تنفتح الشاشة على اتساع موحش، اتساع لا يملك المشاهد أمامه سوى الصمت والامتثال لسطوة الصورة السينمائية التي تتجاوز مجرد سرد الحكاية البصرية إلى ملامسة الوجود الإنساني في أقصى تجلياته هشاشةً وعزلةً. يأتي فيلم «أحلام قطار» (Train Dreams)، المقتبس عن رواية الكاتب الأمريكي دينيس جونسون، كواحد من أكثر الأعمال السينمائية عمقًا وشاعريةً في الألفية الجديدة، مقدمًا مرثية سينمائية استثنائية عن الغرب الأمريكي في مطلع القرن العشرين من خلال سيرة حافلة بالصمت والأسى لعامل السكك الحديدية والحطاب روبرت غرينير، الذي يجسده الممثل جويل إجيرتون بأداء داخلي متقشف يقترب من التعبد الصوفي. إن هذا الفيلم لا يكتفي بإعادة قراءة التاريخ الرسمي للتوسع الإمبراطوري الأمريكي وبناء الدولة على أكتاف المقهورين، بل يحوله المخرج كلينت بنتلي إلى تأمل بكتلة الزمن، وإلى مساءلة نقدية جريئة لطبيعة الرأسمالية الوليدة وجشعها الذي لم يتوقف عن التهام الأرض والبشر، تاركًا خلفه ندوبًا روحية وبيئية لا تبرأ. بصمات تيرينس مالك يتجلى التأسيس الجمالي والأسلوبي لـ«أحلام قطار» عبر رافدين عظيمين من روافد السينما العالمية، حيث يبدو تأثر كلينت بنتلي بأسلوب المخرج الأمريكي الكبير تيرينس ماليك واضحًا ومهيمنًا منذ اللقطات الأولى. يتبنى الفيلم تلك الكاميرا الانسيابية، المتأملة، التي تتحرك برفق بين حفيف الأشجار وضباب الجبال الصخرية في أقصى الشمال الغربي لملامسة جلال الطبيعة. إن الطبيعة هنا، تمامًا كما في روائع ماليك مثل «أيام الجنة» أو «الخط الأحمر الرفيع»، ليست مجرد خلفية جغرافية تجري الأحداث أمامها، بل هي كائن حي، قوة ميتافيزيقية واعية، تمتلك لغتها الخاصة التي تتحدث عبر الضوء المنسل عبر الأغصان، وجريان المياه الشاهدة على الفناء البشري. هذا المد الرعوي الشاعري يتداخل فيه الحلم بالواقع، حيث اللقطات الطويلة المترددة التي تمنح المشاهد فرصة لتنفس المكان واختبار ثقل الزمن والوحدة الوجودية التي تلتف حول عنق البطل روبرت غرينير بعد فقده المأساوي لزوجته وابنته. skip render: ucaddon_material_block_quote نيران تاركوفسكي بالموازاة مع هذه الجمالية الماليكية، يستعير بنتلي روحية المعمار البصري والصوفي لدى المخرج الروسي الشهير والعملاق أندريه تاركوفسكي. يظهر هذا التأثر جليًا في كيفية التعامل مع العناصر الطبيعية الأربعة، وتحديدًا الماء والنار، بوصفها أدوات للتطهر العقابي أو الفجيعة الكونية. إن المشهد العظيم للحريق الكارثي الذي يلتهم الغابة ويدمر الكوخ المعزول، مقتلعًا عائلة غرينير من الوجود، يُدار بأسلوب تاركوفسكي خالص، حيث الكاميرا ترصد الكارثة ببطء وجنائزية، محولةً النار من حدث فيزيائي عابر إلى تجلٍّ لغضب الطبيعة واختلال التوازن الإنساني. هذا الإيقاع السينمائي المتمهل، والتركيز على الوجوه المتعبة الصامتة، واستنطاق الجماد والخراب، يعيد إلى الأذهان سينما التطهر والمكاشفة الروحية التي برع فيها المخرج الروسي، حيث تصبح تضاريس الأرض مرآة للخراب الداخلي الذي يعيشه الإنسان المطرود من جنته البدائية بفعل آلات الحداثة والجشع. سقوط حر بين هذين القطبين الأسلوبيين، يبرز التوظيف السياسي المعاصر لقضية التنوع العرقي في أمريكا، ليعيد قراءة الأيديولوجية التأسيسية التي بُنيت عليها الرأسمالية الأمريكية من خلال سلسلة من المواجهات العرقية الصادمة التي يمر بها البطل أو يشهد عليها. لا يقدم الفيلم هذه القضايا بشكل وعظي مباشر، بل يدمجها بذكاء شديد كجزء من بنية العنف التأسيسي للنظام الجديد الحاكم. يتمثل المشهد الأول في تلك الحادثة البشعة التي يتواطأ فيها عمال السكك الحديدية البيض، ومن بينهم غرينير بدافع الخوف السلبي، في رمي العامل الآسيوي من أعلى الجسر الخشبي الشاهق الذي يشيدونه وسط الجبال. إن رمي الصيني، المستجلب كعمالة رخيصة ومسحوقة لبناء شبكة المواصلات الرأسمالية، يختزل كيف تخلصت النخبة البيضاء تاريخيًا من فائض العمالة العرقية بعد استنزاف دمائهم. هذا السقوط الحر للجسد الآسيوي في الهاوية يظل يتردد كصوت ضمير معذب في خلفية الفيلم، مؤكدًا أن الحداثة الأمريكية والقطارات التي تعبر القارة لم تُسيَّر بالبخار، بل بدماء الملونين المنسيين والمنبوذين. انتقام تاريخي في سياق متصل، يأتي الخط الدرامي المتعلق بالانتقام الأسود كإدانة حادة لتوظيف الدين في شرعنة الجرائم الرأسمالية والعرقية. نتابع في الفيلم تلك الشخصية الملتفة بالهيبة الزائفة، شخصية المتدين المهووس بالكتاب المقدس، الذي لا يكف عن الوعظ والترتيل واقتباس الآيات ليبرر موقعه الأخلاقي المزعوم وسط هذا العالم القاسي. غير أن البنية السردية للفيلم تفكك هذا القناع بضراوة عندما يتضح في نهاية المطاف أن هذا المتدين المتشدد ليس سوى قاتل سادي ومجرم متسلسل، يختبئ خلف النصوص المقدسة ليمارس أبشع أنواع التنكيل بالآخرين. يأتي الانتقام الذي يمارسه الرجل الأسود ضد هذا القاتل المتستر بالدين ليمثل لحظة انفجار تاريخي طال انتظاره، إنه رد فعل عنيف على قرون من القمع الذي استخدم الصليب والنص الديني لتبرير العبودية والقتل. هذا الصدام لا يمثل تصفية حسابات فردية بقدر ما هو إشارة سياسية معاصرة شديدة الصراحة والجرأة تكشف زيف الخطاب الأخلاقي السائد وتبشر بانهيار الهيمنة البيضاء القائمة على النفاق الروحي والمادي. القطارات التي عبرت القارة لم تُسيَّر بالبخار وحده، بل بدماء الملوّنين والمنسيين لفتة نبيلة أما المعادل الإنساني الأكثر نبلًا في هذه الجغرافيا المعذبة، فيأتي من خلال علاقة روبرت غرينير بالهندي الأحمر، الذي يمثل الضحية التاريخية الكبرى لعملية الإبادة التأسيسية لأمريكا. يمتلئ هذا السطر البصري بكثير من الدفء والأسى المشترك، حيث يبدي هذا البديل الإنساني المنسحق كرمًا لا متناهيًا وتسامحًا يثير الدهشة، فيحن على البطل الأبيض الذي فقد كل شيء وهام في البرية كالمجانين. هذا الهندي الأحمر، رغم كل ما لحق بشعبه وأرضه من دمار ومحو على أيدي أسلاف غرينير، يظهر كحارس للقيم الكونية الأصيلة، يقدم العون للقاتل التاريخي في لحظة ضعفه الإنساني، في التفاتة سينمائية غاية في الرقة والتأثير تؤكد على كرم هذه الضحية التي ترفض النزول إلى مستوى وحشية الجلاد، بل تحنو عليه لتعلمه معنى التناغم مع الوجود الأخلاقي مجددًا. إنها مواجهة صامتة بين حضارتين: حضارة الآلة والجشع التي يمثلها غرينير رغمًا عنه، وحضارة الروح والأرض الكريمة التي يرفض الهندي الأحمر التخلي عنها حتى وهو يعيش في الهامش المطلق. تتقاطع هذه الخطوط السياسية والجمالية كلها لتصب في الرسالة الفلسفية والبيئية الكبرى التي يحملها الفيلم؛ وهي أن انتهاك الطبيعة وجشع الرأسمالية المتوحشة لا بد أن يرتد على الإنسان عاجلًا أم آجلًا وينتقم منه بلا رحمة. إن عمل روبرت غرينير ورفاقه يتلخص في قطع الأشجار الشاهقة، وتفجير الجبال الصخرية، وشق صمت الوديان البكر لوضع قضبان السكك الحديدية التي ترمز لتوغل الآلة الرأسمالية واغتصابها للمجال الطبيعي. هذا التدمير المنظم والممنهج للبيئة من أجل تحقيق الأرباح السريعة وتوسيع الإمبراطورية التجارية لا يمر دون عقاب كوني. الحريق الهائل الذي يأتي على الأخضر واليابس، والذي يبدد حياة البطل ويحرمه من عائلته، ليس سوى تجسيد مادي لانتقام الأرض ورد فعلها الدفاعي ضد الطعنات المتتالية التي يوجهها الإنسان المعاصر لجسدها. يتضح من خلال المعالجة السينمائية الفذة أن الطبيعة قادرة على استرداد توازنها بعنف مماثل، وأن جشع الإنسان الذي يظن نفسه سيدًا على الكون ينتهي به الأمر وحيدًا، عاريًا، ومحطمًا وسط الغابات التي حاول إخضاعها. skip render: ucaddon_box_testimonial
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial فأحيانًا لا يعود التاريخ إلينا مرتديًا بزّته العسكرية، ولا محمولًا على دبابة، ولا عبر صورة قديمة بالأبيض والأسود. أحيانًا يعود التاريخ في صورة منتج سينمائي، على شاشة ضخمة، محاطًا بالأضواء، وبملايين الدولارات، وبأبطال خارقين ينقذون العالم. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة. الاسرائيلي المثير في الفيلم الجديد «Spider-Man: Brand New Day»، يعود اسم آفي آراد ضمن قائمة المنتجين. وآراد ليس مجرد رجل يقف خلف كاميرا أو يشارك في تمويل فيلم. إنه أحد الأسماء المعروفة في صناعة «مارفل» و«سبايدرمان»، لكنه يحمل في سيرته فصلًا آخر سبق هوليوود بسنوات. فقد التحق آفي آراد بالجيش الإسرائيلي عام 1965، وشارك في حرب حزيران عام 1967، وأُصيب خلالها، قبل أن ينهي خدمته العسكرية عام 1968. أي إن الرجل الذي يشارك اليوم في صناعة عالم «سبايدرمان» السينمائي كان، قبل أن يصبح أحد رجال هوليوود، جنديًّا في الجيش الإسرائيلي خلال الحرب التي ما زالت المنطقة تعيش تداعياتها بعد قرابة ستة عقود. وهنا لا بدّ من التوقف. ليس لأن كل منتج شارك في جيش دولة ما يصبح تلقائيًّا مجرم حرب، فهذا استنتاج لا تسمح به الوقائع وحدها. وليس لأن كل من يدخل صالة السينما لمشاهدة «سبايدرمان» يصبح مؤيدًا للاحتلال، فهذا عبث لا يليق بالنقاش الجاد. لكن لأن التاريخ لا يختفي بمجرد أن ينتقل صاحبه من البزّة العسكرية إلى البدلة الأنيقة، ومن ساحة الحرب إلى استوديوهات هوليوود. الجندي لا يصبح شخصًا آخر لمجرد أن الكاميرا أصبحت في يده. هذه هي النقطة التي تحاول ثقافة الاستهلاك الحديثة دفنها تحت سيل الإعلانات والصور والنجوم. نحن أمام صناعة تستطيع أن تحوّل الحرب إلى فيلم، والدم إلى مشهد، والمأساة إلى قصة، والجندي إلى منتج، ثم تطلب من الجمهور أن ينسى كل شيء بمجرد أن تبدأ الموسيقى التصويرية. لكن فلسطين لا تنسى. قطاع غزة لا ينسى. سيناء لا تنسى. وعائلات آلاف الضحايا الذين عاشوا حرب 1967 وما تلاها لا يمكن مطالبتهم بالتعامل مع التاريخ باعتباره «ماضيًا». قرابة ستين عامًا مرّت على نكسة حزيران، لكن الاحتلال الذي خرج من تلك الحرب لم يخرج من الذاكرة، ولا من الجغرافيا، ولا من حياة الفلسطينيين. الأرض التي احتُلّت ما زالت محتلة، واللاجئون ما زالوا لاجئين، والقرى والمدن التي تغيّرت خرائطها لم تستعد أسماءها، والذاكرة التي حاولت السياسة الدولية اختزالها في أرقام وقرارات أممية ما زالت حيّة. مقاطعة ولكن ثم يأتي “سبايدرمان”، يأتي ومعه، في الخلفية، اسم رجل كان في ذلك الجيش عام 1967. قد يبدو الأمر للبعض تفصيلًا صغيرًا. لكنه بالنسبة إلى آخرين ليس كذلك. فالمقاطعة، في هذه الحالة، لا تعني بالضرورة كراهية السينما، ولا رفض الفن، ولا محاكمة الممثلين الذين قد لا علاقة لهم بكل هذه التفاصيل. المقاطعة تقول شيئًا أبسط وأكثر إزعاجًا: نحن نعرف من يقف خلف المنتج الذي نستهلكه. وهذه المعرفة وحدها قادرة على تغيير معنى الاستهلاك. في الماضي، كان الاحتلال يحتاج إلى الدبابة كي يفرض صورته. اليوم يستطيع، في بعض الحالات، أن يظهر في صورة أكثر نعومة: شركة، علامة تجارية، منتج، فنان، منصة بث، أو فيلم ينتشر في مئات الدول. وهنا تصبح المعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض. فمن يملك القدرة على صناعة الصورة يمتلك جزءًا من القدرة على صناعة الذاكرة. وهذا ما يجعل الثقافة الشعبية ساحة سياسية بامتياز، حتى عندما تدّعي أنها بعيدة عن السياسة. الثقافة ليست محايدة ولعل المثال الأكثر وضوحًا هو عالم «مارفل» نفسه، الذي سبق أن واجه جدلًا بسبب شخصية «سابرا»، وهي شخصية مرتبطة بجهاز الموساد الإسرائيلي في القصص المصورة، وما أثاره تقديمها سينمائيًّا من انتقادات فلسطينية وعربية. فالمسألة إذًا ليست «سبايدرمان» وحده. المسألة هي كيف يمكن للرواية السياسية أن تتسلل إلى الثقافة الشعبية، وكيف يمكن لشخصيات وقصص ومنتجين ومؤسسات أن يصبحوا جزءًا من منظومة أكبر لإنتاج الصورة. ولا يعني ذلك أن هوليوود غرفة عمليات سياسية موحدة، ولا أن كل عمل فني مؤامرة. لكن السذاجة الأكبر هي الاعتقاد بأن الثقافة محايدة دائمًا. هوليوود تعرف جيدًا قيمة الصورة. إسرائيل تعرف جيدًا قيمة الصورة. والفلسطيني، الذي عاش لعقود وهو يقاتل من أجل ألا تختفي روايته من المشهد، يعرف أكثر من غيره أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على من يروي قصة الأرض. لهذا، فإن السؤال ليس ما إذا كان «سبايدرمان» سيهزم الشرير في نهاية الفيلم. السؤال الحقيقي هو: من يحدد لنا من هو الشرير في العالم الحقيقي؟ ففي عالم «سبايدرمان»، هناك دائمًا بطل وشرير، وضحية ومنقذ. أما في عالمنا، فالأمور أكثر تعقيدًا. هنا يمكن للجندي أن يصبح منتجًا، وللمنتج أن يصبح وجهًا محبوبًا في هوليوود، وللجمهور أن ينسى أن خلف بعض الأسماء تاريخًا لا يزال مفتوحًا. لكن الفلسطينيين لا يملكون ترف النسيان. لأن نكسة 1967 لم تكن نهاية فيلم. كانت بداية فصل طويل من الاحتلال. والضحايا لم يكونوا شخصيات خيالية يمكن إعادتها إلى الحياة في الجزء التالي. ولذلك، فإن الجدل حول «سبايدرمان» يستحق أن يُقرأ خارج صالة السينما. ليس المطلوب أن يتحول الفن إلى محكمة، ولا أن يصبح كل فيلم بيانًا سياسيًّا. المطلوب فقط ألا يتحول الفن إلى مقبرة للذاكرة. فقد تستطيع هوليوود أن تجعل الجندي بطلًا خارقًا في فيلم. لكنها لا تستطيع أن تجعل التاريخ بريئًا من الذاكرة. وفي النهاية، قد ينجح «سبايدرمان» في إنقاذ المدينة على الشاشة. لكن هناك مدنًا وقرى وذاكرة بشرية لم ينقذها أحد منذ عام 1967. وتلك قصة لا يستطيع أي فيلم، مهما بلغت ميزانيته، أن يضع لها شارة النهاية.