بعد أن ابتعدت الكاميرات، وانطفأت الشاشات، وغابت الهواتف والميكروفونات، ظهر السؤال الذي لم يجد له أحد جوابًا حتى اليوم: من سيدفع فاتورة الغداء؟ فقد علمت «البوست» من مصادر محلية مطلعة أن فضيحة إدارية وأخلاقية جديدة تلاحق أداء بلدية صيدا، بعدما بقيت فاتورة غداء أكثر من 80 شخصًا معلّقة، رغم أن البلدية كانت قد تكفلت بتغطية تكاليفها خلال زيارة وفد حلّ ضيفًا على المدينة قبل نحو أسبوعين. المشهد كان مكتملًا يومها: استقبال، ابتسامات، صور، جولة في المدينة القديمة، أحاديث عن عبق التاريخ وحسن الضيافة… ثم عاد الجميع إلى منازلهم، الجميع تقريبًا، أما صاحب المطعم الصيداوي، فبقي أمام فاتورته ينتظر. وبحسب المعلومات، تجاوزت قيمة الحساب 3000 دولار أميركي، فيما لم يتقاضَ حتى الآن سوى نحو 1000 دولار فقط. القصة، في ظاهرها، فاتورة مطعم. لكنها في جوهرها تكشف مرة أخرى حجم الارتباك في إدارة أبسط التفاصيل داخل هذه البلدية. فملف لا يحتاج أكثر من قرار واضح وتسديد حساب تحوّل، بفعل المناكفات الداخلية وسوء التنسيق، إلى مشكلة جديدة تضاف إلى سجل بلدية تعاني أصلًا من أزمات أكبر بكثير.
الموت الذي يتهدّد المشرق ليس موتًا جسديًا فحسب، بل انحسار قدرته على أن يبقى فضاءً للتنوّع والعيش المشترك؛ حين يصبح الاختلاف مصدر ريبة، والآخر خصمًا، والوطن ساحةً، والسياسة وجهًا آخر للصراع. في مواجهة هذا المسار، تطرح المشرقية الجديدة أفقًا يعيد وصل الدولة بالمجتمع والمحيط: مؤسسات تصون الجميع، وتنوّع يتحوّل إلى ثراء، وحوار يضبط التناقضات، واقتصاد ينشئ المصالح المتبادلة بدل أن يكرّس الخصومات. وليست هذه دعوة إلى اصطفاف جديد، ولا محاولة لصهر الخصوصيات، بل إلى صيغة يستعيد فيها المشرق قدرته على النهوض من داخل تعدّده. لبنان الامتحان وفي قلب هذا الامتحان يأتي لبنان. فهو ليس مجرد مساحة صغيرة على خريطة المنطقة، بل اختبار مكثّف لسؤالها الأكبر: هل يمكن للتنوّع أن يكون مصدر اقتدار؟ وهل تستطيع العروبة أن تشكّل إطارًا جامعًا من دون إلغاء الخصوصيات؟ وهل يملك لبنان أن يكون مساحةً للتلاقي بدل أن يبقى مسرحًا لصراعات الآخرين؟ من هنا تستمدّ تجربة رفيق الحريري قيمتها الراهنة. فقد انطلق من بناء المؤسسات، وترميم الثقة، وتنشيط الاقتصاد، وتثبيت الصلات العربية والدولية، وتحويل تعدّد لبنان وموقعه الجغرافي إلى عناصر نفوذ وحيوية. وفي صلب هذا النهج معادلة واضحة: الدولة قبل الساحة، والتفاهم قبل القطيعة، والتنمية سندًا للاستقرار، والعروبة انفتاحًا لا إلغاء. مسار عملي أما تحويل هذه المبادئ إلى واقع لبناني، فيمر عبر مسار عملي: مؤسسات فاعلة تمسك بقرارها، وانتظام دستوري يحفظ التوازن، وإصلاح مالي يصون حقوق الناس ويعيد المصداقية، واقتصاد منتج يطلق طاقات البلاد واغترابها، وإدارة تقوم على الجدارة والمحاسبة، وصلات خارجية متوازنة تحكمها السيادة والمصلحة الوطنية. والأهم أن يصبح التنوّع مصدر طمأنينة، لا مادةً للقلق؛ فالمؤسسات تحمي الإنسان من الخوف، ولا تجعل الجماعات أسيرة هواجسها. skip render: ucaddon_material_block_quote نهضة مشتركة لا يستطيع لبنان أن يصنع عافيته منفردًا. فالنهضة المشرقية تحتاج إلى حكومات تستعيد زمام قرارها، ومجتمعات تحمي تعدديتها، ومصالح اقتصادية تتشابك، وقيادات تملك شجاعة التفاهم قبل أن تأتي التسويات تحت ضغط الانهيار. عندها يغادر لبنان موقع المتلقّي لتداعيات محيطه، ويتقدّم شريكًا في رسم اتجاهاته. هنا تتقدّم مسؤولية تيار المستقبل. ليس بوصفه امتدادًا تنظيميًا لزمن مضى، بل باعتباره حاملًا لمدرسة سياسية ما زالت الحاجة إليها قائمة: وطن عربي منفتح، ودولة تتّسع لكل أبنائها، وتعدّد لا ينزلق إلى الاحتراب، واقتصاد متصل بعمقه العربي والعالم. تجديد المعنى المطلوب ليس استنساخ التجربة، بل تجديد معناها بما يلائم المرحلة؛ مخاطبة اللبنانيين بعقل الثقة لا بمنطق الخوف، وإعدادهم للخيارات المصيرية، وتحويل الخبرة المتراكمة إلى برنامج وطني واضح وقابل للتنفيذ. فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج، بل إلى نضج في القرار. فالقرارات لا تكون برفع الصوت ولا الإصبع، بل برفع الإحساس بالمسؤولية. وما يطلبه لبنان اليوم هو سياسة المبادرة، وصناعة التفاهم، واسترداد الثقة، بدل الارتهان لردود الفعل. لبنان ليس هامش المشرق… بل أحد أكثر اختباراته قسوة سياسة المبادرة بهذا المعنى، يستطيع تيار المستقبل أن يساهم في فتح مسار جديد: لبنان في عمقه العربي لا على هامشه، منفتح من دون ذوبان، متنوّع من دون خوف، مستقل من دون عزلة، وقادر على تحويل موقعه إلى قيمة سياسية واقتصادية. ليست القضية استعادة زمن مضى، بل استكمال طريق لم يكتمل؛ أن ينتقل لبنان من التأثّر الدائم بما يجري حوله إلى الإسهام في تحديد ملامح الغد. skip render: ucaddon_box_testimonial
علمت صحيفة «البوست» من مصادر اقتصادية مطّلعة أن وفدًا من الخبراء والباحثين الأكاديميين في الجامعة الأميركية في بيروت زار مدينة صيدا خلال الأيام الماضية، بطلب وتوجيه من وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، في خطوة تهدف إلى استكشاف واقع المدينة الاقتصادي وسبل تحريك عجلتها الإنتاجية. وبحسب المعلومات، عقد الوفد، بعيدًا عن الأضواء، سلسلة لقاءات مع عدد من الشخصيات والفاعليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في صيدا، في إطار إعداد تقييم ميداني ومسح شامل للواقع الاقتصادي والمعيشي في المدينة، يشمل عددًا من القطاعات الحيوية والإنتاجية. وتؤكد مصادر متقاطعة أن المهمة لا تقتصر على تشخيص المشكلات، بل تتعداها إلى البحث في سبل النهوض بالقطاعات الواعدة، وتقديم الاستشارات المتخصصة، وتحديد حاجاتها من الدعم المادي واللوجستي بما يساهم في إعادة تحريك الدورة الاقتصادية وخلق فرص حقيقية للنمو. وأبدى الوفد، بحسب المصادر، اهتمامًا لافتًا بالقطاع الصناعي، إلى جانب تربية الدواجن والقطاعات الزراعية، بوصفها من المجالات التي يمكن البناء عليها وتطويرها، ولا سيما إذا توافرت لها خطط عملية وتمويل مناسب وبيئة داعمة للاستثمار والإنتاج. ويبقى الرهان على أن تخرج هذه الحركة من إطار الدراسات والتوصيات إلى التنفيذ الفعلي، وألّا تنتهي بإضافة أوراق جديدة إلى عشرات الدراسات التي سبق أن أُعدّت عن صيدا ثم بقيت حبيسة الأدراج. فالمدينة، في ظل الواقع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه، لم تعد تحتاج إلى مزيد من تشخيص أزماتها بقدر ما تحتاج إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، واستثمارات منتجة، وخطوات تُحدث فرقًا ملموسًا في دورة اقتصادية أنهكها الركود والتراجع.