يقول الله تعالى: «لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ»، ويقول: «وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ». ليست المسألة هنا خطيئةً ارتكبها الإنسان بيده فقط، بل أثرٌ تركه في الآخرين، ثم مضى كأن الأمر انتهى. وهذه الفكرة، إذا وُضعت أمام الإعلام اللبناني، تصبح أكثر قسوة: ماذا لو لم تكن صحيفة الصحفي تحتوي فقط على ما كتبه، بل على ما فعله الآخرون بسبب ما كتب؟ في بلد تتحول فيه الكلمة سريعًا إلى موقف سياسي أو طائفي أو اجتماعي، لا تنتهي مسؤولية الخبر عند لحظة نشره. خبر غير موثّق قد يتحول إلى شائعة، والشائعة إلى قناعة، والقناعة إلى عداء، والعداء إلى فعل. عندها يصبح السؤال الحقيقي ليس: من كتب الخبر؟ بل: كم شخصًا حمله بعد ذلك إلى مكان آخر؟ من خبر واحد إلى ألف خطيئة قد تبدأ الحكاية بعنوان مثير، أو معلومة لم تُدقَّق، أو صورة أُخرجت من سياقها، أو رواية مجهولة المصدر. ثم تتكاثر النسخ: موقع ينقل، وصفحة تقتبس، وحساب يعيد النشر، وجمهور يحوّل الرواية إلى «حقيقة» لمجرد أنها تكررت. وهنا تكمن خطورة الإعلام في عصر المنصات: الكلمة لم تعد تسافر وحدها؛ إنها تتكاثر. ولذلك، فإن الصحافة لا تستطيع أن تختبئ خلف عبارة «نحن نقلنا ما قيل». فالنقل نفسه فعل مهني، واختيار ما يُنقل، وكيف يُنقل، ومتى يُنشر، جزء من المسؤولية. ليس كل نقد تشهيرًا، وليس كل كشف تحريضًا، وليست كل جرأة مهنيةً. لكن حين تتحول الصحافة إلى مصنع للاتهام، أو تمنح الشائعة شرعية العنوان، فإنها لا تنقل الواقع؛ بل تصنع واقعًا جديدًا. skip render: ucaddon_material_block_quote لبنان وسلطة العنوان في المشهد اللبناني، حيث تتقاطع السياسة بالطائفة والحزب والمصلحة، يمكن للعنوان أن يكون أقوى من التفاصيل. قد يقرأ الجمهور عشرة أسطر من التوضيح، لكنه يتذكر كلمتين في أعلى الصفحة. وهنا تصبح الصحافة شريكةً في تشكيل الوعي العام، لا مجرد مرآة له. يقول القرآن: «وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ». وفي عالم الإعلام، الآثار واضحة: سمعة تُهدم، وخصومة تُشعل، وخوف يُزرع، وانقسام يتعمق. وقد لا يعرف الصحفي أبدًا إلى أين وصلت كلمته، ولا من تأثر بها، ولا ماذا فعل بها بعد أن غادرت شاشته. التفاعل بديلًا من الحقيقة المأزق الأكبر أن الإعلام دخل اقتصادًا يكافئ الغضب أكثر مما يكافئ الدقة. العنوان الصادم يجذب، والمحتوى المستفز ينتشر، والانتشار يوحي بالأهمية، ثم تختلط الأهمية بالحقيقة. لكن انتشار الخبر ليس دليلًا على صحته، وتكراره لا يمنحه شرعية. قد يكون وراء خمسين صفحة مصدر واحد فقط؛ والباقي ليس خمسين حقيقة، بل خمسين صدى. وهنا تحديدًا تحتاج الصحافة اللبنانية إلى استعادة السؤال الذي يبدو قديمًا، لكنه صار أكثر إلحاحًا: هل نحن ننقل ما حدث، أم نصنع ما سيحدث؟ الصحيفة التي لا تُغلق الصحفي يستطيع حذف مادة، والمؤسسة تستطيع تصحيح خبر، والصفحة تستطيع الانتقال إلى قصة أخرى. لكن أثر الكلمة لا يخضع دائمًا لزر الحذف. لذلك، فإن «القول السديد» ليس دعوة إلى صحافة ناعمة أو خائفة، بل إلى صحافة تعرف ثمن قوتها. فالصحافة التي تواجه السلطة بالحقيقة تؤدي وظيفتها، أما الصحافة التي تصنع الحقيقة من الشائعة فتستخدم سلطتها ضد المجتمع. وفي النهاية، قد تُغلق الصحيفة، ويختفي الموقع، وتُطوى الصفحة، لكن الكلمة التي خرجت إلى الناس قد تواصل حياتها بعيدًا عن صاحبها. الكلمة لم تعد تسافر وحدها؛ إنها تتكاثر وهنا تكمن المسألة كلها: قد لا تكون المشكلة في ما كتبناه في الصحيفة، بل في ما كتبناه بالصحيفة داخل الناس. فالكلمة التي نطلقها اليوم قد تصبح غدًا موقفًا عند شخص آخر، وسلوكًا عند ثالث، وأثرًا لا نعرفه إلا حين لا يعود ممكنًا محوه. سلامٌ على الصحافة حين تجعل الحقيقة أثقل من السبق، وعلى الكلمة حين تعرف أن لها حسابًا يتجاوز عدد القراءات.
skip render: ucaddon_box_testimonial هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للرأسمالية الرقمية. فالخوارزمية ليست آلة بريئة تقف خارج المجتمع، ولا مجرد أداة تساعد الصحفي على الوصول إلى جمهوره. إنها جزء من بنية اقتصادية جديدة أعادت تعريف العلاقة بين المعرفة والسوق والإنسان. لم تعد الأخبار وحدها قابلة للتحويل إلى قيمة، فقد دخل الوقت البشري، والسلوك، والبيانات، والتفاعل في دورة إنتاج اقتصادية واسعة. الاقتصاد الخفي كان ماركس يتحدث عن العامل الذي يبيع قوة عمله في المصنع. أما اليوم، فقد انتقل المصنع إلى جيوبنا وشاشاتنا. نحن ننتج البيانات ونحن نقرأ، ونكشف عاداتنا ونحن نظن أننا نستهلك. كل نقرة، وكل إعجاب، وكل توقف أمام صورة، وكل ثانية إضافية أمام فيديو، تدخل في اقتصاد خفي يحوّل السلوك الإنساني إلى مورد قابل للاستخراج. هنا يظهر فائض القيمة في ثوبه الرقمي. الصحفي ينتج القصة، والمؤسسة تنتج المحتوى، والجمهور ينتج التفاعل والبيانات، والمنصة تملك البنية التي تجمع كل ذلك وتحوله إلى قيمة اقتصادية. لكن القيمة لا تتوقف عند أجر الصحفي أو ثمن الإعلان؛ إنها تمتد إلى منظومة كاملة تستثمر في الوقت البشري وتعيد توزيعه وفق منطق السوق. ولنأخذ مشهدًا بسيطًا من غرفة أخبار افتراضية. يعمل صحفي لأسابيع على تحقيق حول تلوث مياه منطقة فقيرة. يجمع الوثائق، ويقابل السكان، ويراجع التقارير، ويتتبع مسؤولية الشركات والجهات الرسمية. ينشر التحقيق بعنوان هادئ ودقيق، لأن القضية معقدة ولا تحتمل الإثارة. في اليوم نفسه، تنشر المنصة خبرًا قصيرًا عن فضيحة أحد المشاهير، بعنوان صادم وصورة جذابة. بعد ساعات، يحصد الخبر الخفيف مئات الآلاف من المشاهدات، بينما يبقى التحقيق الذي قد يؤثر في حياة آلاف الناس في الهامش. ماذا يحدث بعد ذلك؟ لا تحتاج إدارة التحرير إلى إصدار أمر مباشر. تكفي الأرقام. يبدأ الصحفي، في المرة التالية، بالتفكير في العنوان، ثم الصورة، ثم طول النص، ثم الكلمات التي يبحث عنها الجمهور. وبعد فترة، يتغير السؤال من: «ما القضية التي تستحق التحقيق؟» إلى: «ما القضية التي يمكن أن تحقق انتشارًا؟» الاغتراب الفكري هنا لا تكون الخوارزمية قد منعت التحقيق. لقد فعلت شيئًا أكثر عمقًا: غيّرت شروط إنتاجه قبل أن يُكتب. وهنا يبدأ الاغتراب. فالصحفي ينتج المادة، لكنه لا يملك مصيرها. يكتب القصة، لكن الخوارزمية تحدد مدى رؤيتها. ينتج المعرفة، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى تعديلها كي تتوافق مع شروط المنصة. ومع الوقت، لا يعود يكتب فقط عما يراه مهمًّا، بل عما يعرف مسبقًا أن النظام سيكافئه. وهذه هي القوة الأكثر نعومة في الهيمنة: ألا تحتاج إلى إجبارك على الطاعة، بل أن تجعلك تتعلم قواعدها بنفسك. إنها هيمنة لا ترتدي الزي الرسمي للسلطة. لا تصدر مرسومًا ولا ترفع عصًا. إنها تعمل من خلال الحوافز والأرقام والترتيب والظهور والاختفاء. تمنحك مكافأة حين تقترب من منطقها، وتحرمك من الجمهور حين تبتعد عنه. الفوقية الرقمية بذلك تتحول الخوارزمية إلى جزء من الفوقية التي تعيد إنتاج البنية الاقتصادية داخل الوعي والثقافة والإعلام. فالمنصة لا تكتفي بتوزيع الأخبار، إنها تشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تحديد ما يراه المجتمع، وما يختفي عنه، وما يصبح موضوعًا عامًا وما يبقى هامشيًّا. وهنا يبلغ التشيؤ ذروته. القصة تصبح رقمًا، والقارئ يصبح بيانات، والصحفي يصبح «منتج محتوى»، والجمهور يتحول إلى مؤشرات أداء. يتحول الإنسان من غاية للمعرفة إلى مادة في دورة إنتاجها. ثم يأتي الذكاء الاصطناعي ليضع السؤال أمام الصحافة بصورة أكثر قسوة. فالتحقيق الذي يستغرق أسابيع من العمل، والمقابلات التي تحتاج إلى وقت، والوثائق التي يجمعها الصحفي، والمعرفة التي تراكمها غرف الأخبار، يمكن أن تتحول كلها إلى مادة خام لأنظمة قادرة على إعادة تركيبها في إجابات سريعة. لم يعد الأمر متعلقًا باستغلال قوة العمل وحدها، بل باستخراج القيمة من التراكم المعرفي للمجتمع كله. ومع ذلك، ليست المشكلة في الآلة. المشكلة في علاقات القوة التي تحكم الآلة. السؤال الحقيقي ليس: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الصحفي؟ بل: من يملك البنية التحتية التي ستحدد كيف تُنتج المعرفة، وكيف تُوزع، ومن يحصل على القيمة الناتجة عنها؟ فالخوارزمية تستطيع أن تعرف ما يجذب الجمهور، لكنها لا تستطيع أن تجعل الجذب معيارًا للحقيقة. تستطيع أن تتنبأ بما سنشاهده، لكنها لا تملك بالضرورة إجابة عن السؤال الأصعب: ما الذي يحتاج المجتمع إلى معرفته، حتى لو لم يرغب في مشاهدته؟ مصنع للنقرات هنا تستعيد الصحافة معناها. فالصحافة ليست مصنعًا للنقرات، ولا مزرعة للبيانات، ولا آلة لإبقاء العين معلّقة بالشاشة. إنها صراع على الحقيقة والذاكرة والمعنى. لذلك، فإن المعركة المقبلة ليست بين الإنسان والآلة، بل بين منطق السوق ومنطق المعرفة؛ بين صحافة تُقاس بقيمة ما تكشفه، ومنظومة تقيسها بقيمة ما تستطيع تحويله إلى عائد. لقد تغير المصنع، وتغير العامل، وتغيرت السلعة. لكن السؤال الماركسي القديم بقي في مكانه، أكثر توهجًا من أي وقت مضى: من يملك أدوات إنتاج المعرفة، يملك جزءًا من أدوات إنتاج الوعي. وفي عصر الخوارزميات، لم تعد المعركة على الخبر وحده. إنها معركة على من يملك حق تحديد ما يستحق أن يظهر، وما يمكن أن يختفي، وما الذي يدخل إلى الوعي العام وما الذي يبقى خارجه. ومن يملك هذه القدرة، لا يملك شاشة العرض فقط؛ بل يقترب من امتلاك بوابة الوعي نفسه.
في 11 آب الجاري، أقرّ مجلس النواب اللبناني، في جلسة تشريعية مثيرة للجدل، قانون الإعلام الجديد، بعد مخاض برلماني عسير ونقاشات دامت أكثر من 16 عاماً في اللجان النيابية المشتركة. جاء القانون الجديد ليحمل جملة من الإصلاحات الهيكلية والتحديثية الهامة التي طالبت بها المنظمات الدولية، حيث ألغى «محكمة المطبوعات» والمحاكم الاستثنائية لصالح قضاء مدني متخصص، وحظر تماماً محاكمة الصحافيين أمام المحكمة العسكرية، وأدخل الإعلام الإلكتروني والمنصات الرقمية ضمن إطار قانوني يحمي حرية التأسيس دون تراخيص مسبقة. لكن الصدمة الكبرى والانتكاسة الحقوقية التي فجّرت غضب المنظمات الحقوقية والإعلامية تمثّلتا في رفض البرلمان تعديل المادة 104 من القانون، إذ أصرّ المشرّع على إبقاء التجريم الجنائي وعقوبة السجن وحبس الصحافيين في حالات «النشر المتعمّد للمعلومات الكاذبة أو التشهير والقدح بحق المقامات ورؤساء الدول». وسجّلت جهات حقوقية وإعلامية، كما وزير الإعلام بول مرقص نفسه، اعتراضها الرسمي على بقاء بنود الحبس، واعداً بتقديم مشروع قانون معجّل مكرّر لإلغائها. من المستفيد؟ ويظهر أن المستفيد الأوحد من الإبقاء على عقوبة الحبس في قانون الإعلام الجديد لعام 2026 هو التحالف المالي-السياسي الحاكم و«كارتيل المصارف» وأركان السلطة الذين تسببوا في الانهيار الاقتصادي للبلاد. تدرك هذه المنظومة الشائخة أن بقاء عقوبة السجن، حتى وإن لم تُنفّذ بكثافة، يعمل كسيف مُسلط ومرعب يُحجّم الصحافة الاستقصائية الرقمية، ويمنع تتبّع الأصول والأموال المهرّبة، ويحمي الشخصيات السياسية والمصرفية من الملاحقة الشعبية والإعلامية. إنها محاولة تشريعية أخيرة لحماية الذات وتأمين الحصانة الجنائية لطبقة سياسية تخشى الحقيقة وتستعين بالزنزانة لمدّ عمر نفوذها. ففي الوقت الذي تسوّق فيه السلطة، على الدوام، ذريعة أن نقد الرموز الطائفية والدينية يهدد «السلم الأهلي ويثير الفتن المذهبية» في بلد متعدد ومفتت، يقول الواقع إن هذا الأمر يُستغل لمنع قيام صحافة استقصائية عابرة للاصطفافات المذهبية، كفيلة بتعرية صفقات المحاصصة المشتركة بين قادة الطوائف، حيث يغدو التجريم أداة لحفظ «ستاتيكو» النظام الطائفي. في واقع الأمر، فإن التشريعات اللبنانية تنطلق من فرضية مقلوبة ومخالفة للفقه الدولي، وهي أن الموظف العام والسياسي يتطلبان حماية قانونية وجنائية مفرطة ومشددة ضد النقد، عبر نصوص تحقير الرؤساء والمقامات. في حين أن المعايير الدولية ترى أن الشخصية العامة التي تدير الشأن العام يجب أن تكون أكثر سعة صدر وتحمّلاً للنقد والمكاشفة من المواطن العادي، كونها تتعامل مع أموال المجتمع وسياساته. skip render: ucaddon_material_block_quote الحكاية… من البداية لم يكن النص التشريعي الجزائي في تاريخ لبنان يوماً أداة محايدة لتنظيم حقل النشر أو لترتيب البيت الإعلامي، بل مثّل، على الدوام، مرآة صقيلة تعكس طبيعة الموازين السياسية والأمنية والطائفية المهيمنة في كل حقبة. إن الإبقاء على عقوبات السجن والتدابير السالبة للحرية بحق الصحافيين والمفكرين، كما تبدّى من المادتين الجدليتين 104 و105 في قانون الإعلام الجديد، يذكّر بتاريخ مديد من ممارسات شبيهة، لم يكن التجريم، في أيّ منها، هفوة تشريعية أو قصوراً تقنياً من المشرّع اللبناني، بل جرى تصميمه بعناية فائقة ليكون «هندسة واعية للخوف» تهدف إلى فرض الرقابة الذاتية وتطويق الأقلام الحرة. فتتبّع البنية الجنائية لقوانين الإعلام والصحافة عبر خمسة عهود تاريخية يظهر بوضوح كيف تبدّلت هوية «المستفيد الأول»، من سلطة المستعمر العسكري إلى النخب الإقطاعية والسياسية الناشئة بعد الاستقلال، مروراً بأجهزة الوصاية الاستخباراتية، وصولاً إلى كارتيل المصارف والزعامات المذهبية في العصر الراهن، حيث بقيت الزنزانة هي الثابت الوحيد والمشترك لحماية الامتيازات وحظر المساءلة. تأسيس رقابة العسكر بدأت المأسسة القانونية لقمع الكلمة في لبنان مع دخول الجيوش الفرنسية وإعلان دولة لبنان الكبير، حيث سارعت سلطة الانتداب إلى إصدار سلسلة من القرارات التنظيمية الصارمة عبر «المفوض السامي الفرنسي». تميّزت هذه المرحلة التشريعية بدمج مطلق بين القرار الإداري والعقوبة العسكرية؛ إذ منح المفوض السامي نفسه صلاحيات استثنائية كاملة تخوّله إغلاق الصحف، ومصادرة أعدادها، وسحب تراخيصها بقرار إداري مباشر، دون الحاجة إلى اللجوء إلى أي جهاز قضائي. وتضمنت القوانين الصادرة آنذاك مواد فضفاضة تجرّم أي كتابة أو نشر يُشمّ منه إثارة النعرات ضد دولة الانتداب، أو انتقاد جيوش الحلفاء، أو المساس بالهيبة الفرنسية. تضاعفت هذه الإجراءات مع اندلاع الحرب العالمية الثانية بين عامَي 1939 و1944، حيث فُرضت رقابة عسكرية مشددة، وشُطب المقال من المنبع بمقصّ الرقيب، وغدا سجن الصحافيين وتوقيفهم في قلاع عسكرية وسيلة مألوفة وعنيفة. وكان المستفيد الأوحد والمباشر من هذه البنية الجنائية الصارمة هو سلطة الانتداب الفرنسي ومشاريعها الاستعمارية في الشرق؛ فقد كانت فرنسا بحاجة ماسة إلى تهدئة الساحة اللبنانية، وضمان عدم تحوّل الصحافة إلى منبر وطني جامع يطالب بجلاء الجيوش والسيادة الكاملة. إن تجريم الكلمة وسجن أصحابها مكّنا الإدارة الفرنسية من عزل النخب الفكرية اللبنانية عن الجماهير، وحظر أي نقاش عمومي حول نهب الموارد الاقتصادية المحلية أو فرض الامتيازات الأجنبية، ما جعل القمع مادة حيوية لتثبيت شرعية الوجود الفرنسي الاستعماري وإطالة أمده بالحديد والنار والقانون. من الانتداب إلى الوصاية، ومن أمراء الطوائف إلى كارتيل المصارف، تغيّرت الوجوه وبقي تجريم الكلمة عهد الاستقلال والجمهورية الأولى (1943 – 1975): حصانة للنخب الحاكمة! مع نيل لبنان استقلاله، تطلعت الأوساط الثقافية إلى ولادة فجر تشريعي جديد يواكب البند الدستوري الذي كرّس حرية التعبير. إلا أن السلطة الوطنية الناشئة ورثت العقلية الرقابية ذاتها للمستعمر، وأعادت صياغتها في قوالب محلية. تُوّجت هذه المرحلة بصدور قانون المطبوعات في 14 أيلول 1962، والذي شكّل المرجعية القانونية الأساسية لقطاع الصحافة لعقود. وبدلاً من إلغاء نصوص الحبس، قام المشرّع اللبناني بتثبيتها وتوسيع نطاقها؛ فاستحدث مواد صارمة تجرّم القدح والذم والتحقير بحق رؤساء الدول والبعثات الدبلوماسية ومؤسسات الدولة الرسمية. حقبة الحرب الأهلية (1975 – 2000): عقوبات غير مسبوقة ومع اندلاع الحرب الأهلية وتآكل هيبة الدولة، صدر المرسوم الاشتراعي رقم 104 عام 1977 ليزيد المشهد قتامة؛ إذ شدّد العقوبات المادية والجسدية بشكل غير مسبوق، وأجاز صراحة التوقيف الاحتياطي للصحافيين، ومنح السلطة التنفيذية، ممثلة بوزارة الإعلام ومجلس الوزراء، حق التعطيل الإداري الفوري والتحفظي للمطبوعات قبل صدور أي حكم قضائي مبرم. في هذه الحقبة، انتقلت الاستفادة من تجريم الصحافة إلى النخبة الإقطاعية والسياسية اللبنانية الناشئة ورجال الحكم في الجمهورية الأولى. وظّف زعماء العائلات السياسية والطبقة الأوليغارشية الجديدة نصوص الذم والقدح كحصن منيع يمنع النقد أو الغوص في الفساد الإداري والمالي الذي رافق بناء مؤسسات الدولة. وصُمّمت العقوبات لمنع الصحافة الاستقصائية الوليدة من تفكيك شبكات الزبائنية والمحسوبية التي ارتكزت عليها الزعامات التقليدية، ما جعل من سجن الصحافي أداة لحفظ السلم الطبقي والسياسي لهذه النخبة، وإعادة إنتاج سلطتها التقليدية تحت غطاء حماية السمعة الشخصية ومقامات الدولة المعصومة. عهد الوصاية السورية (1990 – 2005): رقابة المخابرات عقب اتفاق الطائف ودخول لبنان حقبة السلم الأهلي الهش تحت ظلال النفوذ السوري، اتخذ قمع الصحافة بُعداً بنيوياً وأمنياً معقداً. تميّزت هذه المرحلة بوجود ازدواجية وتشوه تشريعي صارخ؛ فرغم إقرار تعديل قانوني بارز عام 1999 قضى نظرياً بإلغاء التوقيف الاحتياطي في جرائم