون يبحثون عن دور. أمّا هو، فهندس الحلّ العملي، كعادته.
المدن كالناس، لا تنكشف في أوقات الرخاء، بل في لحظات العطب. تحار في ما يمكن أن يُقال عن أزمة النفايات في صيدا. قيل فيها كل شيء تقريبًا: بيانات، مواقف، اتهامات، تبريرات، مزايدات، بطولات وهمية، ومعارك افتراضية… وكل طرف يزعم أنه صاحب الحق، وحارس الحقيقة، ومنقذ المدينة. تعاقبت على صيدا زمر من المسؤولين والسياسيين والناشطين والخبراء وأصحاب الرؤى. تبدلت الأسماء. تغيرت الوجوه. مات بعضهم. كبر بعضهم. اختفى آخرون… لكن الزبالة بقيت. كيف يمكن لمدينة أن تنتج، خلال خمسة أجيال تقريبًا، كل هذا العدد من المتعاطين بالشأن العام، ولا تنتج جوابًا واحدًا نهائيًا عن سؤال: ماذا نفعل بالزبالة؟ ربما لأن المشكلة لم تكن يومًا في القمامة. كانت القمامة مجرد مرآة، والمرآة ليست مسؤولة عن الوجه الذي يظهر فيها. من كثرة ما قيل في هذا الموضوع، لم تعد الحقيقة وحدها هي التي ضاعت، بل ضاع الناس معها، وملّوا. بقدر ما تبدو مشكلة النفايات في صيدا معقّدة، هي في جوهرها بسيطة. هناك معمل. يمكن أن يكون جيدًا أو سيئًا. يمكن نقده. يمكن إصلاحه. يمكن تطويره. يمكن مساءلة القائمين عليه. لكن هناك، في النهاية، شيء موجود يمكن البناء عليه. بذرة موجودة، لا تعرف مصيرها مسبقًا. يمكن أن تتحول إلى شجرة. ويمكن أن تموت في التراب. الأمر يتوقف على من يسقيها ويرعاها. إما أن نستمر في صناعة جبال إضافية من النفايات، نكدّسها فوق ما راكمناه ونورّثها للأجيال المقبلة، وإما أن نحوّل هذا الملف إلى قصة نجاح تستفيد منها المدينة ماليًا وبيئيًا وكهربائيًا وتنمويًا. الأمر ممكن، لكنه يحتاج، قبل التكنولوجيا والمال والخطط، إلى شيء أبسط وأصعب في آنٍ معًا: أن تصلح النوايا. أن تختفي الكيديات، وأن تتوحّد الجهود، وأن تتراجع الحسابات الصغيرة، وأن نتجاوز تلك الطفوليات والشخصنات المتأخرة التي أصابت البعض بأعراض «سنّ اليأس السياسي»، رجالًا ونساءً. قيل الكثير في الأزمة الأخيرة التي ضربت المدينة. وقد وجد فيها الجميع مناسبة ليدلي بدلوه، ويتحف الناس بآرائه وحلوله وعبقرياته، حتى بدا أحيانًا أن عدد خبراء النفايات في صيدا يفوق عدد الأكياس على المكبات. لكن للأزمة فضيلة واحدة على الأقل: أنها نزعت عن كثيرين «أوراق التين». عرّتنا. كشفتنا أمام أنفسنا قبل الآخرين. فالإنسان قادر على إقناع نفسه بأنه يدافع عن قضية، بينما هو في الحقيقة يدافع عن ضغينته. قادر على أن يتحدث باسم مصلحة الناس، فيما كل ما يريده هو أن يفشل خصومه. قادر على أن يفرح بسقوط المدينة إذا كان خصمه واقفًا على سطحها. أظهرت الأزمة أن تحت طبقات الكلام عن المصلحة العامة والمدينة وأهلها، تختزن بعض النفوس مقدارًا مذهلًا من الكراهية تجاه «الآخر»، أيّ آخر. فالمعامل يمكن إصلاحها، والعقود يمكن تعديلها، والأموال يمكن تأمينها، والتقنيات يمكن تطويرها، والنفايات يمكن فرزها ومعالجتها. أما الكراهية، فلا يوجد لها معمل فرز، ولا يوجد مكبّ يمكن أن ندفنها فيه، ولا آلة تستطيع أن تحوّلها إلى طاقة. تلك لا يعالجها إلا شيء واحد: الحب. نعم. لعل أكثر ما تحتاج إليه صيدا اليوم ليس مشروعًا جديدًا ولا بيانًا إضافيًا ولا اجتماعًا آخر، بل قليلًا من الحب بين أبنائها، وبين مسؤوليها، وبين القوى التي تتنازعها كأنها غنيمة، فيما المدينة نفسها تذبل يومًا بعد يوم وتتفلّت من بين أيدينا أكثر فأكثر. زار صيدا هذا الصيف، رغم الحرب والظروف الصعبة، الآلاف من أبنائها المغتربين. عادوا إلى الأهل والأصدقاء، والحنين إلى الفول والمناقيش، إلى “الزيرة” والبحر، وإلى الشوارع والذكريات والمقاهي واللقاءات. جميل. ماذا بعد؟ لا شيء. كلٌ يدّعي حب المدينة. والجميع يتحدث عنها بحنين. لكن عندما يصبح الحب فعلًا، واستثمارًا، ومبادرة، وتقديمًا للخبرة أو المال أو العلاقات أو الوقت، يتراجع الحماس، ثم ينزوي… وكأن المدينة تصلح للحنين، ولا تصلح للمشاركة. والحب، حين يبقى حنينًا، يصبح نوعًا لطيفًا من الأنانية. الأكثر إيلامًا أن من يريد أن يقدّم شيئًا لها، كثيرًا ما يجد أمامه بيئة ممزقة، وكيانات وزعامات شاخت ولا تزال تتناحر، وحساسيات صغيرة، وأبوابًا يحرسها الشك بدل أن تفتحها الثقة. هكذا تبقى المدينة عالقة في دائرة مغلقة: كلنا نحبها، وكلنا نشكوها، وكلنا نطالب بإنقاذها، لكن قلّة فقط مستعدة لأن تدفع من وقتها ومصالحها وراحتها ثمن هذا الإنقاذ. ربما آن الأوان أن نفهم أن المشكلة لم تعد في القمامة وحدها. القمامة التي تملأ الشوارع يمكن رفعها، لكن ماذا عن القمامة التي تراكمت في النفوس والعقول؟ آن الأوان، قبل كل شيء، أن يخرج الصيداوي من القمقم الذي حبس نفسه داخله طويلًا: قمقم التبعية العمياء، والمصلحة والعائلة، والزعامة القدرية، والحسابات الضيقة، والخلافات السخيفة المتجددة… المدينة، وإن قزّموها، أكبر من كل هؤلاء، وأطول عمرًا من خصوماتهم. المشكلة لم تكن يومًا في النفايات وحدها. كانت دومًا في الإنسان الذي يقف أمامها، يشير إليها بإصبعه ولا يرى نفسه وهو يكدسها.