توقّفت مصادر صيداوية متابعة عند مبدأ قبول الشركة المشغّلة لمعمل النفايات في صيدا تقاضي مستحقاتها المالية للعام 2024 على سعر صرف للدولار يبلغ 15,000 ليرة، وليس على سعر الصرف الحقيقي، «كما هو الحال مع باقي متعهّدي معالجة النفايات». وتساءلت المصادر عن السبب الذي يدفع الشركة إلى القبول بهذا الأمر، مع الإشارة إلى أنّ هذا الموضوع يعني اقتطاع نحو 80% من قيمة الفاتورة الفعلية المتوجّبة، وكأنّ الدولة، بسبب إفلاسها وعجزها، تدفع القطاع الخاص إلى أن «يدبّر حاله» على استنسابيّته، وبما يراه مناسبًا، وهو أمر مريب من كلا الطرفين الدافع والقابض، أمّا المتضرّر الأول منه فهو الناس والمواطنون.
لم تعد «بوابة الجنوب» مجرد معبر جغرافي يربط العاصمة بالبلدات والقرى الجنوبية، بل تحوّلت، في ظل الأزمات المتلاحقة، إلى ملاذ أخير وصمّام أمان، استقبل بقلب مفتوح وبشهامة معهودة أمواجًا بشرية متتالية من النازحين الذين قذفتهم الحروب والأحداث الراهنة خارج بيوتهم. إلا أنّ هذه المدينة، التي تفتح ذراعيها للجميع، باتت اليوم ترزح تحت وطأة انفجار بنيوي مرعب. فالبنية التحتية في صيدا لا تعاني خللًا عابرًا، بل «تلفظ أنفاسها الأخيرة» وسط دوامة من الحفر، وشلل مروري عشوائي، وفيضان لشبكات الصرف الصحي، يقابلها عجز رسمي مالي وتخطيطي يهدّد بتحويل الحياة اليومية لساكنيها إلى جحيم مستمر. نحن هنا لا ننظر إلى الأزمة من أبراج عاجية، ولا نطالب الدولة أو البلديات بأن تحوّل شوارع صيدا إلى جادات أوروبية، ولا نتوقع نظامًا مروريًا يضاهي العواصم الغربية؛ نحن نتحدث اليوم من باب «التخفيف علينا»، نطالب بأقل الحقوق البديهية لمواطن، أو لوافد يبحث عن الأمان. نطالب بالحد الأدنى الذي يقي السيارات المهترئة شرّ الحفر، ويحمي الأنوف من روائح الصرف الصحي، ويوفر دقائق العمر الضائعة في زحام مروري يمكن حلّه ببعض التدبير والتنظيم. خريطة الألم اليوم تتشابه شوارع صيدا اليوم مع حقول الألغام؛ فلا يكاد سائق سيارة أو آلية ينجو من حفرة حتى يسقط في خندق مستحدث جرّاء غياب الصيانة الدورية. الإسفلت الذي تآكل بفعل الزمن وعوامل الطقس لم يعد صالحًا للاستخدام البشري. الشوارع الرئيسية، بدءًا من المداخل الشمالية وصولًا إلى عمق المدينة وسوقها التجاري، باتت تشكّل عبئًا ماليًا ضخمًا على المواطنين الذين يتقاضون رواتبهم بالعملة المحلية المنهارة، في حين تُسعَّر قطع غيار السيارات وصيانتها بالدولار الأميركي «الفريش». هذه الحفر ليست مجرد تشويه بصري، بل هي مسبّب رئيسي لاختناق حركة السير. فالسائقون يضطرون إلى التوقف المفاجئ أو الانحراف يمينًا وشمالًا لتفادي المتعرجات، ما يخلق حالة من الفوضى الدائمة والحوادث اليومية. ورغم الإعلان البلدي الأخير عن مشروع استبدال البلاط بالإسفلت في السوق التجاري الممتد من ساحة النجمة حتى قصر دبانة، إلا أنّ هذه الخطوة، على أهميتها، تظل مجرد «جرعة مسكّنة» في جسد مدينة تحتاج شبكة طرقاتها بالكامل إلى إعادة تأهيل شاملة. skip render: ucaddon_material_block_quote الهندسة المرورية العشوائية إذا انتقلنا إلى حركة المرور داخل صيدا، سنصطدم بخلل بنيوي في هندسة السير وتوزيع المساحات. تشهد المدينة انتشارًا لبعض الدوارات التي توصف محليًا بأنها «لا داعي لها»، حيث أُقيمت دون دراسات علمية أو تخطيط ميداني يحاكي واقع تدفق السيارات. وبدلًا من أن تساهم هذه الدوارات في تسيير الحركة وتسهيل الانعطاف، تحولت إلى «عنق زجاجة» تتكدس عنده مئات السيارات، وتتداخل فيه المسارات لعدم وجود قنوات توجيهية واضحة. يضاف إلى هذه المعضلة غياب شبه كامل لإشارات المرور المنظمة. فالإشارات الموجودة إما معطلة، وإما قليلة جدًا وبدائية لا تتناسب مع حجم صيدا الحالي. إنّ غياب التنظيم المروري الذكي يترك الشارع لـ«قانون الأقوى» وللاعتراضات والمشاحنات اليومية بين السائقين، في وقت يمكن فيه لبعض الخطط البسيطة، مثل تنظيم توقيت سير الشاحنات الكبيرة، وتثبيت عناصر شرطة البلدية أو القوى الأمنية عند التقاطعات الحيوية، وإعادة النظر بجدوى بعض الدوارات، أن تخفف العبء المروري بنسبة لا تقل عن 30% دون تكاليف مالية باهظة. الانفجار الديمغرافي لا يمكن قراءة أي أزمة في صيدا اليوم دون ربطها بالملف الإنساني المستجد. لقد استقبلت المدينة عددًا من النازحين كاد أن يقارب، بل وتجاوز في بعض الإحصاءات غير الرسمية، عدد سكان المدينة الأصليين. هذا التدفق البشري الضخم، الناجم عن الظروف الأمنية والعسكرية الضاغطة في المناطق المجاورة والعمق الجنوبي، وضع صيدا أمام مسؤولية تاريخية وإنسانية. صيدا، بأهلها ومؤسساتها وفعالياتها، لم تبخل يومًا بالاحتضان، لكن الواقعية تفرض علينا القول إنّ «العين بصيرة واليد قصيرة». فالاستهلاك اليومي للمياه، والضغط على شبكات الصرف الصحي، وتوليد النفايات، وحركة السير والسيارات في الشوارع، كلها تضاعفت بشكل مفاجئ. هذا الواقع الجديد لا يمكن لبلدية بمفردها، ومهما بلغت جهوزيتها، أن تديره دون مؤازرة مباشرة ومركزية من الدولة اللبنانية والمنظمات الدولية الإغاثية، التي يبدو حضورها خجولًا ولا يرقى إلى حجم الكارثة الحاصلة على أرض الواقع البنيوي للمدينة. صيدا على حافة الانفجار البنيوي جبال من الأزمات عند البحث عن الأسباب والمخرجات المادية، نصطدم بلغة الأرقام الصادمة التي تفسر جزءًا كبيرًا من هذا الشلل الإنمائي. فموازنة بلدية صيدا المقرّة لعام 2026 بلغت 315 مليار ليرة لبنانية، أي ما يعادل قرابة 3.5 مليون دولار أميركي. هذا المبلغ، الذي قد يراه البعض ضخمًا بالعملة المحلية، هو في الحقيقة موازنة «تشغيلية بالحد الأدنى»؛ أي إنها تذهب بالكامل لدفع رواتب الموظفين والعمال، وتأمين المحروقات لآليات جمع النفايات، وصيانة المباني الرسمية. إنها موازنة «بقاء على قيد الحياة»، وليست موازنة مشاريع. وفي المقلب الآخر، نجد أنّ موازنة وزارة الأشغال العامة والنقل المرصودة لكل الأراضي اللبنانية تُقدَّر بنحو 15 مليون دولار أميركي، موزعة بين اعتمادات جديدة ومدوّرة. وعند تقسيم هذا المبلغ الهزيل على الأوتوسترادات الدولية والطرق الرئيسية والمناطق المتضررة جرّاء الحرب والنزوح، تصبح حصة مدينة صيدا شحيحة، ولا تكفي لإعادة تأهيل محور رئيسي واحد من محاورها المنهكة. أمام هذا المشهد القاتم، نرفع الصوت مجددًا لنوجّه الخطاب مباشرة إلى رئيس مجلس بلدية صيدا مصطفى حجازي، وإلى وزير الأشغال العامة والنقل، وإلى كل مسؤول في الدولة اللبنانية: نحن لا نطلب المستحيل. إنّ المواطن الصيداوي، والمواطن الوافد إليها، يدركان تمامًا حجم الانهيار الاقتصادي والمالي الذي يمر به لبنان. لا أحد منا ينتظر أن تصبح طرقات صيدا كطرقات ميونخ أو باريس، ولا أحد يتوقع شبكات صرف صحي تعمل بالذكاء الاصطناعي، أو قطارات أنفاق تحل أزمة السير. نحن نتحدث اليوم من منطلق المعاناة اليومية البسيطة والمحقة، نطالب بـ«التخفيف علينا» في ظل كل هذه الضغوط النفسية والأمنية والاقتصادية التي نعيشها. أقل ما يمكن فعله، والحد الأدنى الذي يمليه الواجب والمسؤولية تجاه هذه المدينة الصابرة، يتلخص في خطوات طارئة وعملية: أولًا: ردم الحفر العميقة بشكل فوري بمواد إسفلتية مؤقتة، كإجراء إنقاذي سريع لمنع تضرر الآليات الحيوية وسيارات المواطنين. ثانيًا: التنسيق بين البلدية والأجهزة الأمنية لفرز عناصر مرورية ثابتة عند التقاطعات الكبرى لإدارة السير يدويًا، وإلغاء أو تعديل الدوارات التي أثبتت التجربة الميدانية عقمها وفشلها. ثالثًا: ممارسة البلديات والفعاليات السياسية في صيدا ضغطًا لانتزاع اعتمادات استثنائية وطارئة من موازنة وزارة الأشغال أو من الصناديق الدولية المانحة لملف النازحين، وتوجيهها مباشرة لتدعيم شبكة الصرف الصحي في الأحياء الأكثر اكتظاظًا. skip render: ucaddon_box_testimonial
«القانون لا يحمي المغفّلين». واقعٌ ينطبق على المأزق الذي وصل إليه البعض في صيدا، وداخل مجلسها البلدي تحديداً. ليس سرًا أنّ هذه البلدية تعاني، منذ ما قبل ولادتها، تشوّهات جينية لا أمل بعلاجها. فمنذ الأسبوع الأول، خرج هذا الفريق على الصيداويين بمشكلاته الكثيرة، والتي أكدتها الممارسات التي كرّست فكرة تفريخ رؤساء بلدية، لا رئيسًا أوحد، ليكون «كلٌّ على مزبلته صياح». بالحديث عن المزابل والنفايات، علمت «البوست» من مصادر متابعة أنّ أعضاء المجلس البلدي يعانون منذ أيام «صدمة الزوج المخدوع» مما قرؤوه في ردّ وزير المالية ياسين جابر في محاضر مجلس الوزراء على «الإخبارات» التي كانت قُدّمت بحق معمل النفايات في المدينة. فبعد «سنوات عجاف» من الشعبوية والعناوين الرنّانة والكلام في السياسة، تبيّن أنّ الواقع مغاير لحسابات البعض. من مشكلات المدينة الكثيرة أنّ العديد من طامحي العمل في الشأن العام، شأنهم شأن أجيال اليوم، يكرهون القراءة. وإن أُجبروا على ذلك، يفعلونه مُرغمين لا مستمتعين، ما يحرمهم من قدرة امتلاك الملف بكليته، وسبر أغواره، وفهمه. إنها لعنة «التيك توك»، قد يستجلب فيديو سخيف آلاف الـ«لايكات»، لكنه لا يصنع سينما. بعد سنوات من الأخذ والرد، تبيّن أنّ ملف مخالفات وتجاوزات معمل نفايات صيدا لم يكن حقيقيًا، أقله ليس كما كان يرّوج. هذا ما قالته الحكومة اللبنانية مجتمعة، لا حديث مقاهٍ أو خطابات شوارع أو كلام منابر وبيانات. في الصالونات السوداء اليوم تُحاك الاصطفافات، وتتموضع التحزّبات بين أعضاء المجلس البلدي الحالي، بعدما هالهم ما قرؤوه من ردّ رئيس البلدية على ما سيق بحق المعمل على مدى سنوات، ومطالبته بدفع كامل مستحقاته والإشادة بأدائه. أمرٌ اعتبره البعض بمثابة «خديعة» لما كان «يوحي» به الرئيس أمامهم، علماً أن ما قرؤوه في المحضر، يطابق تماما ما صرح به حجازي علانية مع وفد اتحاد البلديات حين زار المعمل ميدانيا منذ مدة. ليس من السهل تغطية “العورة” حين لا تجد حتى ورقة تين. فجأة، انهارت السرديات، والكلام عن مخالفات وتجاوزات وانتهاكات قيل إنّ المعمل وإدارته يرتكبانها منذ سنين، وتبين أن أفكار البعض ليست أحكاماً مبرمة. فكان لا بد من التصعيد في وجه «الصفعة المدوية»، أقلّه حفاظًا على ما تبقّى من مصداقية. وهكذا طلب بعض أعضاء البلدية من «الرئيس» توجيه إنذار إلى إدارة المعمل، أمرًا لم يقبل به، ما دفع عدداً منهم للاجتماع “في ليل” ومن وراء البحار، للتوقيع على عريضة إنذار باسمهم، وتسجيلها في قلم البلدية لإرسالها إلى المعمل، قافزين على رفض حجازي القيام بذلك، مع أنه لا قيمة فعلية لهكذا خطوة ولو تم توقيعها من قبل أكثرية الأعضاء، لأنها حصلت من خارج انعقاد المجلس أصولاً. من الجميل أن تكون طموحًا في الحياة، فأولئك الحالمون هم من يصنعون فرقًا في دنيانا. لكن البعض «لا يليق» لهم حتى الحلم، فكيف إذا كان غفلة. قد تتقاطع مصالح بعض أعضاء المجلس الحالي عند التخلّص من حجازي للجلوس مكانه، والبعض ليؤكد ما نادى به لسنين، والبعض لأسباب شخصية ونفسية ومنفعية ضيقة، لكن ما قد لا يعلمه الكثيرون أنّ كل هذا الجهد لا ينتج إلا حملًا كاذبًا. ففي قانون البلديات في لبنان، «الرئيس هو البلدية»، وكل ما عدا ذلك مجرد ديكور مكمّل لا يتعدّى كونه توصيات وتمنيات لا إلزامية فيها. ما يقرره الرئيس في الأمور الكبرى وحتى الصغيرة هو ما يؤخذ به، وقد قال كلمته بحق المعمل، بحسب ما وثّقته المحاضر الرسمية. المعضلة الحقيقية برأي عارفين أن أغلب الأعضاء غير ملمين بحدود دور العضو البلدي وصلاحياته وإمكانياته، وهذا ما يزيد من مسرحية “الفكاهة السوداء” التي نشاهدها منذ نحو عام. لذلك، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فحجازي باقٍ لسنتين إضافيتين. أما كل الجعجعة الحالية فلن تنتج طحينًا، بل مزيدًا من الأوهام والضرر للمدينة وأهلها، تمامًا كما «حزب المحرقة» الذي يحاول أحد الأثرياء المتربصين تشكيله للانقضاض على المعمل الحالي، حين تتاح الظروف. فبعض الناس، مهما علا شأنهم، تبقى طموحاتهم… نفايات. Ignorantia legis non excusat للحديث تتمّة…محرقة ومحروقين…