يعتزم عددٌ من رجال الأعمال من خارج مدينة صيدا الانتهاء سريعًا من وضع المخططات التفصيلية لتشييد مجمّع تجاري ضخم على قطعة أرض كبيرة جرى شراؤها في الجهة الجنوبية من المدينة قبل فترة قريبة، بأكثر من 4 ملايين دولار أميركي. وبحسب المعلومات المتقاطعة، فإن المجمع سيضم مبنيين ضخمين، لا مبنى واحدًا، وسيتألف من أكثر من أربعة طوابق، سيُخصَّص القسم السفلي منها كمول تجاري يضم محالّ ومطاعم، أما القسم العلوي فسيُخصَّص للمكاتب والشركات، التي يُتوقَّع أن تضم مجموعة من رجال الأعمال «الجنوبيين» الذين قرروا عدم العودة إلى كلٍّ من صور والنبطية، مهما تكن النتائج التي ستفضي إليها الاتفاقيات مع العدو الإسرائيلي.
ليست الدولة مشروعًا لإدارة السلطة فحسب، بل هي فنُّ إدارة التوازنات. وكلما ازداد الوطن تنوعًا، ازدادت حاجته إلى رجال دولة يدركون أن الحكمة ليست في الانحياز إلى طرف، وإنما في الانتصار للوطن. تلك كانت المدرسة التي جسّدها الرئيس الشهيد رفيق الحريري؛ مدرسة تؤمن بأن الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالثقة، ولا تُحفظ بالقطيعة، بل بحسن إدارة العلاقات. كان يدرك أن لبنان ليس جزيرةً معزولة عن محيطه، وأن الجغرافيا ليست خطوطًا على الخرائط، بل قدرٌ سياسي وتاريخي. ومن هنا، فإن سورية لم تكن في نظره مجرد دولة مجاورة، بل عمقًا استراتيجيًا يرتبط بلبنان بروابط التاريخ والاقتصاد والمجتمع، كما يرتبط النهر بمنابعه. غير أن هذا الإدراك لم يكن يومًا على حساب استقلال لبنان أو سيادة قراره. السياسة الرشيدة فالسياسة الرشيدة لا تعرف التناقض بين السيادة والعلاقات الأخوية، بل تجعل من احترام السيادة أساسًا لعلاقات أكثر متانة. ولذلك، فإن المعادلة التي وضعها الرئيس رفيق الحريري، والتي تعبّر عن فلسفة الدولة، هي: لبنان لا يُحكم من سورية، ولا يُحكم ضد سورية. فأن يُحكم لبنان من خارج حدوده يعني انتقاصًا من سيادته، وأن يُبنى حكمه على معاداة سورية يعني تجاهلًا لحقائق الجغرافيا والتاريخ ومصالح الشعبين. أما الطريق الثالث، فهو طريق الدولة الواثقة بنفسها؛ الدولة التي تمتلك قرارها الحر، وتبني، في الوقت نفسه، أفضل العلاقات مع محيطها العربي على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. فرض الاحترام لقد كان رفيق الحريري يؤمن بأن الدولة القوية ليست تلك التي ترفع صوتها في وجه الجميع، بل تلك التي تجعل الجميع يحترمونها. فالاحترام لا يُنتزع بالخصومة، وإنما يُكتسب بقوة المؤسسات، وعدالة القانون، ووضوح الرؤية، وثبات القرار. في الفلسفة السياسية، لا يعيش الوطن بين خيارين متطرفين: التبعية أو العداء. فالتبعية تُضعف الإرادة الوطنية، والعداء الدائم يُقفل أبواب المستقبل. أما الاعتدال، فهو فضيلة الدول الكبرى، لأنه يجعل من الحوار أداةً لحل النزاعات، ومن المصالح المشتركة جسرًا للاستقرار. إن لبنان، بحكم رسالته، لا يستطيع أن يكون خندقًا في مواجهة أشقائه، ولا ساحةً يُدار فيها صراع الآخرين. رسالته أن يكون مساحة لقاء، وجسر تواصل، ونموذجًا لدولة عربية حرة، مستقلة، منفتحة على الجميع، ومتمسكة، في الوقت نفسه، بسيادتها الكاملة. skip render: ucaddon_material_block_quote ميزان اليوم وهذا هو الميزان الذي تحتاجه الجمهورية اليوم: سيادة لا تعرف المساومة، وعلاقات لا تعرف القطيعة، وانتماء عربي لا يتعارض مع استقلال القرار الوطني. فالأوطان لا تقوى بعزل نفسها عن محيطها، ولا تضعف حين تمد جسور التعاون من موقع الندّية والاحترام. إن إرث رفيق الحريري لم يكن مشروع إعمار للحجر فحسب، بل مشروع إعمار للعقل السياسي اللبناني؛ عقلٍ يؤمن بأن الدولة تُقاس بقدرتها على الجمع بين الثوابت والمتغيرات، وبين الكرامة الوطنية وحكمة الانفتاح، وبين استقلال القرار وحسن الجوار. وعندما ينجح لبنان في ترسيخ هذه المعادلة، يصبح أكثر قوة في الداخل، وأكثر احترامًا في الخارج، ويؤكد أن سيادته لا تُبنى على الخصومة، كما أن علاقاته لا تقوم على التبعية، بل على ميزان دقيق عنوانه: لبنان سيدٌ في قراره، عربيٌّ في انتمائه، وسورية تبقى عمقه الاستراتيجي الذي تُبنى العلاقة معها على الاحترام المتبادل، والمصلحة المشتركة، وسيادة الدولتين. الاعتدال ليس ضعفًا؛ إنه قدرة الدولة على حماية سيادتها من دون أن تحرق جسورها وفي هذا السياق، يقرأ كثيرون في مواقف الرئيس أحمد الشرع توجّهًا يقوم على التأكيد أن استقرار سورية ولبنان لا يتحقق إلا من خلال علاقة متوازنة بين دولتين سيدتين، تحكمها المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وقد عكست تصريحاته ومواقفه الداعية إلى احترام الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، رؤيةً تنسجم مع الفلسفة التي طالما دعت إلى أن تكون العلاقة بين البلدين علاقة تعاون لا تبعية، وشراكة لا وصاية. من هذا المنطلق، تبدو المقاربة التي تقوم على أن لبنان لا يُحكم من سورية، ولا يُحكم ضد سورية، أكثر قدرةً على استيعاب التحولات التي تشهدها المنطقة. فهي لا تنكر أن سورية تمثل عمقًا استراتيجيًا للبنان، ولا تتهاون، في الوقت نفسه، مع حق اللبنانيين في أن يكون قرارهم الوطني نابعًا من مؤسساتهم الدستورية وإرادتهم الحرة. skip render: ucaddon_box_testimonial
لم يَعُدِ السؤال في لبنان: كيف ستُعاد الودائع؟ بل كيف سيُشرعَن اقتطاعها؟ فالخطة المسرَّبة المنسوبة إلى مصرف لبنان، والتي جرى تداولها بين المصارف، لا تبدو مشروعًا لإعادة الثقة بالقطاع المالي، بقدر ما تبدو محاولة لإضفاء الشرعية القانونية على أكبر عملية نقل للخسائر من الدولة والمصارف إلى المودعين. إذا صحَّت البنود المتداولة، فإنها تعني، ببساطة، شطب نحو 21 مليار دولار من الودائع، وتقسيط أول مئة ألف دولار على سبع سنوات، فيما تتحول الأموال التي تزيد على ذلك إلى سندات تمتد آجالها بين عشرين وثلاثين عامًا. أي إن صاحب الوديعة لن يسترد أمواله، بل سيحصل على وعد طويل الأجل، قد لا يعيش هو نفسه حتى يرى نهايته. الانهيار مرّتان المفارقة أن الدولة التي أخفقت في حماية النظام المصرفي، والمصارف التي راكمت الأرباح لعقود من الهندسات المالية والفوائد الخيالية، لا تتحملان العبء الأكبر في الخطة، بل يُطلب من المودع أن يدفع ثمن الانهيار مرتين: مرة عندما حُجزت أمواله، ومرة عندما يُطلب منه اليوم القبول بإطفاء جزء منها، وتحويل الجزء الآخر إلى أوراق مالية طويلة الأجل. هذا ليس برنامجًا لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، بل إعادة هيكلة لحقوق الملكية نفسها. فالوديعة، التي يُفترض أنها دَين مستحق وفوري على المصرف، تتحول إلى استثمار قسري طويل الأمد، من دون أن يكون للمودع حق الاختيار. إنها مصادرة مقنَّعة بلغة مالية وقانونية. الأخطر أن هذه المقاربة تهدد ما تبقى من ثقة بلبنان، دولةً واقتصادًا. فمن سيودع دولارًا واحدًا في أي مصرف لبناني، إذا كانت السابقة القانونية ستقول إن الوديعة يمكن أن تتحول، بقرار إداري، إلى سند يمتد ثلاثين عامًا؟ إن القطاع المصرفي لا يقوم على الأبنية الفخمة، ولا على رساميل المساهمين وحدها، بل على الثقة، والثقة لا تُستعاد بفرض الخسائر على الضحية. skip render: ucaddon_material_block_quote العدالة الانتقائية اقتصاديًا، قد يجادل البعض بأن توزيع الخسائر أمر لا مفر منه، وأن حجم الفجوة المالية يجعل من المستحيل إعادة كل الودائع نقدًا. هذا صحيح جزئيًا، لكنه لا يبرر أن تكون العدالة انتقائية. فالمبدأ العالمي في الأزمات المالية هو تحميل الخسائر وفق تسلسل واضح يبدأ بالمساهمين، ثم أصحاب الرساميل، ثم الجهات التي استفادت من المخاطر، لا أن يبدأ بالمودع الذي لم يكن شريكًا في القرار المالي، ولا في السياسات النقدية التي أوصلت البلاد إلى الانهيار. أما سياسيًا، فإن الخطة تعكس استمرار النهج نفسه الذي حكم لبنان منذ عام 2019: شراء الوقت بدلًا من معالجة الأسباب. فلا إصلاحات جذرية، ولا محاسبة للمسؤولين عن الانهيار، ولا رؤية اقتصادية تعيد تكوين الثروة، بل مجرد إعادة توزيع للخسائر تحت مسميات تقنية. والأكثر إثارة للقلق أن تحويل الودائع إلى سندات طويلة الأجل يربط مصير أموال اللبنانيين بمستقبل دولة تعاني أصلًا من مديونية مرتفعة، وعجز مالي مزمن، وأزمات سياسية متكررة. أي إن المودع لن يتحمل مخاطر المصرف فحسب، بل أيضًا مخاطر الدولة لعقود مقبلة. قد ينجح هذا الطرح في تخفيف الضغط الآني عن المصارف، لكنه لن يعيد الثقة، ولن يجذب استثمارات، ولن يعيد لبنان إلى الخريطة المالية. فالاقتصادات لا تنهض بإعادة تعريف حقوق المودعين، بل بإعادة تعريف مسؤولية الدولة، ومحاسبة مَن تسبب بالانهيار. من سيضع دولارًا في مصرف يعرف أن وديعته قد تتحول بقرار إلى وعد يمتد ثلاثين عامًا skip render: ucaddon_box_testimonial