من يحكم العالم حين تختفي الأيدي؟ لم يعد الذكاء الاصطناعي ابتكارًا تقنيًا يُقاس بالكفاءة والسرعة، بل تحوّل إلى بنية حكم غير منتخبة، تُعيد ترتيب العالم بصمت، وتُعيد تعريف من يملك القرار، ومن يُستبعد منه.السؤال لم يعد: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل: لصالح من يعمل؟ ومن يضبط بوصلته القيمية؟ في هذا المناخ، يعود اسم «الماسونية» إلى التداول، لا بوصفه دليلًا قاطعًا، بل بوصفه رمزًا سياسيًا لسلطة تعمل من الخلف. فكل عصر ينتج لغته الخاصة لتسمية النفوذ غير المرئي، وعصر الخوارزميات لا يشذّ عن القاعدة. من الرمز التاريخي إلى البنية السلطوية تاريخيًا، لم تكن الماسونية مختبرًا علميًا ولا شركة برمجيات، لكنها مثّلت، في المخيال العام، نموذجًا للنفوذ الصامت: شبكات نخب، رمزية مغلقة، وتأثير بلا مساءلة شعبية. وحين يعجز المجتمع عن تسمية القوى التي تشكّل مصيره، يستحضر أسماء قديمة ليُفسّر واقعًا جديدًا. بهذا المعنى، السؤال الحقيقي ليس: هل تدير الماسونية الذكاء الاصطناعي؟ بل: لماذا أصبح الذكاء الاصطناعي شبيهًا، في بنيته السلطوية، بكل ما نُسب تاريخيًا إلى النخب المغلقة؟ تاريخيًا، لم تكن الماسونية مختبرًا علميًا ولا شركة برمجيات، لكنها مثّلت، في المخيال العام، نموذجًا للنفوذ الصامت: شبكات نخب، رمزية مغلقة، وتأثير بلا مساءلة شعبية الخوارزمية فوق السياسة الخطر الجوهري في الذكاء الاصطناعي لا يكمن في «الوعي الآلي»، بل في فصله عن المجال السياسي. الخوارزميات اليوم تؤثّر في الرأي العام، تحدّد ما يُرى وما يُحجب، تصوغ المزاج الجماعي، وتُعيد هندسة النقاش العام—من دون رقابة برلمانية حقيقية، ومن دون شفافية تتناسب مع حجم هذا التأثير. نحن أمام سلطة لا تحتاج إلى انقلاب، لأنها لم تعترف أصلًا بالنظام الذي يُفترض أن تنقلب عليه. من الرمز إلى الكود في العصور السابقة، كان النفوذ يُشفَّر بالرموز والطقوس. اليوم، يُشفَّر بالكود. الفرجار والمسطرة لم يعودا أدوات بناء، بل معادلات تضبط السلوك البشري. العين التي «ترى كل شيء» لم تعد رمزًا محفورًا في حجر، بل شبكة بيانات تعرف ما نحب، وما نكره، وما يغضبنا، وما يُبقينا أطول أمام الشاشة. الانتقال لم يكن من السرية إلى العلنية، بل من سرية مفهومة إلى غموض تقني مُقنَّن. لم تعد السيطرة الحديثة بحاجة إلى قمع مباشر. يكفي أن تُدار الرغبات، ويُعاد ترتيب الانتباه، وتُغرق الساحة بالضجيج بدل المعنى. محتوى يُضخ بكثافة، تفاهة تُكافأ، عنف يُطبَّع، وقيم تُفكَّك ببطء. ليس لأن «هناك جهة شريرة واحدة»، بل لأن منطق الخوارزمية يكافئ ما يُثير، لا ما يُنوِّر. هنا، يصبح الحديث عن «التحكّم بالعقول» توصيفًا سياسيًا دقيقًا، لا مبالغة خطابية. الحقيقة المُفلترة.. أخطر الأدوات التضليل في عصر الذكاء الاصطناعي لا يقوم على الكذب الصريح، بل على انتقاء الحقيقة. واقع يُعرض كما لو كان كاملًا، بينما هو في الحقيقة نتاج قرارات خفية: ماذا يتكرر؟ ماذا يختفي؟ وماذا يُضخ حتى يبدو طبيعيًا؟ تشير أبحاث متعددة إلى أن نسبة كبيرة مما يُستهلك رقميًا اليوم هو محتوى مُعاد تشكيله لخدمة التفاعل والربح والتوجيه، لا المعرفة. وهنا تتحوّل الخوارزمية من أداة تقنية إلى فاعل سياسي كامل الصلاحيات. من يملك الذكاء الاصطناعي… يملك السردية. السؤال الأخطر ليس فلسفيًا، بل سياديًا: من يملك البيانات؟ من يدرّب النماذج؟ من يقرّر المعايير الأخلاقية؟ في عالم تُدار فيه الحقيقة عبر الشاشات، تصبح السيطرة على البنية الرقمية أخطر من السيطرة على الحدود. الدول تتجادل، بينما الشركات العابرة للحدود تبني واقعًا موازيًا لا يخضع لسيادة أحد. هل المؤامرة هي المشكلة… أم غياب الديمقراطية الرقمية؟ الانشغال الحصري بالماسونية قد يُضلّل النقاش. المشكلة الأعمق هي تركّز القوة التقنية بلا مساءلة، وتحويل الذكاء الاصطناعي إلى منطقة معفاة من السياسة، رغم كونه الأداة السياسية الأكثر تأثيرًا في القرن الحادي والعشرين. السيطرة الناعمة لسنا بحاجة إلى تنظيم سري كي نشعر بالخطر. يكفي نظام عالمي يسمح لقلة غير منتخبة بإعادة تشكيل وعي الأغلبية. العالم يُعاد تشكيله… فهل نملك حق الاعتراض؟ هل نعيش أعظم ثورة معرفية في تاريخ البشر؟ أم أذكى عملية إعادة هندسة للوعي الجماعي؟ هل الذكاء الاصطناعي أداة تحرّر؟ أم سلطة جديدة لا تحتاج إلى دبابة ولا بيان؟ ربما لن نجد اسمًا واحدًا نُعلّق عليه كل المخاوف. لكن المؤكّد أن السلطة لم تختفِ، بل غيّرت لغتها. وفي عالم تحكمه الخوارزميات، أخطر ما يمكن أن يحدث… أن نعتاد.
بَيْنَمَا كَانَتْ طُبُولُ الحَرْبِ تُقْرَعُ فِي أَرْوِقَةِ البَيْتِ الأَبْيَضِ، شَهِدَتِ المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ تَحَرُّكًا دِبْلُومَاسِيًّا وُصِفَ بِـ«المَارَاثُون» لِمَنْعِ الرَّئِيسِ دُونَالْدِ تْرَامْبَ مِنْ تَنْفِيذِ تَهْدِيدَاتِهِ بِتَوْجِيهِ ضَرْبَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ حَاسِمَةٍ لِلدَّاخِلِ الإِيرَانِيّ. هٰذَا التَّدَخُّلُ، الَّذِي قَادَتْهُ قُوًى إِقْلِيمِيَّةٌ وَازِنَةٌ مِثْلَ المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ وَمِصْرَ، بِالتَّعَاوُنِ مَعَ قَطَرَ وَسَلْطَنَةِ عُمَانَ، أَثَارَ تَسَاؤُلَاتٍ عَمِيقَةً حَوْلَ طَبِيعَةِ التَّحَوُّلَاتِ الجِيُوسِيَاسِيَّةِ فِي المِنْطَقَةِ؛ فَكَيْفَ تَحَوَّلَ «الخُصُومُ التَّارِيخِيُّونَ» لِطَهْرَانَ إِلَى «حَائِطِ صَدٍّ» يَمْنَعُ تَقْوِيضَ نِظَامِهَا عَسْكَرِيًّا؟ لَا تَكْمُنُ الإِجَابَةُ عَلَى هٰذَا التَّسَاؤُلِ فِي «تَغْيِيرِ القُلُوبِ» أَوِ انْتِهَاءِ العَدَاءِ الأَيْدِيُولُوجِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ مَعَ المَشْرُوعِ الإِيرَانِيِّ، بَلْ فِي «بَراغْماتِيَّةِ البَقَاءِ» وَحِسَابَاتِ الرِّبْحِ وَالخَسَارَةِ المُعَقَّدَةِ الَّتِي بَاتَتْ تَحْكُمُ العَقْلَ السِّيَاسِيَّ العَرَبِيَّ المُعَاصِرَ. لَقَدْ أَدْرَكَتِ الرِّيَاضُ وَالقَاهِرَةُ أَنَّ تَكْلِفَةَ «الخَلَاصِ العَسْكَرِيِّ» مِنَ التَّهْدِيدِ الإِيرَانِيِّ عَبْرَ آلَةِ الحَرْبِ الأَمِيرِكِيَّةِ قَدْ تَكُونُ أَغْلَى بِكَثِيرٍ مِنْ تَكْلِفَةِ التَّعَايُشِ مَعَ نِظَامٍ «مُشَاكِسٍ» وَلٰكِنْ تَحْتَ السَّيْطَرَةِ. الاسْتِقْرَارُ لِلِازْدِهَار تَتَصَدَّرُ رُؤْيَةُ السُّعُودِيَّةِ 2030 قَائِمَةَ الأَسْبَابِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ لِهٰذَا التَّحَوُّلِ، فَالمَمْلَكَةُ الَّتِي تَخُوضُ غِمَارَ تَحَوُّلٍ اقْتِصَادِيٍّ وَاجْتِمَاعِيٍّ غَيْرِ مَسْبُوقٍ، تُدْرِكُ أَنَّ «الاسْتِقْرَارَ» هُوَ العُمْلَةُ الصَّعْبَةُ الَّتِي تَحْتَاجُهَا لِجَذْبِ الِاسْتِثْمَارَاتِ العَالَمِيَّةِ وَتَحْوِيلِ مُدُنِهَا إِلَى وَجْهَاتٍ سِيَاحِيَّةٍ وَتِكْنُولُوجِيَّةٍ رَائِدَةٍ. لِذٰلِكَ، فَإِنَّ أَيَّ شَرَارَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ شَامِلَةٍ فِي الخَلِيجِ تَعْنِي تَحَوُّلَ المِنْطَقَةِ إِلَى «مِنْطَقَةٍ حَمْرَاءَ» فِي خَرَائِطِ شَرِكَاتِ التَّأْمِينِ وَالِاسْتِثْمَارِ العَالَمِيَّةِ، مِمَّا قَدْ يَنْسِفُ سَنَوَاتٍ مِنَ العَمَلِ وَالبِنَاءِ فِي لَحَظَاتٍ. بِالنِّسْبَةِ لِلرِّيَاضِ، لَمْ يَعُدِ الهَدَفُ هُوَ «تَدْمِيرَ الخَصْمِ» بِأَيِّ ثَمَنٍ، بَلْ «تَحْيِيدَ خَطَرِهِ» لِضَمَانِ اسْتِمْرَارِ قِطَارِ التَّنْمِيَةِ. أَمَّا مِنَ المَنْظُورِ المِصْرِيِّ، فَإِنَّ الحِسَابَاتِ تَرْتَبِطُ بِشَكْلٍ وَثِيقٍ بِالأَمْنِ القَوْمِيِّ وَالِاقْتِصَادِيِّ المُبَاشِرِ. فَمِصْرُ، الَّتِي تُعَانِي مِنْ ضُغُوطٍ اقْتِصَادِيَّةٍ عَالَمِيَّةٍ، تَنْظُرُ إِلَى قَنَاةِ السُّوَيْسِ كَشِرْيَانِ حَيَاةٍ لَا يَقْبَلُ المِسَاسَ. وَأَيُّ مُوَاجَهَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ فِي الخَلِيجِ سَتُؤَدِّي حَتْمًا إِلَى اشْتِعَالِ جَبَهَاتِ «الوُكَلَاءِ»، وَعَلَى رَأْسِهِمُ الحُوثِيُّونَ فِي اليَمَنِ، مِمَّا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى إِغْلَاقِ مُضِيقِ هُرْمُزَ أَوْ تَهْدِيدِ المِلَاحَةِ فِي البَحْرِ الأَحْمَرِ بِشَكْلٍ دَائِمٍ. هٰذَا السِّينَارِيُو يَعْنِي حِرْمَانَ الخَزِينَةِ المِصْرِيَّةِ مِنْ مِلْيَارَاتِ الدُّولَارَاتِ مِنْ رُسُومِ القَنَاةِ، وَهُوَ ثَمَنٌ لَا تَسْتَطِيعُ القَاهِرَةُ تَحَمُّلَهُ فِي الوَقْتِ الرَّاهِنِ. التَّحَوُّلُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي حَصَلَ هُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ مَنْطِقِ «كَسْرِ العَدُوِّ» إِلَى مَنْطِقِ إِدَارَةِ الصِّرَاعِ: احْتِوَاءُ النُّفُوذِ الإِيرَانِيِّ بَدَلَ تَفْجِيرِهِ، اسْتِخْدَامُ السِّيَاسَةِ وَالِاقْتِصَادِ وَالتَّحَالُفَاتِ الإِقْلِيمِيَّةِ بَدَلَ القَصْفِ المَفْتُوحِ. هٰذَا التَّحَوُّلُ لَا يَعْنِي مُصَالَحَةً، بَلْ تَوَازُنًا بَارِدًا يَحُولُ دُونَ الِانْفِجَارِ الشَّامِلِ المِظَلَّةُ الأَمِيرِكِيَّة عَلَاوَةً عَلَى ذٰلِكَ، بَرَزَتْ حَقِيقَةٌ جِيُوسِيَاسِيَّةٌ جَدِيدَةٌ مُفَادُهَا أَنَّ «المِظَلَّةَ الأَمْنِيَّةَ الأَمِيرِكِيَّةَ» لَمْ تَعُدْ صَكًّا عَلَى بَيَاضٍ. فَالتَّجَارِبُ السَّابِقَةُ، ابْتِدَاءً مِنَ الهَجَمَاتِ عَلَى مُنْشَآتِ أَرَامْكُو فِي 2019، وُصُولًا إِلَى الِانْسِحَابِ مِنْ أَفْغَانِسْتَانَ، وَلَّدَتْ قَنَاعَةً لَدَى الحُلَفَاءِ العَرَبِ بِأَنَّ وَاشِنْطُنَ قَدْ تَبْدَأُ الحَرْبَ وَلٰكِنَّهَا قَدْ لَا تُنْهِيهَا، أَوْ قَدْ تَتْرُكُ حُلَفَاءَهَا يُوَاجِهُونَ تَبِعَاتِ الِانْتِقَامِ الإِيرَانِيِّ وَحْدَهُمْ. الخُصُومَةُ مَعَ إِيرَانَ حَقِيقِيَّةٌ وَعَمِيقَةٌ، لٰكِنَّ الدُّوَلَ لَا تُدَارُ بِمَنْطِقِ الثَّأْرِ. السُّعُودِيَّةُ وَمِصْرُ وَصَلَتَا إِلَى خُلَاصَةٍ وَاضِحَةٍ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ وَقُودًا لِحَرْبٍ أَمِيرِكِيَّةٍ–إِيرَانِيَّةٍ تُدَارُ مِنَ الجَوِّ، بَيْنَمَا تُدْفَعُ فَوَاتِيرُهَا عَلَى الأَرْضِ العَرَبِيَّةِ. مَنْعُ الضَّرْبَةِ لَمْ يَكُنْ دِفَاعًا عَنْ إِيرَانَ، بَلْ مَنْعًا لِتَحْوِيلِ العَدَاءِ مَعَهَا إِلَى حَرْبٍ وُجُودِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ. تَجْرِبَةُ السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ كَشَفَتْ وَاقِعًا مُقْلِقًا: وَاشِنْطُنَ تُغَيِّرُ أَوْلَوِيَّاتِهَا بِسُرْعَةٍ، وَالضَّمَانَاتُ الأَمْنِيَّةُ قَابِلَةٌ لِإِعَادَةِ التَّفْسِيرِ أَوِ التَّرَاجُعِ. فِي حَالِ انْدِلَاعِ حَرْبٍ شَامِلَةٍ، مَنْ يَضْمَنُ أَلَّا تُتْرَكَ العَوَاصِمُ العَرَبِيَّةُ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ؟ هٰذَا السُّؤَالُ كَانَ حَاضِرًا بِقُوَّةٍ فِي حِسَابَاتِ الرِّيَاضِ وَالقَاهِرَةِ، وَدَفَعَهُمَا إِلَى تَقْلِيصِ المُغَامَرَةِ بَدَلَ تَوْسِيعِهَا. إِيرَانُ، بِامْتِلَاكِهَا تَرْسَانَةً مِنَ المُسَيَّرَاتِ وَالصَّوَارِيخِ البَالِيسْتِيَّةِ وَشَبَكَةً وَاسِعَةً مِنَ المِيلِيشِيَاتِ، قَادِرَةٌ عَلَى تَحْوِيلِ مُدُنِ الخَلِيجِ وَمُنْشَآتِهِ الحَيَوِيَّةِ إِلَى أَهْدَافٍ سَهْلَةٍ فِي حَالِ تَعَرُّضِهَا لِضَرْبَةٍ فِي العُمُقِ، وَهُوَ مَا يُفَسِّرُ تَحْذِيرَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ لِتْرَامْبَ مِنْ أَنَّ «المِنْطَقَةَ بِرُمَّتِهَا سَتَدْفَعُ الثَّمَنَ». إِيرَانُ لَيْسَتْ عِرَاقَ 2003 الذَّاكِرَةُ السِّيَاسِيَّةُ العَرَبِيَّةُ تَحْتَفِظُ بِدَرْسِ العِرَاقِ. دَوْلَةٌ سَقَطَتْ بِسُرْعَةٍ، لٰكِنَّ الإِقْلِيمَ دَفَعَ ثَمَنًا فَوْضَوِيًّا طَوِيلَ الأَمَدِ. إِيرَانُ مُخْتَلِفَةٌ جَذْرِيًّا: دَوْلَةٌ مُتَجَذِّرَةٌ اجْتِمَاعِيًّا وَمُؤَسَّسِيًّا، شَبَكَةُ نُفُوذٍ إِقْلِيمِيَّةٌ مُمْتَدَّةٌ (العِرَاقُ، سُورِيَا، لُبْنَانُ، اليَمَنُ)، وَقُدْرَةٌ عَلَى الرَّدِّ غَيْرِ المُتَمَاثِلِ تَرْفَعُ مِنْسُوبَ الِاسْتِنْزَافِ بَدَلَ الحَسْمِ. تَفْكِيكُ إِيرَانَ بِالقُوَّةِ مُسْتَحِيلٌ، وَإِضْعَافُهَا عَسْكَرِيًّا قَدْ يُنْتِجُ وَحْشًا أَمْنِيًّا بِلَا مَرْكَزِ قَرَارٍ، أَخْطَرَ مِنْ خَصْمٍ يُمْكِنُ احْتِوَاؤُهُ. نُضْجُ إِدَارَةِ الصِّرَاعَات يَعْكِسُ هٰذَا المَوْقِفُ العَرَبِيُّ نُضْجًا فِي إِدَارَةِ الصِّرَاعَاتِ، حَيْثُ انْتَقَلَتِ العَوَاصِمُ الكُبْرَى مِنْ سِيَاسَةِ «الرِّهَانِ عَلَى القُوَّةِ الخَارِجِيَّةِ» إِلَى سِيَاسَةِ «تَصْفِيرِ المُشْكِلَاتِ الإِقْلِيمِيَّةِ» أَوْ عَلَى الأَقَلِّ إِدَارَتِهَا دِبْلُومَاسِيًّا. لَمْ يَكُنْ مَنْعُ ضَرْبَةِ تْرَامْبَ دِفَاعًا عَنْ طَهْرَانَ، بَلْ دِفَاعًا عَنِ «المُسْتَقْبَلِ العَرَبِيِّ» الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ مُغَامَرَاتٍ عَسْكَرِيَّةً غَيْرَ مَحْسُوبَةِ النَّتَائِجِ. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُ أَنَّ بَراغْماتِيَّةَ المَصَالِحِ بَاتَتْ تَتَقَدَّمُ عَلَى مَرَارَةِ العَدَاءِ التَّارِيخِيِّ فِي صِيَاغَةِ قَدَرِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الجَدِيدِ. مَا فَعَلَتْهُ السُّعُودِيَّةُ وَمِصْرُ لَمْ يَكُنْ تَنَاقُضًا مَعَ عَدَائِهِمَا لِإِيرَانَ، بَلْ ذُرْوَةَ هٰذَا العَدَاءِ حِينَ رُفِضَ تَحْوِيلُهُ إِلَى مُقَامَرَةٍ وُجُودِيَّةٍ. لَقَدِ اخْتَارَتَا مَنْطِقَ الدَّوْلَةِ عَلَى مَنْطِقِ الحَرْبِ، وَالحِسَابَ البَارِدَ عَلَى الِانْفِعَالِ، وَالِاسْتِقْرَارَ النِّسْبِيَّ عَلَى الفَوْضَى المُؤَكَّدَةِ. فِي الشَّرْقِ الأَوْسَطِ، لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَمْنَعُ الحَرْبَ صَدِيقًا. أَحْيَانًا، يَكُونُ فَقَطْ أَكْثَرَ وَعْيًا بِحَجْمِ الكَارِثَةِ.
ليس أخطر على الدول من أن تُستباح سيادتها بقصفٍ خارجي، إلا أن تُستباح بالكلام الصادر من داخل مؤسساتها. وما قاله وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، أياً تكن نواياه أو خلفياته، لا يمكن التعامل معه بوصفه زلّة لسان أو اجتهادًا سياسيًا عابرًا، بل هو تصريح يمسّ جوهر الدولة اللبنانية، ويضع الدستور نفسه في موقع المساءلة. حين يقول رأس الدبلوماسية اللبنانية إن لإسرائيل “الحق” في مواصلة اعتداءاتها على لبنان طالما لم يُحصر سلاح حزب الله، فهو لا يقدّم تحليلًا سياسيًا، بل يمنح—ولو ضمنيًا—شرعية لعدوان عسكري على أرض ذات سيادة. هنا لا تكمن المشكلة في الرأي، بل في الموقع. فالكلمات، حين تصدر عن وزير خارجية، لا تعود ملك صاحبها، بل تتحوّل إلى موقف دولة. السيادة لا تُشَرط الدستور اللبناني، في مقدمته، لا يتحدث عن سيادة مشروطة، ولا عن حماية انتقائية للأراضي، ولا عن حقوق سيادية تُمنح أو تُسحب وفق موازين داخلية أو إقليمية. السيادة واحدة، كاملة، غير قابلة للتجزئة أو المقايضة—لا بسلاح حزب، ولا بخلاف داخلي، ولا بضغط خارجي. أما ميثاق الأمم المتحدة، الذي يلتزم به لبنان التزامًا دستوريًا، فيحظر صراحة استخدام القوة ضد سلامة أي دولة إقليمية أو استقلالها السياسي. لا يوجد في القانون الدولي بند اسمه: “حق القصف إذا فشلت الدولة في إدارة شؤونها الداخلية”. فإما أن يكون لبنان دولة تُدافع عنها مؤسساتها، وإما أن يتحوّل إلى ساحة مفتوحة تُدار بالتحليلات والشروط. ليس محلّلًا سياسيًا من يعتقد أن وزير الخارجية يملك رفاهية التعبير كما يشاء، يخلط بين المواطن والمنصب. وزير الخارجية لا يتكلّم باسمه، بل باسم الدولة اللبنانية. كلماته ليست رأيًا، بل موقف رسمي يُحفظ ويُدوَّن، وقد يُستخدم لاحقًا ضد لبنان في المحافل الدولية. الدستور واضح: السياسة الخارجية تُرسم جماعيًا داخل مجلس الوزراء، لا فرديًا عبر مقابلات أو تصريحات. وزير الخارجية منفّذ وممثّل، لا صاحب تفويض بالتنازل اللفظي عن الحقوق السيادية. وإن لم يكن هذا الكلام صادرًا عن قرار حكومي، فالمصيبة مضاعفة. وإن كان صادرًا عنه، فالمصيبة وطنية كاملة الأوصاف. الأخطر في هذا النوع من التصريحات لا يكمن فقط في تبرير العدوان، بل في نقل بوصلة النقاش من السؤال الجوهري، لماذا تُقصف أرضنا؟ إلى سؤال مُضلِّل: من المسؤول داخليًا عن استمرار القصف؟ وهنا تتحقق الغاية الإسرائيلية دون إطلاق رصاصة واحدة، تفكيك الإجماع الوطني، تحوير البوصلة، وتحويل الضحية إلى متّهم. مسؤولية لا هروب منها قد لا ينصّ الدستور صراحة على محاسبة وزير بسبب تصريح، لكنه يفتح باب المساءلة السياسية الكاملة. ومجلس النواب، إن كان يقوم بدوره، معنيّ بالسؤال لا عن النوايا، بل عن النتائج. هل يُسمح لمسؤول لبناني بأن يقول ما لم يجرؤ العدو نفسه على قوله صراحة؟ هل يُعقل أن يُمنح الاحتلال شهادة “حق” من داخل الدولة التي يعتدي عليها؟ العلاج الداخلي الكلام عن حصر السلاح شأن داخلي لبناني، يُعالج بالدستور والحوار والمؤسسات، لا بالقصف ولا بتبريره. وأي محاولة للربط بين السيادة والاعتداء هي سقوط سياسي ودستوري خطير، يفتح بابًا لا يُعرف أين يُقفل. الدول تُهزم حين تبدأ بالتكلّم ضد نفسها. والسيادة لا تُفقد فقط بالدبابات… أحيانًا تُفقد بتصريحات.