لم يَكُنْ إبراهيمُ مَزهر قد بلغَ 30 عامًا حين جلسَ على كرسيّ رئاسةِ بلديّةِ بقسطا – “الشَّرحبيل” – قربَ صيدا. لكنّ الشابّ الهادئ، المتصالح مع نفسِهِ، المُتفاهم مع الأهالي، نجح في ما فشل فيه “الكبار”: أن يكون رئيسًا بلديًا بلا استعراض، بلا زعيم فوق رأسه، وبلا “مدرسة” حزبية تُلقّنه ما يقول وما يفعل. النتيجة؟ بلدةٌ تحوّلت إلى “صيدا ثانية”، تضجُّ بالحياة، وبتعدادٍ يتجاوز 13 ألف صيداوي، ونموّ عمرانيّ لا يتوقف. المفاجأة الأكبر جاءت قبل أيّام، حين استطاع مزهر، وبالتعاون مع لجان أهلية محلية فقط، تحقيق ما عجزت عنه أحزاب وتيارات واتحادات ونقابات “مدّعية الشغل”. مشكلة “شُحّ المياه” التي رافقت الشرحبيل لسنوات كانت تُعامَل باستهتار فجّ: وعود، تسويف، تمييع، واستنسابية، كأنّ 13 ألف إنسان يحتاجون معجزة كي يشربوا! لكن “خط الخدمات” الذي سيغذّي المنطقة بالمياه انطلق أخيرًا. ليس بفضل خطابات السياسيين، ولا بفضل الاجتماعات الفارغة التي تُعقَد عندما يضيق الوقت. جاء بفضل رئيس بلدية بقي بين الناس، ولم يكتفِ بمدّهم بـ“بوستات تضامن” أو “جمع توقيعات” لا تُسمن ولا تُغني. على أبواب انتخابات نيابية، سيظهر الانتهازيون ليباركوا ويصفّقوا، وسيرفع البعض شعار: “نحن ضغطنا… نحن تابعنا… نحن طالبنا”.لكن الحقيقة يعرفها الجميع.ما حدث ليس مجرّد إنجاز خدماتي. إنه صفعة كبيرة تُظهر كيف يمكن لرئيس بلدية شاب أن ينجح بلا فزلكات، بلا نفاق، بلا رحلات “تثقيفية” و“هروب”، وبلا صور موسمية.صفعةٌ مؤلمة… لعل صداها يبلغ، ولو صدفة، مونتريال ليستفيق الغافلون.
لم يعد ما يعيشه أهالي الشرحبيل في ضواحي صيدا مجرد أزمة خدماتية عابرة، بل بات إنذارًا حقيقيًا يهدد حق الناس في أبسط مقومات حياتهم: الماء. منطقة تعاني أصلًا من طريق ضيقة من مكسر العبد حتى “مثلث الخنقة”، فإذا بها تستيقظ على مشكلة أكبر وأخطر، مع إعلان توقف الشركة التي تزوّد مضخات المياه بالتيار الكهربائي، ما يضع آلاف العائلات أمام ساعات معدودة قبل أن يجفّ آخر ما يصل إلى خزاناتها. وكأنّ العطش بات يزحف ببطء نحو البيوت، بلا رادع، وبلا مسؤول يتحمل تبعات هذا الانهيار المتكرر. وكان أهالي الشرحبيل قد ارتضوا دفع مبلغ 8 دولارات لصاحب شركة المولد الخاص لتشغيل المضخات خارج فاتورة الاشتراك الشهرية للبيوت، إلا أن البلدية — بناء لشكاوى يقال إنها وردت إلى مصلحة مياه صيدا والجنوب — طلبت من صاحب المولد عدم تحصيل هذا المبلغ، ما اضطره للتوقف عن تزويد مولدات المضخات بمادة المازوت، ما يعني حكمًا قطع المياه والاكتفاء بالساعات التي ستؤمنها المصلحة التي أخذت على عاتقها توفير المازوت للمضخات. كلام لا ثقة فيه، فتعاطي المصلحة لا يعول عليه، والتجارب خير دليل. ليس الموضوع هنا موضوع إبراهيم مزهر ولا موضوع سامر العربي، ولا مبادرات فادي الكيلاني وغيره من حلول فردية تسجل بين فترة وأخرى لمعالجة مشكلة أكثر من 20 ألف صيداوي يسكنون المنطقة. الموضوع مسؤولية مصلحة مياه صيدا والجنوب وتأمين خط الخدمات لهذه المنطقة وتزويده بالتيار الدائم، ونقطة على السطر. موضوع لا يجب السكوت عنه بعد الآن، ولا يجب التراخي مع المتحكمين بمصلحة المياه للتعامل باستخفاف مع الأمن المائي للناس كما درجت العادة مرارًا وتكرارًا مع الزيارات والوعود والكلام الفارغ. وعلى نواب المدينة وفعالياتها وقواها كافة التحرك الفوري، لأن الموضوع بات ممجوجًا، ويحتاج لحلول جذرية.
توقّف مصدرٌ اقتصاديٌّ صيداويٌّ مُخضرَم عند خبرِ توقيعِ وزارةِ الطاقةِ السوريّةِ يومَ الخميسِ الماضي اتفاقيّاتٍ نهائيّةً مع تحالفِ شركاتٍ دوليّةٍ تقودُه شركةُ أورباكون القابضةُ القطريّةُ، لإنشاءِ وتشغيلِ محطّاتٍ لتوليدِ الكهرباءِ بقدرةٍ إجماليّةٍ تبلغُ 5000 ميغاواط، تتضمّنُ إنشاءَ أربعِ محطّاتِ توليدِ كهرباءَ جديدة، إضافةً إلى مشاريعِ طاقةٍ شمسيّةٍ موزّعةٍ على أربعةِ مواقع. وقالَ المصدر «تخيَّل أنَّ سوريا الخارجةَ للتوِّ من حربٍ مدمِّرةٍ كارثيّة، استطاعت في أقلَّ من عامٍ التوصّلَ إلى بدايةِ حلولٍ جذريّةٍ ومستدامةٍ لمشكلةِ عدمِ توفُّرِ الكهرباءِ التي عانتْ منها لسنوات، بينما نحنُ في صيدا لا نزالُ تحتَ رحمةِ أصحابِ المولّدات، أمثالِ بوجي والعكّاوي وغيرِهما، من دونِ أيِّ أفقٍ لحلِّ هذه المشكلةِ في المدى القريبِ أو حتى البعيد».