تحميل

إبحث

في الصميم

حين يمنح وزير الخارجية الاحتلال حق القصف

تصريحات رجي

ليس أخطر على الدول من أن تُستباح سيادتها بقصفٍ خارجي، إلا أن تُستباح بالكلام الصادر من داخل مؤسساتها. وما قاله وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، أياً تكن نواياه أو خلفياته، لا يمكن التعامل معه بوصفه زلّة لسان أو اجتهادًا سياسيًا عابرًا، بل هو تصريح يمسّ جوهر الدولة اللبنانية، ويضع الدستور نفسه في موقع المساءلة.

حين يقول رأس الدبلوماسية اللبنانية إن لإسرائيل “الحق” في مواصلة اعتداءاتها على لبنان طالما لم يُحصر سلاح حزب الله، فهو لا يقدّم تحليلًا سياسيًا، بل يمنح—ولو ضمنيًا—شرعية لعدوان عسكري على أرض ذات سيادة. هنا لا تكمن المشكلة في الرأي، بل في الموقع. فالكلمات، حين تصدر عن وزير خارجية، لا تعود ملك صاحبها، بل تتحوّل إلى موقف دولة.

السيادة لا تُشَرط

الدستور اللبناني، في مقدمته، لا يتحدث عن سيادة مشروطة، ولا عن حماية انتقائية للأراضي، ولا عن حقوق سيادية تُمنح أو تُسحب وفق موازين داخلية أو إقليمية. السيادة واحدة، كاملة، غير قابلة للتجزئة أو المقايضة—لا بسلاح حزب، ولا بخلاف داخلي، ولا بضغط خارجي.

أما ميثاق الأمم المتحدة، الذي يلتزم به لبنان التزامًا دستوريًا، فيحظر صراحة استخدام القوة ضد سلامة أي دولة إقليمية أو استقلالها السياسي. لا يوجد في القانون الدولي بند اسمه: “حق القصف إذا فشلت الدولة في إدارة شؤونها الداخلية”. فإما أن يكون لبنان دولة تُدافع عنها مؤسساتها، وإما أن يتحوّل إلى ساحة مفتوحة تُدار بالتحليلات والشروط.

ليس محلّلًا سياسيًا

من يعتقد أن وزير الخارجية يملك رفاهية التعبير كما يشاء، يخلط بين المواطن والمنصب. وزير الخارجية لا يتكلّم باسمه، بل باسم الدولة اللبنانية. كلماته ليست رأيًا، بل موقف رسمي يُحفظ ويُدوَّن، وقد يُستخدم لاحقًا ضد لبنان في المحافل الدولية.

الدستور واضح: السياسة الخارجية تُرسم جماعيًا داخل مجلس الوزراء، لا فرديًا عبر مقابلات أو تصريحات. وزير الخارجية منفّذ وممثّل، لا صاحب تفويض بالتنازل اللفظي عن الحقوق السيادية. وإن لم يكن هذا الكلام صادرًا عن قرار حكومي، فالمصيبة مضاعفة. وإن كان صادرًا عنه، فالمصيبة وطنية كاملة الأوصاف.

الأخطر في هذا النوع من التصريحات لا يكمن فقط في تبرير العدوان، بل في نقل بوصلة النقاش من السؤال الجوهري،  لماذا تُقصف أرضنا؟ إلى سؤال مُضلِّل: من المسؤول داخليًا عن استمرار القصف؟ وهنا تتحقق الغاية الإسرائيلية دون إطلاق رصاصة واحدة،  تفكيك الإجماع الوطني، تحوير البوصلة، وتحويل الضحية إلى متّهم.

مسؤولية لا هروب منها

قد لا ينصّ الدستور صراحة على محاسبة وزير بسبب تصريح، لكنه يفتح باب المساءلة السياسية الكاملة. ومجلس النواب، إن كان يقوم بدوره، معنيّ بالسؤال لا عن النوايا، بل عن النتائج. هل يُسمح لمسؤول لبناني بأن يقول ما لم يجرؤ العدو نفسه على قوله صراحة؟ هل يُعقل أن يُمنح الاحتلال شهادة “حق” من داخل الدولة التي يعتدي عليها؟

العلاج الداخلي

الكلام عن حصر السلاح شأن داخلي لبناني، يُعالج بالدستور والحوار والمؤسسات، لا بالقصف ولا بتبريره. وأي محاولة للربط بين السيادة والاعتداء هي سقوط سياسي ودستوري خطير، يفتح بابًا لا يُعرف أين يُقفل. الدول تُهزم حين تبدأ بالتكلّم ضد نفسها. والسيادة لا تُفقد فقط بالدبابات… أحيانًا تُفقد بتصريحات.

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا