لم يعد محمد السعودي مجرّد رئيس بلدية سابق لصيدا، ككثيرين غيره ممن مرّوا على هذا المنصب. تحوّل الرجل، بخصاله الشخصية وحضوره الاجتماعي والتنموي، إلى لاعبٍ صامتٍ حاضرٍ في المشهد العام، يسعى مع مرور السنين إلى ترسيخ أثرٍ إيجابي في المدينة وفقاً لقناعاته ومفاهيمه الخاصة في الأشهر الماضية، خرج إلى العلن احتدام الخلاف بين السعودي والنائب أسامة سعد على خلفية الإخبار الذي تقدّم به سعد بحقّ معمل معالجة النفايات في صيدا خلال فترة رئاسة السعودي للبلدية، وهو ما اعتبره الأخير استهدافًا مباشرًا لشخصه بصيغةٍ ملتوية. اليوم، ومع تصاعد الحديث عن احتمال قيام تحالف انتخابي بين النائب السابق بهية الحريري وسعد ضمن لائحة واحدة تضم شخصيات وازنة، بما يشبه «ميني محدلة» في مواجهة الخصوم، يبرز اسم السعودي مجددًا كعاملٍ قد يُعقّد هذا المسار أو يحدّ منه. السعودي، في أحاديثه الخاصة والعلنية، لا يخفي رفضه لهذا التحالف. فهو يؤكد استعداده لدعم بهية الحريري إذا قرّرت خوض الانتخابات بوضوح، لكنه في المقابل لا يرى في التحالف مع سعد خيارًا مقبولًا أو منطقيًا بعد سنوات طويلة من الخصومة السياسية والمواجهة المباشرة بين الطرفين، معتبراً أن سعد لا يجيد إلا الاعتراض دون أن يقدم شيء ملموس أو فعلي لصيدا وأهلها. في صيدا، التحالفات لا تُبنى على البرامج… بل على قدرة كل طرفٍ على ابتلاع ذاكرةٍ مليئة بالخصومات هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات صيداوية متزايدة حول جدوى التحالف إن تمّ: هل يشكّل فرصةً لتعزيز الحضور السياسي للمدينة، أم إعادة إنتاج لتفاهم ظرفي لا يصمد طويلًا أمام تناقضات الماضي؟ خيارات محدودة تشير مصادر سياسية متابعة لجريدة “البوست” إلى أن بهية الحريري، وبمباركة نجلها أحمد، تميل إلى خيار التحالف مع سعد، معتبرةً أنه يملك حيثية شعبية لا يُستهان بها، وقد أسهمت في الدورة السابقة في وصوله إلى المجلس النيابي. في المقابل، تبدو خيارات سعد محدودة نسبيًا. فخسارته جزءًا من الرافعة التقليدية للصوت الشيعي في صيدا، نتيجة مواقفه الأخيرة من حزب الله، إلى جانب تعذّر التحالف مع «القوات اللبنانية» في جزين، يضيقان هامش المناورة أمامه، فلا يبقى عمليًا سوى خيار التقاطع مع النائب إبراهيم عازار أو التيار الوطني الحر. وتشير المعلومات إلى حصول تواصل انتخابي فعلي مع ممثلين عن “التيار”، وُصف حتى الآن بأنه «إيجابي». فهل يقدم سعد على تجاوز هذه العقدة بفض الاشتباك مع السعودي، لنيل الرضى الحريري؟ أمر يستبعده العارفون بشخصية “الدكتور”، لكنه يبقى متاحا، لا مستحيلا.. غير أن مسار التحالف لا يحظى بإجماع داخل “البيئة الناصرية” نفسها، إذ لا يبدو بعض صقور «الحرس القديم» مستسيغًا لتحالف مع خصمٍ طالما وُجّهت إليه انتقادات حادة في خطاب التنظيم، من «الحريرية السياسية» وفسادها إلى اتهامات «الدولة العميقة» بالهيمنة على مفاصل القرار المحلي. أما في حسابات الحريري، فيُنظر إلى التحالف المحتمل من زاوية مختلفة: شريك معروف يمكن تقدير حجمه السياسي ونقاط ضعفة وقوته، بدل من خصمٍ جديد قد يحمل مفاجآت غير محسوبة في معركة دقيقة. وبين هذه الحسابات المتشابكة، يبرز سؤال أساسي: هل تغامر بهية الحريري بتحالفٍ قد يثير اعتراض قاعدة لا يستهان بها داخل بيئتها؟ وهل يمكن تجاوز وزن شخصيات مؤثرة مثل محمد السعودي في حسابات الحواصل والصوت التفضيلي؟ بعد سنوات من العمل المشترك والتحالف بينهما على أكثر من ملف، ودعم ومساندات مشتركة؟ في النهاية، تبدو معركة التحالفات في صيدا أكثر تعقيدًا من مجرد جمع أسماء على لائحة واحدة؛ فهي اختبار لذاكرة سياسية مثقلة بالخصومات، ولموازين قوى اجتماعية لا تزال قادرة على قلب النتائج. وربما يكون التحالف، إن وُلد، هشًّا إلى درجة أنه لا يصمد أبعد من لحظة إعلان النتائج.
لم يكن تراجع العملات الرقمية حدثًا معزولًا أو صادمًا لمن يقرأ طبيعة هذه السوق. الأصول التي صعدت بوتيرة غير مسبوقة، مدفوعة بسيولة عالمية فائضة ومضاربات كثيفة، كان لا بد أن تواجه لحظة تصحيح حادة. لكن السؤال الأهم اليوم لا يتعلق بنسبة الانخفاض، بل بطبيعة التحول الذي تشهده الصناعة بأكملها: هل نحن أمام أفول موجة، أم أمام مرحلة أكثر نضجًا وانضباطًا؟ انقلاب المزاج المالي العملات الرقمية، وفي مقدمتها بيتكوين وإيثريوم، لم تكن يومًا معزولة عن الاقتصاد العالمي. خلال سنوات الفوائد المنخفضة، اندفعت السيولة نحو الأصول عالية المخاطر بحثًا عن عوائد سريعة في بيئة نقدية مريحة. لكن مع تشديد السياسات النقدية عالميًا وارتفاع أسعار الفائدة، تبدل المشهد بالكامل. أصبح المال أكثر تكلفة، والمخاطرة أقل جاذبية، وكانت الأصول المتقلبة أول من يدفع الثمن. العملات الرقمية تتحرك ضمن ما يمكن تسميته “دورات السيولة”، وكل انكماش نقدي عالمي يعني ضغطًا مباشرًا على أسعارها. الطفرة الرقمية لم تكن قائمة فقط على الاستثمار طويل الأمد، بل على رافعة مالية واسعة النطاق. منصات التداول أتاحت اقتراضًا سهلًا ومضاعفات تداول مرتفعة. في زمن الصعود، كانت الأرباح تتراكم بسرعة؛ لكن عند أول اهتزاز، تحولت الرافعة إلى عامل تفجير: تصفيات قسرية، انهيارات متسلسلة، وذعر جماعي. ولا تزال السوق الرقمية، مقارنة بأسواق الأسهم أو السندات، أقل تنظيمًا وأكثر حساسية لحركة الخوف، ما يجعل تقلباتها أعنف وأعمق. معركة الشرعية التوسع السريع لسوق العملات الرقمية جذب أنظار الحكومات والهيئات التنظيمية. قضايا غسيل الأموال، حماية المستثمرين، الإفصاح المالي، واستقرار النظام المالي دفعت إلى تشديد الرقابة. على المدى القصير، التنظيم يضغط على الأسعار ويدخل السوق في حالة حذر.لكن على المدى الطويل، قد يكون التنظيم هو عنصر الاستقرار الأهم. فالسوق التي تطمح إلى اعتراف مؤسسي لا يمكن أن تبقى خارج الإطار القانوني. التحول من “اقتصاد متمرّد” إلى “اقتصاد منظم” مؤلم، لكنه شرط أساسي للنضج. التحول من “اقتصاد متمرّد” إلى “اقتصاد منظم” مؤلم… لكنه ضروري للنضج اهتزاز السردية في كل دورة صعود، تتشكل سردية كبرى:“بيتكوين هو الذهب الرقمي”،“هو التحوط من التضخم”،“هو البديل عن النظام المالي التقليدي”. لكن عندما تراجعت الأسعار رغم ارتفاع التضخم، اهتزت هذه الفرضيات. لم تعد العملات الرقمية محصنة كما رُوّج لها. هذا لا يعني انهيار الفكرة، بل يكشف فجوة بين الطموح النظري والتجربة العملية. السوق تحتاج إلى إعادة تعريف هويتها الاقتصادية بوضوح أكبر. الثقة… رأس المال الحقيقي انهيار منصات كبرى، اختراقات أمنية، وإفلاس شركات في القطاع ضربت الثقة في العمق. وفي عالم رقمي، الثقة هي الأصل الحقيقي. المستثمر هنا لا يمتلك ذهبًا أو مصنعًا، بل يمتلك إيمانًا بشبكة خوارزمية. كل هزة مؤسسية تترك أثرًا مضاعفًا، لأن رأس المال النفسي هشّ بطبيعته. ثلاثة سيناريوهات للمستقبل1) مرحلة غربلة قاسية، التاريخ المالي يثبت أن كل طفرة تكنولوجية تمر بمرحلة تصفية. ستختفي المشاريع الهشة، ويبقى الأقوى من حيث التكنولوجيا، السيولة، والاستخدام الفعلي. السيناريو مؤلم… لكنه قد يكون صحيًا. 2) اندماج مع النظام المالي التقليدي، بدأت مؤسسات مالية كبرى الدخول التدريجي إلى القطاع: صناديق استثمار متداولة، خدمات حفظ مؤسسية، وتعاون مصرفي. إذا استمر هذا المسار، قد تتحول العملات الرقمية إلى فئة أصول معترف بها، لا مجرد ظاهرة هامشية. 3) ثورة تكنولوجية تتجاوز المضاربة. القيمة الحقيقية قد لا تكون في السعر، بل في التكنولوجيا: البلوكتشين، العقود الذكية، التمويل اللامركزي، وترميز الأصول. إذا أثبتت هذه التطبيقات فعاليتها الاقتصادية، فقد تتجاوز الصناعة تقلبات السوق. البيتكوين بعد الذروة: تصحيح أم تحوّل تاريخي؟ ترامب والعملات المشفرة الاضطراب لم يكن اقتصاديًا فقط، بل سياسيًا أيضًا. بحسب تحليلات صحفية، فإن انهيار العملات المشفرة يؤثر بشكل خاص في مناطق داخل الولايات المتحدة حيث يحظى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وشعاره “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” بدعم قوي. ويُعتقد أن ترامب فاز في انتخابات 2024 مدفوعًا بـ“دعم قوي” من مجتمع العملات المشفرة الأمريكي، الذي ضم مستثمرين ومضاربين مستائين من تشدد التنظيم خلال عهد جو بايدن، إضافة إلى التضخم المرتفع. خلال حملته الانتخابية، تعهد ترامب بأن يكون “رئيس العملات المشفرة”، وهو وعد فسره كثيرون على أنه ضمان لارتفاع قيمة أصولهم. لكن الواقع جاء أكثر تعقيدًا. فبينما عززت الاستثمارات المرتبطة بالقطاع صافي ثروة عائلة ترامب بأكثر من مليار دولار منذ انتخابات 2024، وفق تحليل استند إلى بيانات بلومبيرغ، وجد العديد من المستثمرين الأفراد أنفسهم في موقع الخاسر، بعدما راهنوا على قفزة سعرية خلال الولاية الثانية. البيتكوين، التي سجلت مستوى قياسيًا عند 126 ألف دولار في أكتوبر، دخلت مرحلة اضطراب، مع تبخر تريليونات الدولارات من القيمة السوقية. وتراجعت العملة بنحو 24% هذا العام لتستقر قرب 67 ألف دولار، أي دون مستواها عند انتخاب ترامب لولاية ثانية (نحو 70 ألف دولار). كما سجلت “كوين بيس”، أكبر منصة لتداول العملات المشفرة في الولايات المتحدة، خسارة فصلية مفاجئة. قبل أيام من حفل تنصيبه، أطلق ترامب وزوجته ميلانيا عملتيهما الميميتين. العملات الميمية – المستوحاة من ثقافة الإنترنت – بلغت ذروتها سريعًا بعد الإطلاق، لكنها لم تتعافَ منذ ذلك الحين، ما ترك العديد من المستثمرين الأفراد أمام خسائر. أحد العاملين في قطاع عملات “ماغا” الميمية أقر بأن إطلاق العملتين الجديدتين “ركز السيولة مؤقتًا” في مشاريع محددة، ما أضعف بقية السوق. رغم توقيع أمر تنفيذي بإنشاء احتياطي من البيتكوين من العملات المصادرة حكوميًا، لم تبدأ الحكومة موجة شراء فعلية، ما خيب آمال بعض المستثمرين. بين الفقاعة والنضج العملات الرقمية ليست فقاعة كلاسيكية بالمعنى التقليدي، لكنها أيضًا ليست أصولًا مستقرة بعد. هي صناعة في طور التشكل، تتحرك بين الابتكار والمضاربة، بين التحرر والتنظيم، بين الحلم والانضباط. التراجع الحالي يمكن قراءته بطريقتين: إما تصحيح لنشوة مبالغ فيها، أو مرحلة انتقال نحو بنية أكثر استدامة. المستقبل لن يكون امتدادًا مباشرًا للماضي. إما أن تتحول العملات الرقمية إلى جزء متكامل من النظام المالي العالمي… أو تبقى سوقًا دورية تعيش على موجات الاندفاع والانكماش. السؤال الحقيقي ليس: هل ستعود الأسعار للارتفاع؟ بل: هل ستنجح الصناعة في بناء ثقة مستدامة تتجاوز منطق المضاربة؟ هناك فقط يتحدد المصير.